الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام الآمدي في أبكار الأفكار في بيان امتناع حلول الحوادث بذاته تبارك وتعالى

وعن هذا قالت المعتزلة : إن القرآن مخلوق ، لأنه لو قام بذاته للزم أن تقوم به الأفعال والصفات ، وأطبق السلف والأئمة على إنكار هذا عليهم .

[ ص: 25 ] وكل من خالفهم قبل ابن كلاب كان يقول بقيام الصفات والأقوال والأفعال المتعلقة بمشيئته وقدرته به ، لكن ابن كلاب ومتبعوه فرقوا بين ما يلزم الذات من أعيان الصفات كالحياة والعلم ، وبين ما يتعلق بالمشيئة والقدرة ، فقالوا هذا لا يقوم بذاته ، لأن ذلك يستلزم تعاقب الحوادث عليه كما سيأتي .

وابن كرام كان متأخرا بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل وتوفي ابن كرام في حدود ستين ومائتين ، فكان بعد ابن كلاب بمدة ، وكان أكثر أهل القبلة قبله على مخالفة المعتزلة والكلابية ، حتى طوائف أهل الكلام من الشيعة والمرجئة كالهشامية وأصحاب أبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهما ، كما ذكر ذلك عنهم الأشعري في المقالات .

وأمثال هؤلاء كانوا يقولون بقيام الحوادث به ، حتى صرح طوائف منهم بالحركة ، كما صرح بذلك طوائف من أئمة الحديث والسنة ، وصرحوا بأنه لم يزل متكلما إذا شاء ، وأن الحركة من لوازم الحياة ، وأمثال ذلك . بل هم يقولون : إنه إنما ابتدع من ابتدع من أهل الكلام البدع المخالفة للنصوص وللمعقول بهذا الأصل ، كقول من قال : إن الكلام معنى واحد قديم ، وقول من قال : إن المعدوم يرى ويسمع ، وقول من قال بقدم صوت معين .

وأما غير أهل الملل فالفلاسفة متنازعون في هذا الأصل ، والمحكي عن كثير من أساطينهم القدماء أنه كان يقول بذلك ، كما تقدم نقل "المقالات" عنهم ، حتى صرح بالحركة من صرح منهم ، بل الذين [ ص: 26 ] كانوا قبل أرسطو من الأساطين ، كانوا يقولون بحدوث العالم عن أسباب حادثة ، وهم يقولون بهذا الأصل : إما تصريحا ، وإما لزوما . وكذلك غير واحد من متأخريهم كأبي البركات البغدادي صاحب "المعتبر" ، وهذا اختيار طائفة من النظار كالأثير الأبهري وغيره .

وما حكاه عن أبي الحسين البصري فهو قول غير واحد قبل أبي الحسين وبعده ، كهشام [ونحوه] وغيره . وابن عقيل يختار قول أبي الحسين ، وهو معنى قول السلف ، والرازي يميل إلى قول أبي الحسين ، بل وإلى زيادة على قوله ، كما ذكره في "المطالب العالية"، بل ينصره . وقوله عن الكرامية إنهم قالوا : أسماؤه كلها أزلية ، أي معاني أسمائه ، أي ما لأجله استحق تلك الأسماء ، كالخالقية والرازقية .

وأما نفس الاسم فهو من كلامه ، وكلامه عندهم حادث قائم بذاته ، ويمتنع عندهم أن يكون في الأزل كلام أو أسماء ، لأن ذلك يقتضي حوادث لا أول لها ، أو يقتضي قدم القول المعين ، وكلاهما باطل عندهم .

وحكايته عن الكرامية أنهم يقولون : خلق الإرادة والقول في ذاته مستند إلى القدرة القديمة ، وخلق ما في المخلوقات يستند إلى [ ص: 27 ] الإرادة والقول ، تعبير عن مذهبهم بعبارته ، وإلا فهم لا يسمون شيئا مما يقوم بذات الرب لا مخلوقا ولا محدثا ، وإنما يقولون : "حادث" ، ولا يقولون : إن إرادته وكلامه لا مخلوق ولا محدث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث