الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الخلع

جزء التالي صفحة
السابق

ولزم في ألف الغالب والبينونة إن قال : إن أعطيتني ألفا : فارقتك ، أو أفارقك إن فهم [ ص: 29 ] الالتزام ، أو الوعد إن ورطها ، أو طلقني ثلاثا بألف فطلق واحدة [ ص: 30 ] وبالعكس ، أو أبني بألف ، أو طلقني نصف طلقة ، أو في جميع الشهر ففعل ، أو قال بألف غدا فقبلت في الحال ، [ ص: 31 ] أو بهذا الهروي فإذا هو مروي ، أو بما في يدها وفيه متمول ، أو لا على الأحسن ، لا إن خالعته بما لا شبهة لها فيه [ ص: 32 ] أو بتافه في : إن أعطيتني ما أخالعك به ، أو طلقتك ثلاثا بألف ، فقبلت واحدة بالثلث .

التالي السابق


( ولزم في ) الخلع ب ( ألف ) درهم مثلا ، وفي البلد دراهم مختلفة ولم يعين شيئا منها فيلزمها ( الغالب ) في التعامل به ، ويلزمه قبوله ، فإن لم يكن غالب فيلزم في الاثنين النصف من كل منهما ، ومن الثلاثة الثلث من كل منها ، ومن الأربعة وهكذا ، فإن لم يعين نوع الألف حمل على المتعارف إن كان ، وإلا قبل تفسيرها إن وافقها بلا يمين ، وإلا فبيمين ولم يقع طلاق إن نكلت أفاده عب . تت ، وحكم غير النقدين كذلك كالمخالعة بعدد من شياه مثلا وهناك نوعان غلب أحدهما فيلزم فإن أتت بغيره فلا يلزم ( و ) لزم ( البينونة ) أي الطلاق البائن بمجرد تحقق المعلق عليه ( إن قال ) الزوج لزوجته ( إن أعطيتني ألفا ) من الدراهم ، أو الدنانير أو الضأن ، أو الغنم ، أو النعم ( فارقتك ) بصيغة الماضي ( أو أفارقك ) بصيغة المضارع ، فإن أعطته الألف من غالب ما سمى في المجلس أو بعده إن لم توجد قرينة تخصصه بانت منه بلا إنشاء طلاق ، هذا ظاهر المدونة ، قال فيها : إن قال لها : إن أعطيتني كذا فأنت طالق فلها ذلك إن أعطته . قال مالك رضي الله تعالى عنه : في : أمرك بيدك ، أو إلى أجل لها ذلك ما لم توقف ، أو توطأ فيبطل ما بيدها ا هـ . وفي سماعابن القاسم وسئل مالك رضي الله تعالى عنه عمن قال لامرأته : اقضني ديني وأفارقك ، فقبضه ، ثم قال لا أفارقك حتى كان لي عليك فأعطيتنيه قال أرى ذلك طلاقا إن كان على وجه الفدية ، فإن لم يكن على وجهها أحلف بالله أنه لم يكن على وجهها ويكون القول قوله .

ابن رشد معناه إذا ثبت أنه كان على وجهها ببساط قامت عليه بينة مثل أن تسأله أن يطلقها على شيء تعطيه إياه فقال لها اقضني ديني أفارقك وما أشبه ذلك ، أو أقر به على نفسه ، فإن ثبت ذلك ببينة ، أو أقر به على نفسه كان خلعا ثابتا ( إن فهم ) بضم فكسر [ ص: 29 ] بقرينة حال ، أو مقال كمتى شئت ، أو إلى أجل كذا ، ونائب فاعل " فهم " ( الالتزام ) للفراق وأنه علقه على إعطائها ما ذكره في الصورتين ( أو ) لم يفهم الالتزام بل فهم ( الوعد ) بأنه يطلقها إن أعطته ما ذكره فيها فإن أعطته مما ذكره فيلزمه تطليقها ( إن ) كان ( ورطها ) بفتحات مثقلا أي أدخل الزوج زوجته في ورطة ، أي كلفة ومشقة بسبب قوله المذكور بأن باعت متاعها لتدفع له ثمنه .

ابن الحاجب ومثل : إن أعطيتني ألفا فأنت طالق فإن فهم منه الالتزام لزم ، وإن فهم منه الوعد ودخلت في شيء بسببه فقولان . ومفهوم الشرط عدم اللزوم وهو الجاري على المشهور من عدم لزوم الوفاء بالوعد ، ونظم عج الفرق بين الوعد والالتزام فقال :

قرائن الأحوال أو سوق الكلام مورد فرق بين وعد والتزام



( أو ) قالت ( طلقني ثلاثا بألف فطلق ) ها طلقة ( واحدة ) فتلزمها الألف ; لأن قصدها البينونة وقد حصلت بالواحدة في مقابلة العوض ، وكونها بالثلاث لا يتعلق به غرض شرعي ، هذا قول ابن المواز ، ومذهب المدونة أنه لا يلزمها الألف إلا إذا طلقها ثلاثا ، ولا يلزمها شيء من الألف في نظير الواحدة التي أوقعها . و الظاهر أنها بائنة لوقوعها في مقابلة عوض ، وإن لم يتم . وقيل يلزمها ثلث الألف واستشكل مذهبها بأن شرطها الثلاث لا فائدة فيه لبينونتها بواحدة .

وأجاب أبو الحسن بأنه قد يكون لها غرض وهو عدم رجوعها إليه قبل زوج إن صالحها أفاده عب . البناني قول ز : مذهب المدونة أنه لا يلزمها الألف إلخ فيه نظر ، والظن أنه باطل . وفي إيضاح المسالك للونشريسي والمذهب أنه لا كلام لها ، وصحح ابن بشير تخريج اللخمي على القاعدة يعني قاعدة اشتراط ما لا يفيد هل يجب الوفاء به أم لا ، واختار بعضهم أنه يفيد تقية غلبة الشفاعة لها في مراجعته على كره منها . ا هـ . ومثله في التوضيح ابن عرفة .

اللخمي عن محمد إن أعطته مالا على طلاقها ثلاثا فطلقها واحدة صح له ولا [ ص: 30 ] حجة لها لنيلها بالواحدة ما تنال بالثلاث ، وأرى إن كان عازما على طلاقها واحدة فلها الرجوع بكل ما أعطته ; لأنها للاثنتين أعطته ، وإن كان راغبا في إمساكها فرغبت في الطلاق فلا قول لها .

( وبالعكس ) أي قالت طلقني واحدة بألف فطلقها بها ثلاثا فتلزمها الألف ، هذا مذهب المدونة وغيرها لحصول غرضها وزيادة قاله تت ، واستظهر ابن عرفة رجوعها عليه في هذه بالألف مع لزوم الثلاث ونصه عقب ما تقدم عنه : وإن كان رغب في طلاقها فأعطته على أن تكون واحدة فطلقها ثلاثا لزم ، ولا قول لها ، وأرى إن كان راغبا في طلاقها فأعطته على أن تكون واحدة أن ترجع بجميع ما أعطته ; لأنها إنما أعطته على أن لا يوقع الاثنتين لتحل له من قبل زوج إن بدا لهما . قلت : الأظهر رجوعها عليه بما أعطته مطلقا ; لأنه بطلاقه إياها ثلاثا يعيبها لامتناع كثير من الناس من تزويجها خوف جعلها إياه محللا فتسيء عشرته ليطلقها فتحل للأول .

( أو ) قالت المرأة لزوجها ( أبني ) بفتح الهمز وكسر الموحدة والنون مشددا أي طلقني طلاقا بائنا ( بألف ) من نحو الدراهم فقال : طلقتك بها لزمها الألف ولزمه الطلاق ( أو ) قالت له ( طلقني نصف طلقة ) مثلا بألف فقال لها أنت طالق نصف طلقة بها لزمه طلقة كاملة ، ولزمها الألف ( أو ) قالت له أبني ( في جميع الشهر ) بألف أي اجعله ظرفا له ( ففعل ) الزوج ما طلبته ومنه إبانتها في جميع الشهر فقد لزمتها الألف التي عينتها ، فإن طلقها بعده لزمه بائنا ولا شيء له .

( أو قال ) الزوج لزوجته أنت طالق ( بألف ) من نحو الدراهم ( غدا فقبلت ) الزوجة طلاقها بالألف ( في الحال ) لزمه الطلاق في الحال ، ولزمها المسمى كذلك ، ومثله إذا قالت : طلقني بألف غدا فطلقها في الحال فيستحق الألف إن فهم منها قصد تعجيل الطلاق ، أو لم يفهم منها شيء ، فإن فهم تخصيص الغد فلا يلزمها شيء إذا قدم الطلاق عليه ، أو [ ص: 31 ] أخره عنه ، ولزمه الطلاق البائن على كل حال ( أو ) رأى في يدها ثوبا ظنه هرويا فقال لها أنت طالق ( بهذا ) الثوب الذي في يدك ( الهروي ) بفتح الهاء والراء وشد الياء نسبة إلى هراة إحدى مدائن خراسان تصنع بها الثياب ، وكانت سادة العرب تعمم بعمائمها فأعطته ما في يدها ( فإذا هو ) ثوب ( مروي ) بفتح الميم وسكون الراء نسبة إلى مرو كذلك بلد بخراسان يلبس ثوبها خاصة الناس ، ويقال في نسبة الآدمي إليها مروزي بزيادة الزاي على خلاف القياس ، فتلزمه البينونة بالمروي الذي أعطته له لتعينه بالإشارة إليه ، وقد قصر في عدم تثبته . وكذا بهذه الدراهم ، أو الدنانير المحمدية فإذا هي يزيدية ، وأما إن خالعها بثوب هروي موصوف فدفعت له ثوبا فظهر مرويا فعليها إبداله بهروي ، والخلع لازم . وإن قال إن أعطيتني ثوبا هرويا فأنت طالق فأعطته مرويا فلا يلزمه طلاق .

( أو ) خالعته ( بما في يدها ) مقبوضة ( وفيه ) أي يدها وذكرها باعتبار كونها عضوا شيء ( متمول ) بضم الميم الأولى وفتح التاء والميم الثانية والواو مشددة أي شيء له قيمة شرعية ولو يسيرا كدرهم فتلزمه البينونة بما في يدها فقط ( أو لا ) بسكون الواو ومخففا أي أو ليس فيها متمول بأن لم يكن فيها شيء ، أو فيها نحو حصاة فتبين منه ( على الأحسن ) عندابن عبد السلام ، قال وهو الأقرب ، وهو قول عبد الملك ; لأنه أبانها مجوزا لذلك . ولمالك رضي الله تعالى عنه والأكثر لا تلزمه واستحسنه اللخمي إن كان عن مشارة ، وعند الجد قال ، وإنما تسامح الناس في هذا عند الهزل واللعب .

( لا ) تلزمه البينونة ( إن خالعته ) أي الزوجة زوجها ( بما ) أي متمول معين ( لا شبهة لها ) أي الزوجة ( في ) ملك ( هـ ) عالمة بذلك دونه كمسروق ومغصوب الوديعة وملك غيرها مدعية إيصاءه به لها ، أو هبته لها كاذبة ، فإن خالعته بموصوف لا شبهة لها فيه ، أو بمعين لها فيه شبهة بأن أوصى لها ، ثم رجع الموصي بعد الخلع ، أو لم [ ص: 32 ] يحمله الثلث أو وهبه لها أبوها ، ثم اعتصره منها ، أو اشترته ، ثم استحق بانت ورجع عليها بعوضه ، وإن علم دونها فلا يرجع عليها بشيء .

( أو ) خالعته ( بتافه ) أي قليل جدا هذا معناه في الأصل ، والمراد به هنا ما نقص عن خلع المثل ( في ) قوله ( إن أعطيتني ما ) أي متمولا ( أخالعك به ) فلا تبين منه ويخلى بينه وبينها ، وإن لم يدع أنه أراد خلع المثل ولا يمين عليه في الفتوى ، ويحلف في المرافعة أنه أراد خلع المثل قاله ابن رشد .

( أو ) قال الزوج لزوجته ( طلقتك ثلاثا بألف ) من الدنانير مثلا ( فقبلت ) الزوجة منها طلقة ( واحدة بالثلث ) من الألف فلا تلزمه البينونة ; لأن من حجته أن يقول لم أرض بخلاصها مني إلا بألف ، ولذا لو قبلت واحدة بألف لزمته قاله ابن الحاجب ، وصوبه ابن عرفة لحصول مقصوده ، وهو حصول الألف له . ووقوع الثلاث لا يتعلق به غرض شرعي ، وإنما يتعلق به غرض فاسد وهو تنفير الأزواج منها إذا سمعوا أنها مطلقة ثلاثا ولم تلزمه الثلاث مع تلفظه بها نظرا لتعليقها في المعنى على شيئين قبولها والألف ، ولم يحصل إلا أحدهما وهو الألف . وقال الشيخ سالم ينبغي أن تلزمه الثلاث ; لأنه أوقعها والطلاق لا يرتفع بعد وقوعه ، وهكذا كان يقول الشيخ بحثا . ا هـ . وفيه أنه أوقعه معلقا على شيئين فيتوقف على حصولهما ولم يحصل إلا أحدهما كما تقدم والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث