الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما المرتد إذا أحرم بالحج في حال ردته ، فإحرامه باطل غير منعقد : لأن الردة تنافي العبادات ، فلم ينعقد الإحرام معها كالكفر ، فأما إذا أحرم بالحج وهو مسلم ، ثم ارتد في أثناء إحرامه ففي بطلانه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : قد بطل حجه بحدوث الردة فيه كما تبطل الصلاة والصيام .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن حجه لا يبطل لحدوث الردة فيه ، فإن أسلم بنى على حجه وأجزأه ؛ لأن الحج لما لم يخرج منه بالفساد لم يخرج فيه بالردة ، فأما إذا أتم المسلم حجه ثم ارتد لم يبطل حجه الماضي ، ولم يبطل عمله المتقدم إلا أن يموت على الردة ، فإن عاد إلى الإسلام لم يلزمه قضاء الحج .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : قد بطل ما تقدم من حجه بحدوث الردة بعده : لأن الردة قد أحبطت عمله استدلالا بقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : 65 ] ، وبقوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله [ المائدة : 5 ] ، فأحبط عمله في هذين الآيتين بنفس الكفر حول الموت عليه ، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الإسلام يجب ما كان قبله ، فكان ظاهره يقتضي سقوط جميع عمله ؛ ولأنه أحدث إسلاما ، فوجب أن يستأنف الحج كالكافر الأصلي ؛ ولأنه إذا مات مرتدا فقد حبط عمله إجماعا ، ولا يخلو أن يحبط عمله بالشرك أو بالموت ، فلم يجز أن يحبط عمله بالموت ؛ لأن المسلم يموت ولا يحبط عمله فثبت أنه قد أحبط عمله بالردة .

                                                                                                                                            [ ص: 248 ] ودليلنا قوله تعالى : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف [ البقرة : 275 ] وهذا المرتد إذا أسلم بعد ردته فقد انتهى بموعظة من ربه فوجب أن يكون له ما سلف من عمله وقال تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة [ البقرة : 217 ] وهذا نص في أن حبط العمل لا يكون بنفس الردة حتى يقترن بالموت ، وفيها انفصال عن الاثنين ؛ ولأن كل من لزمه حجة الإسلام لم تلزمه حجة أخرى بأصل الشرع كالمسلم غير المرتد .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن الاثنين فقد مضى وأنهما محمولتان على من مات مرتدا .

                                                                                                                                            وأما قوله : الإسلام يجب ما كان قبله فلا دليل فيه لأنا قد أجمعنا أن الإسلام لا يجب ما كان قبله ؛ لأنهم يقولون إن عمله يحبط بالردة ، ونحن نقول بالردة وبالموت ، وما أحد منا يقول : إن عمله يحبط بالإسلام فسقط الاستدلال به لأن ظاهره متروك .

                                                                                                                                            وأما قياسهم على الكافر الأصلي فالمعنى في الكافر الأصلي : أنه لم يسقط حجة الإسلام عن نفسه فلذلك لزمه فعلها وليس كذلك المرتد .

                                                                                                                                            وأما قولهم إن عمله إما أن يحبط بالموت أو بالردة .

                                                                                                                                            قلنا : لا بل عمله يحبط بهما فأما بأحدهما فلا ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية