الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان الدواء الذي به يستجلب حال الخوف

وكان سهل يقول : المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي ، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر

وكان أبو زيد يقول : إذا توجهت إلى المسجد فكأن في وسطي زنارا أخاف أن يذهب بي إلى البيعة وبيت النار حتى أدخل المسجد فينقطع عني الزنار ، فهذا لي في كل يوم خمس مرات

وروي عن المسيح عليه الصلاة والسلام أنه قال : يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي ، ونحن معاشر الأنبياء نخاف الكفر .

وروي في أخبار الأنبياء أن نبيا شكا إلى الله تعالى الجوع ، والقمل ، والعري ، سنين ، وكان لباسه الصوف .

فأوحى الله تعالى إليه : عبدي أما رضيت أن عصمت قلبك : أن تكفر بي حتى تسألني الدنيا ، فأخذ التراب فوضعه على رأسه ، وقال : بلى ، قد رضيت يا رب فاعصمني من الكفر

فإن كان خوف العارفين مع رسوخ أقدامهم ، وقوة إيمانهم ، من سوء الخاتمة ، فكيف لا يخافه الضعفاء ؟! .

التالي السابق


(وكان) أبو محمد (سهل) التستري رحمه الله (يقول: المريد يخاف أن يبتلى بالمعاصي، والعارف يخاف أن يبتلى بالكفر) نقله صاحب القوت. قال (و) كذلك (كان أبو يزيد) البسطامي رحمه الله تعالى قبله (يقول: إذا ذهبت إلى المسجد كان في وسطي زنارا أخاف أن يذهب بي إلى البيعة وبيت النار حتى أدخل المسجد فينقطع علي الزنار، فهذا لي في كل يوم خمس مرات) هذا لعلمهم بسرعة تقلب القلوب في قدرة الغيوب، كذا في القوت. وقال القشيري في الرسالة: وقال أبو يزيد: منذ ثلاثين سنة أصلي واعتقادي في نفسي عند كل صلاة أصليها كأني مجوسي أريد أن أقطع زناري اهـ. قال الشارح: فسره في موضع آخر فقال: كنت ثنتي عشرة سنة حداد نفسي، وخمس سنين مرآة قلبي، وسنة نظر فيما بينهما، فإذا في وسطي زنار ظاهر، فعملت في قطعه ثنتي عشرة سنة ثم نظرت فإذا في وسطي زنار باطني فعملت في قطعه خمس سنين، فلما قطعه رأى الخلق كلهم وهو منهم موتى فكبر عليهم أربع تكبيرات؛ وذلك لأن الحداد شأنه أن يحمي الحديد، ويطرقه، ليصفيه ويخرج وسخه، فقال: كنت أعدل جوارحي، وخواطري بالخوف والرجاء هذه المدة، حتى اعتدلت على الشريعة، فرأيت في نفسي التفاتا إلى الخلق ليعرفوا ما أنا عليه من [ ص: 231 ] الطاعة الخالصة، فشبه نفسه حيث التفت في عمله إلى غير الله بعلامة الشرك، وهي الزنار الظاهر، فعمل في قطعه، فلما تخلص منه أعجب بنفسه، وهواه، وحمد نفسه على ذلك، ونسي منة ربه عليه، فلما أدرك ذلك رأى زنارا باطنا حيث جعل لنفسه أثرا في طاعته، فلما من الله برؤية فضله عليه، وأن جميع الخلق كالموتى في أنهم لا يضرون ولا ينفعون كبر عليهم أربع تكبيرات، فذكر الله وحده واستند إليه دون غيره فقوله: كأني في صلاتي مجوسي يعني في المدة التي كان يعمل فيها في قطع الزنار الظاهر مع ما قبلها، والله أعلم .

(و) قد (روي) معنى ذلك (عن المسيح عليه السلام أنه قال: يا معشر الحواريين أنتم تخافون المعاصي، ونحن معاشر الأنبياء نخاف الكفر) كذا في القوت. (وروي في أخبار الأنبياء) عليهم السلام (أن نبيا) منهم (شكا إلى الله تعالى الجوع، والقمل، والعري، سنين، وكان لباسه الصوف، فأوحى الله) تعالى (إليه: عبدي أما رضيت أن عصمت قلبك) أي: حفظته من (أن تكفر بي حتى تسألني الدنيا، فأخذ التراب فوضعه على رأسه، وقال: بلى، قد رضيت يا رب فاعصمني من الكفر) فلم يذكر نعمته عليه بنبوته، وعرضه للكفر، وجوز دخوله عليه بعد النبوة فاعترف بذلك فاعتصم، كذا في القوت .

(وإذا كان خوف العارفين مع رسوخ أقدامهم، وقوة إيمانهم، من سوء الخاتمة، فكيف لا يخافه الضعفاء؟!) بل هم بطريق الأولى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث