الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة اثنتين من الهجرة

وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم الألوية ، فكان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعظم ، لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير ، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ ، وجعل شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن ، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله ، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله . وقيل: كان شعار الكل: يا منصور أمت .

وكان مع المشركين ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير ، ولواء مع النضر بن الحارث ، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة ، كلهم من بني عبد الدار . [ ص: 107 ]

ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان .

فخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي ، فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم ، ولأهدمنه ، أو لأموتن دونه . فلما خرج خرج له حمزة بن عبد المطلب ، فضربه في ساقه فوقع على ظهره تشخب رجله دما ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم ، يريد أن يبر يمينه ، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله .

ثم خرج بعده عتبة وأخوه شيبة ، وابنه الوليد ، فدعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار عوف ومعوذ ابنا الحارث ، وعبد الله بن رواحة ، فقالوا: من أنتم؟

قالوا: رهط من الأنصار ، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة . ثم نادى مناديهم: يا محمد ، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم يا حمزة ، قم يا عبيدة ، قم يا علي" فقالوا: أكفاء كرام ، فبارز عبيدة - وهو أسن القوم - عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد بن عتبة ، فقتل حمزة شيبة ، وقتل علي الوليد ، واختلف عبيدة وعتبة ضربتين ، كلاهما أثبت صاحبه ، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فقتلاه ، واحتملا عبيدة ، فجاءا به إلى أصحابه (وقد قطعت رجله ، فمخها يسيل ، فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيدا يا رسول الله؟ فقال: "بلى" فقال عبيدة: لو كان أبو طلحة حيا لعلم أني أحق بما قال منه حيث يقول:


ونسلمه حتى نضرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل

ثم تزاحف الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم ، وقال: "إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنبل" ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر ليس معه غيره . وذكر ابن إسحاق عن أشياخه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر [ ص: 108 ] وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسواد بن غزية وهو مستنتل من الصف ، فطعن في صدره بالقدح ، وقال: "استو يا سواد" فقال: يا رسول الله ، أوجعتني وقد بعثك الله بالحق ، فأقدني . فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: "استقد" فاعتنقه وقبل بطنه فقال: "ما حملك على هذا يا سواد" . فقال: حضر ما ترى ، فلم آمن القتل ، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك . فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم عدل الصفوف ، ورجع إلى العريش يناشد ربه وما وعده من النصر ، فخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش خفقة ثم انتبه فقال: "يا أبا بكر ، أتاك نصر الله ، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع" .

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم [إلى الناس] يحرضهم ونفل كل امرئ منهم ما أصاب ، وقال: "والذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة" .

فقال عمير بن الحمام - وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ ، فما بيني وبين [أن أدخل] الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء! ثم قذف التمرات من يده ، وأخذ سيفه ، فقاتل القوم حتى قتل ، وهو يقول:


ركضا إلى الله بغير زاد     إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد     وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد

[ ص: 109 ] فلما التقى الناس ، قال أبو جهل: اللهم أقطعنا للرحم ، وآتنا بما لا يعرف ، فأحنه الغداة ، فكان هو المستفتح على نفسه .

ثم إن رسول الله أخذ حفنة من الحصباء ، فاستقبل بها قريشا ، ثم قال: "شاهت الوجوه" ثم نفخهم بها ، وقال لأصحابه: شدوا ، فكانت الهزيمة ، فقتل الله من قتل من صناديد قريش ، وأسر من أسر منهم ، فلما وضع القوم أيديهم يأسرون ، ورسول الله في العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش متوشحا السيف ، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون عليه كرة العدو ، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لكأنك يا سعد تكره ما يصنع الناس" ، فقال: أجل والله يا رسول الله ، كانت [أول] وقعة أوقعها الله بالمشركين ، فكان الإثخان في القتل أعجب إلي من استبقاء الرجال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث