الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان الأفضل من الصبر والشكر

والمعاصي من حيث التأثير في ظلمة القلب وقساوته متفاوتة ، وكذا الطاعات في تنوير القلب وتصفيته ، فدرجاتها بحسب درجات تأثيرها ، وذلك يختلف باختلاف الأحوال . وذلك أنا بالقول المطلق ربما نقول : الصلاة النافلة أفضل من كل عبادة نافلة ، وأن الحج أفضل من الصدقة ، وأن قيام الليل أفضل من غيره ولكن التحقيق فيه أن الغني الذي معه مال وقد غلبه البخل وحب المال على إمساكه ، فإخراج الدراهم له أفضل من قيام ليال ، وصيام أيام ؛ لأن الصيام يليق بمن غلبته شهوة البطن فأراد كسرها أو منعه الشبع عن صفاء الفكر من علوم المكاشفة فأراد تصفية القلب بالجوع فأما هذا المدبر إذا لم تكن حاله هذه الحال فليس يستضر بشهوة بطنه ، ولا هو مشتغل بنوع فكر يمنعه الشبع منه ، فاشتغاله بالصوم خروج منه عن حاله إلى حال غيره ، وهو كالمريض الذي يشكو وجع البطن ؛ إذا استعمل دواء الصداع لم ينتفع به بل حقه أن ينظر في المهلك الذي استولى عليه والشح المطاع من جملة المهلكات ولا يزيل صيام مائة سنة ، وقيام ألف ليلة منه ذرة بل لا يزيله إلا إخراج المال فعليه أن يتصدق بما معه وتفصيل هذا مما ذكرناه في ربع المهلكات فليرجع إليه فإذا باعتبار هذه الأحوال يختلف ، وعند ذلك يعرف البصير أن الجواب المطلق فيه خطأ ؛ إذ لو قال لنا قائل : الخبز أفضل أم الماء ؟ لم يكن فيه جواب حق إلا أن الخبز للجائع أفضل ، والماء للعطشان أفضل ، فإن اجتمعا فلينظر إلى الأغلب ، فإن كان العطش هو الأغلب فالماء أفضل ، وإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل فإن تساويا فهما متساويان وكذا إذا قيل : السكنجبين أفضل أم شراب اللينوفر لم يصح الجواب عنه مطلقا أصلا نعم لو قيل لنا : السكنجبين أفضل أم عدم الصفراء ؟ فنقول : عدم الصفراء لأن السكنجبين مراد له ، وما يراد لغيره فلذلك أفضل منه لا محالة فإذا في بذل المال عمل ، وهو الإنفاق ، ويحصل به حال وهو زوال البخل ، وخروج حب الدنيا من القلب ، ويتهيأ القلب بسبب خروج حب الدنيا منه : لمعرفة الله تعالى وحبه ، فالأفضل المعرفة ، ودونها الحال ، ودونها العمل

فإن قلت : فقد حث الشرع على الأعمال ، وبالغ في ذكر فضلها حتى طلب الصدقات : بقوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا وقال تعالى ويأخذ الصدقات فكيف لا يكون الفعل والإنفاق هو الأفضل ؟ فاعلم أن الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدل على أن الدواء مراد لعينه أو على أنه أفضل من الصحة والشفاء الحاصل به ، ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب ، ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا فهو كبرص على وجه من لا مرآة معه ، فإنه لا يشعر به ولو ذكر له لا يصدق به ،

والسبيل معه المبالغة في الثناء على غسل الوجه بماء الورد مثلا إن كان ماء الورد يزيل البرص حتى يستحثه فرط الثناء على المواظبة عليه فيزول ، مرضه فإنه لو ذكر له أن المقصود زوال البرص عن وجهك ربما ترك العلاج ، وزعم أن وجهه لا عيب فيه ،

ولنضرب مثلا أقرب من هذا : من له ولد علمه العلم والقرآن وأراد أن يثبت ذلك في حفظه بحيث لا يزول عنه وعلم أنه لو أمره بالتكرار والدراسة ليبقى له محفوظا لقال إنه محفوظ ولا حاجة بي إلى تكرار ودراسة ؛ لأنه يظن أن ما يحفظه في الحال يبقى كذلك أبدا وكان له عبيد فأمر الولد بتعليم العبيد ووعده على ذلك بالجميل لتتوفر داعيته على كثرة التكرار بالتعليم ، فربما يظن الصبي المسكين أن المقصود تعليم العبيد القرآن وأنه قد استخدم لتعليمهم فيشكل عليه الأمر فيقول : ما بالي قد استخدمت لأجل العبيد وأنا أجل منهم وأعز عند الوالد وأعلم أن أبي لو أراد تعليم العبيد لقدر عليه دون تكليفي به وأعلم أن لا نقصان لأبي بفقد هؤلاء العبيد فضلا عن عدم علمهم بالقرآن فربما يتكاسل هذا المسكين فيترك تعليمهم اعتمادا على استغناء أبيه وعلى كرمه في العفو عنه فينسى العلم والقرآن ويبقى مدبرا محروما من حيث لا يدري وقد انخدع بمثل هذا الخيال طائفة وسلكوا طريق الإباحة ، وقالوا : : إن الله تعالى غني عن عبادتنا وعن أن يستقرض منا ، فأي معنى لقوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ، ولو شاء الله إطعام المساكين ، لأطعمهم فلا حاجة بنا إلى صرف أموالنا إليهم ، كما قال تعالى حكاية عن الكفار : وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وقالوا أيضا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا فانظر كيف كانوا صادقين في كلامهم ، وكيف هلكوا بصدقهم ، فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق ، وإذا شاء أسعد بالجهل ، يضل به كثيرا ، ويهدي به كثيرا فهؤلاء لما ظنوا أنهم استخدموا لأجل المساكين والفقراء أو لأجل الله تعالى ثم قالوا : لا حظ لنا في المساكين ، ولا حظ لله فينا وفي أموالنا ، سواء أنفقنا أو أمسكنا هلكوا كما هلك الصبي لما ظن أن مقصود الوالد استخدامه لأجل العبيد ، ولم يشعر بأنه كان المقصود ثبات صفة العلم في نفسه ، وتأكده في قلبه ، حتى يكون ذلك سبب سعادته في الدنيا ، وإنما كان ذلك من الوالد تلطفا به في استجراره إلى ما فيه سعادته ، فهذا المثال يبين لك ضلال من ضل من هذا الطريق فإذا هذا المسكين الآخذ لمالك يستوفي بواسطة المال خبث البخل ، وحب الدنيا من باطنك ، فإنه مهلك لك فهو كالحجام يستخرج الدم منك ليخرج بخروج الدم العلة المهلكة من باطنك فالحجام خادم لك لا أنت خادم للحجام ،

ولا يخرج الحجام عن كونه خادما بأن يكون له غرض في أن يصنع شيئا بالدم . ولما كانت الصدقات مطهرة للبواطن ومزكية لها عن خبائث الصفات امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذها ، وانتهى عنها كما نهى عن كسب الحجام وسماها : أوساخ أموال الناس وشرف أهل بيته بالصيانة عنها والمقصود أن الأعمال مؤثرات في القلب كما سبق في ربع المهلكات ، والقلب بحسب تأثيرها مستعد لقبول الهداية ونور المعرفة ، فهذا هو القول الكلي والقانون الأصلي الذي ينبغي أن يرجع إليه في معرفة فضائل الأعمال والأحوال والمعارف ، ولنرجع الآن إلى خصوص ما نحن فيه من الصبر والشكر ، فنقول : في كل واحد منهما معرفة وحال وعمل فلا يجوز أن تقابل المعرفة في أحدهما بالحال أو العمل في الآخر بل يقابل كل واحد منهما بنظيره حتى يظهر التناسب ، وبعد التناسب يظهر الفضل ومهما قوبلت معرفة الشاكر بمعرفة الصابر ربما رجعا إلى معرفة واحدة ؛ إذ معرفة الشاكر أن يرى نعمة العينين مثلا من الله تعالى

ومعرفة الصابر أن يرى العمى من الله وهما معرفتان متلازمتان متساويتان هذا إن اعتبرنا في البلاء والمصائب .

وقد بينا أن الصبر قد يكون على الطاعة ، وعن المعصية ، وفيهما يتحد الصبر والشكر لأن الصبر على الطاعة هو عين شكر الطاعة لأن الشكر يرجع إلى صرف نعمة الله تعالى إلى ما هو المقصود منها بالحكمة ، والصبر يرجع إلى ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى .

التالي السابق


(والمعاصي) بأسرها (من حيث التأثير في ظلمة القلب وقساوته متفاوتة، وكذا الطاعات في تنوير القلب وتصفيته، فدرجاتها بحسب درجات تأثيرها، وذلك يختلف باختلاف الأحوال. وذلك أنا بالقول المطلق ربما نقول: الصلاة النافلة أفضل من كل عبادة نافلة، وإن الحج أفضل من الصدقة، وإن قيام الليل أفضل من غيره) وهو على إطلاقه صحيح، (ولكن التحقيق فيه أن الغني الذي معه مال كثير وقد غلبه البخل وحب المال على إمساكه، فإخراج درهم له أفضل من قيام ليال، وصيام أيام؛ لأن الصيام يليق بمن غلبه شهوة البطن فأراد كسرها) برياضة الصوم (أو منعه الشبع عن صفاء الفكر في علوم المكاشفة فأراد تصفية القلب بالجوع) لينفتح له باب المعرفة في الله تعالى، (فأما هذا المدبر إن لم تكن حاله هذه الحال فليس يستضر بشهوة بطنه، ولا هو مشتغل بنوع فكر يمنعه الشبع منه، فاشتغاله بالصوم خروج منه عن حاله إلى حال غيره، وهو كالمريض الذي يشكو وجع البطن؛ لذا استعمل دواء الصداع لم ينتفع به) لاختلاف العلتين (بل حقه أن ينظر في المهلك الذي استولى عليه) وغلب طبعه (والشح المطاع) وهو الذي يكون هو مغلوبا له، وذاك حاكما عليه بمنزلة الأمير المطاع، فيعمل بموجب أوامره، ولا يطيع باعث الدين أبدا، وهو (من جملة المهلكات) كما ورد ذلك في الخبر: ثلاث منجيات وثلاث مهلكات.. الحديث، وقد تقدم في كتاب ذم البخل، (ولا يزيل صيام مائة سنة، وقيام ألف ليلة منه ذرة) منه لانفكاك الجهتين (بل لا يزيله إلا إخراج المال) عن ملكه (فعليه أن يتصدق بما معه) هذا هو الأفضل في حقه (وتفصيل هذا مما ذكرناه في ربع المهلكات فليرجع إليه) فإنه مهم .

(فإذا باعتبار هذه الأحوال يختلف، وعند ذلك يعرف البصير أن الجواب المطلق فيه خطأ؛ إذ لو قال لنا قائل: الخبز أفضل أم الماء؟ لم يكن فيه جواب حق إلا أن الخبز للجائع أفضل، والماء للعطشان أفضل، فإن اجتمعا فلينظر إلى الأغلب، فإن كان العطش [ ص: 156 ] هو الأغلب فالماء أفضل، فإن تساويا فهما متساويان) لا فضيلة لأحدهما على الآخر. (وكذا إذا قيل: السكنجبين أفضل أم شراب اللينوفر) وفي نسخة: النيلوفر، وهو نبات يخرج في البرك والأنهار عند زيادة الماء، وله زهر اسمانجوني، والشراب المتخذ منه مبرد مرطب، نافع للسعال والشوصة وذات الجنب، مقو للقلب، مسكن للعطش، مزيل للسهر الكائن من الحرارة، ملين للطبيعة، نافع من الصداع، وهو مع حلاوته لا يستحيل صفراء بخلاف سائر الأشربة الحلوة (لم يصحح الجواب عنه مطلقا أصلا نعم لو قيل لنا: السكنجبين أفضل أم عدم الصفراء؟ فنقول: عدم الصفراء) أفضل (لأن السكنجبين مراد له، وما يراد لغيره فذلك الغير أفضل منه لا محالة) .

(فإذا في بذل المال عمل، وهو الإنفاق، ويحصل به حال وهو زوال البخل، وخروج حب الدنيا من القلب، ويتهيأ القلب بسبب خروج حب الدنيا منه) أي: من القلب (لمعرفة الله تعالى وحبه، فالأفضل المعرفة، ودونها الحال، ودونها العمل) على هذا الترتيب. (فإن قلت: فقد حث الشرع على الأعمال، وبالغ في ذكر فضلها حتى طلب الصدقات في قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) ، وقال تعالى: ويأخذ الصدقات ، وغير ذلك مما ورد الحث عليه في الكتاب والسنة (فكيف لا يكون الفعل والإنفاق هو الأفضل؟ فاعلم أن الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدل على أن الدواء مراد لعينه أو على أنه أفضل من الصحة والشفاء الحاصل به، ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب، ومرض القلب مما لا يشعر به غالبا) لخفائه عنا (فهو كبرص على وجه من لا مرآة معه، فإنه لا يشعر به ولو ذكر له لا يصدق به، والسبيل معه المبالغة في الثناء على غسل الوجه بماء الورد مثلا إن كان ماء الورد يزيل البرص حتى يستحثه فرط الثناء على المواظبة عليه فيزول برصه، فإنه لو ذكر له أن المقصود زوال البرص عن وجهك ربما ترك العلاج، وزعم أن وجهه لا عيب فيه، ولنضرب مثلا أقرب من هذا فنقول: من له ولد علمه العلم أو القرآن وأراد أن يثبت ذلك في حفظه بحيث لا يزول عنه وعلم أنه لو أمره بالتكرار والدراسة ليبقى) في ذهنه (محفوظا لقال إنه محفوظ ولا حاجة إلى تكرار ودراسة؛ لأنه يظن أن ما يحفظه في الحال يبقى كذلك أبدا) وليس كما ظن (وكان له عبيد فأمر الولد بتعليم العبيد ووعده على ذلك بالجميل لتتوفر داعيته على كثرة التكرار بالتعليم، فربما يظن الصبي المسكين أن المقصود تعليم القرآن) فقط (وأنه قد استخدم لتعليمهم فيشكل عليه الأمر فيقول: ما بالي قد استخدمت لأجل العبيد وأنا أجل منهم)قدرا (وأعز عند الوالد وأعلم أن أبي لو أراد تعليم العبيد لقدر عليه دون تكليفي به) بأن يكلف به غيري (وأعلم أنه لا نقصان لأبي بفقد هؤلاء العبيد فضلا عن عدم علمهم بالقرآن فربما يتكاسل هذا المسكين فيترك تعليمهم اعتمادا على استغناء أبيه وعلى كرمه في العفو عنه فينسى العلم والقرآن ويبقى مدبرا محروما من حيث لا يدري) .

(وقد انخدع بهذا الخيال طائفة) ممن خفت عقولهم (وسلكوا طريق الإباحة، وقالوا: إن الله تعالى غني عن عبادتنا وعن أن يستقرض منا، وأي معنى لقوله:

[ ص: 157 ] من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ، ولو شاء الله إطعام المساكين أطعمهم، فلا حاجة منا إلى صرف أموالنا إليهم، كما قال تعالى حكاية عن الكفار: وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) إن أنتم إلا في ضلال مبين ، (وقالوا أيضا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا فانظر كيف كانوا صادقين في كلامهم، وكيف هلكوا بصدقهم، فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق، وإذا شاء أسعد بالجهل، يضل به كثيرا، ويهدي به كثيرا) يعني القرآن (فهؤلاء لما ظنوا إذ ظنوا أنهم استخدموا لأجل المساكين والفقراء أو لأجل الله تعالى ثم قالوا: لا حظ لنا في المساكين، ولا حظ لله فينا وفي أموالنا، سواء أنفقنا أو أمسكنا هلكوا كما هلك الصبي لما ظن أن مقصود الوالد استخدامه لأجل العبيد، ولم يشعر بأنه كان المقصود ثبات صفة العلم في نفسه، وتأكده في قلبه، حتى يكون ذلك سبب سعادته في الدنيا، وإنما كان ذلك من الوالد تلطفا به في استجراره إلى ما فيه سعادته، فهذا المثال يبين لك ضلال من ضل من هذا الطريق) واستولى الشيطان على عقله .

(فإذا المسكين الآخذ لمالك يستوفي بواسطة المال خبث البخل، وحب الدنيا من باطنك، فإنه مهلك لك فهو كالحجام يستخرج الدم منك ليخرج بخروج الدم العلة المهلكة من باطنك) الحاصلة من تبيغ الدم (فالحجام خادم لك لا أنت خادم للحجام، ولا يخرج الحجام عن كونه خادما) لك (بأن يكون له غرض في أن يصنع شيئا بالدم. ولما كانت الصدقات مطهرة للبواطن ومزكية لها من خبائث الصفات) لقوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم الآية. (امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذها، وانتهى عنها كما نهى عن كسب الحجام) رواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود، وقد تقدم (وسماها) أي: الصدقات (أوساخ الناس وشرف أهل بيته بالصيانة عنها) .

قال العراقي: رواه مسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة: إن هذه الصدقة لا تحل لنا إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد. وفي رواية له: أوساخ الناس. اهـ. قلت: ورواه أبو داوود والنسائي بلفظ: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد.

(والمقصود أن الأعمال مؤثرات في القلب كما سبق في ربع المهلكات، والقلب بحسب تأثرها يستعد لقبول الهداية ونور المعرفة، فهذا هو القول الكلي والقانون الأصلي الذي ينبغي أن يرجع إليه في معرفة فضائل الأعمال والأحوال والمعارف، فلنرجع الآن إلى خصوص ما نحن فيه من الصبر والشكر، فنقول: في كل واحد منهما معرفة وحال وعمل) ؛ إذ تقدم أن المقامات لا تنتظم إلا بهؤلاء الثلاثة (فلا يجوز أن تقابل المعرفة في أحدهما بالحال والعمل في الآخر بل يقابل كل واحد بنظيره حتى يظهر التناسب، وبعد التناسب يظهر الفضل) والترجيح. (ومهما قوبلت معرفة الشاكر بمعرفة الصابر ربما رجعا إلى معرفة واحدة؛ إذ معرفة الشاكر أن يرى نعمة العينين مثلا من الله تعالى) فيشكر (ومعرفة الصابر أن يرى العمى من الله) فيصبر (وهما معرفتان متلازمتان متساويتان هذا إن اعتبرته في البلاء والمصائب. وقد بينا أن الصبر قد يكون عن الطاعة، وعن المعصية، وفيهما يتحد الصبر والشكر لأن الصبر على الطاعة) هو عين شكر الطاعة (لأن الشكر [ ص: 158 ] يرجع إلى صرف نعمة الله تعالى إلى ما هو مقصود منها بالحكمة، والصبر يرجع إلى ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى) ومقاومته .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث