الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفي هذه السنة كانت غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب

قال مؤلف الكتاب: كانت في ذي القعدة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجلى [ ص: 228 ] بني النضير ساروا إلى خيبر ، فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة ، فالتقوا قريشا ودعوهم إلى الخروج ، واجتمعوا معهم على قتاله ، وواعدوهم لذلك موعدا ، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليم ففارقوهم على مثل ذلك ، وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب ، فكانوا أربعة آلاف ، وعقدوا اللواء في دار الندوة ، وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس ، وألف وخمسمائة بعير ، وخرجوا يقودهم أبو سفيان ووافتهم بنو سليم بمر الظهران ، وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس ، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خويلد وخرجت فزارة وهم ألف ، يقودهم عقبة بن حصين ، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة ، وخرجت بنو مرة ، وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف .

وروى الزهري أن الحارث رجع ببني مرة ، فلم يشهد الخندق منهم أحد ، والأول أثبت .

وكان جميع من وافوا الخندق [ممن ذكر] من القبائل عشرة آلاف ، وهم الأحزاب ، وكانوا ثلاثة عساكر ، والجملة بيد أبي سفيان ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصولهم من مكة ، ندب الناس ، وأخبرهم خبرهم وشاورهم ، فأشار سلمان الفارسي بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح سلع ، وجعل سلعا خلف ظهره ، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم . ثم خندق على المدينة ، وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم عدوهم ، وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بيده لينشطوا ، ففرغوا منه في ستة أيام .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد ، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال: [ ص: 229 ]

أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، قال: حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي ، قال: أخبرنا هوذة بن خليفة ، قال: أخبرنا عوف ، عن ميمون ، قال: حدثني البراء بن عازب ، قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق ، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول ، قال: فشكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها ألقى ثوبه وأخذ المعول وقال: بسم الله ، ثم ضرب ضربة ، فكسر ثلثها ، وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر ، فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيحفارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض ، ثم ضرب الثالثة ، وقال: بسم الله ، فقطع بقية الحجر ، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة . قال علماء السير : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثماني ليال مضين من ذي القعدة ، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة ، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة ، ودس أبو سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكونوا معهم عليه ، فامتنعوا ثم أجابوا ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل ، وفشل الناس وعظم البلاء واشتد الخوف وخيف على الذراري والنساء ، وكانوا كما قال الله تعالى: إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر . [ ص: 230 ]

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه ، وكتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ، وإنما كانت مراوضة ومراجعة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ ، وابن عبادة فأخبرهما بذلك فقالا: هذا شيء تحبه أو [شيء] أمرك الله به ، قال: لا ، بل أصنعه لأجلكم ، فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، فقالا: قد كنا نحن وهم على الشرك ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة ، فحين أذن الله بالإسلام نفعل هذا؟! ما لنا إلى هذا حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا ، قال: فأنتم وذاك ، فتناول سعد الصحيفة التي كتبوها فمحاها ، وقال: ليجهدوا علينا ، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وجاه العدو لا يزولون ، غير أنهم يعتقبون خندقهم ويحرسونه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل ، و زيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير ، وكانوا يخافون على الذراري من بني قريظة ، وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عشرة من الأنصار يحرسونه كل ليلة ، فكان المشركون يتناوبون بينهم ، فيغدو أبو سفيان يوما ، ويغدو خالد بن الوليد يوما ويغدو عمرو بن العاص يوما ، ويغدو هبيرة بن أبي وهب يوما ، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما ، ويغدو ضرار بن الخطاب يوما ، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون مرة ويجتمعون أخرى ، ويناوشون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدمون رماتهم فيرمون ، فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم ، فأصاب أكحله ، فقال: خذها وأنا ابن العرقة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرق الله وجهك في النار" ، ويقال: الذي رماه أبو أسامة الجشمي .


أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزاز ، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري ، قال:

أخبرنا ابن حيويه ، قال: أخبرنا أحمد بن معروف ، قال: أخبرنا ابن الفهم ، قال: أخبرنا محمد بن سعد [أخبرنا يزيد بن هارون] . [ ص: 231 ]

وأخبرنا عاليا بن الحصين ، قال: أخبرنا ابن المذهب ، قال: أخبرنا ابن مالك ، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال: أخبرنا يزيد بن هارون ، قال أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبيه ، عن جده ، عن عائشة ، قالت: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس ، فسمعت وئيد الأرض من ورائي - يعني حس الأرض - فالتفت فإذا أنابسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل رمحه ، فجلست إلى الأرض ، فمر سعد وهو يرتجز ، ويقول:


لبث قليلا يدرك الهيجا حمل ما أحسن الموت إذا حان الأجل

قالت: وعليه درع قد خرجت منه أطرافه ، فأنا أتخوف على أطراف سعد ، وكان سعد من أطول الناس وأعظمهم قالت: فقمت فاقتحمت حديقة ، فإذا فيها نفر من المسلمين فيهم عمر بن الخطاب ، وفيهم رجل عليه تسبغة له - تعني المغفر – قالت: فقال لي عمر: ما جاء بك؟ والله إنك لجريئة ، وما يؤمنك أن يكون تحوز أو بلاء؟ قالت:

فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت [ساعتئذ] فدخلت فيها ، قالت:

فرفع الرجل التسبغة عن وجهه ، فإذا طلحة بن عبيد الله ، فقال: ويحك يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم ، وأين التحوز وأين الفرار إلا إلى الله؟ قالت: ويرمي سعدا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة [بسهم ، فقال: خذها وأنا ابن العرقة] فأصاب أكحله ، فدعا الله عز وجل سعد ، فقال: اللهم لا تمتني حتى تشفيني من قريظ - وكانوا مواليه وحلفاءه في الجاهلية - قالت: فرقأ كلمه ( وبعث الله تعالى [ ص: 232 ] الريح على المشركين ، وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قويا عزيزا .

قال مؤلف الكتاب : العرقة أم حبان بن عبد مناف بن منقد بن عمر ، وسميت العرقة لطيب ريحها .

قال علماء السير : لما حام الأحزاب حول الخندق أياما أجمع رؤساؤهم أن يغدوا يوما ، فغدوا جميعا ، وطلبوا مضيقا من الخندق يقحمون فيه خيلهم فلم يجدوا ، فقالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها ، فقيل لهم: إن معه رجلا فارسيا فهو أشار عليه بذلك ، فصاروا إلى مكان ضيق فعبر عكرمة ونوفل وضرار وهبيرة ، وعمرو بن عبد ود ، فجعل عمرو يدعو إلى البراز ، وهو ابن تسعين سنة ، فقال علي رضي الله عنه:

أنا أبارزه ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سيفه وعممه ، وقال: "اللهم أعنه عليه" ، فضربه علي فقتله ، وولى أصحابه هاربين ، وحمل الزبير على نوفل فقتله
. أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب ، قال: أخبرنا ابن المسلمة ، قال:

أخبرنا أبو طاهر المخلص ، قال: أخبرنا أحمد بن سلمان بن داود ، قال: أخبرنا الزبير بن بكار ، قال:

عمرو بن عبد ود ، وضرار بن الخطاب ، وعكرمة بن أبي جهل ، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة هم الذين طفروا الخندق يوم الأحزاب ، وفي ذلك يقول الشاعر :


عمرو بن ود كان أول فارس     جزع المزاد وكان فارس يليل

قال مؤلف الكتاب: المزاد ، موضع من الخندق فيه حفر ، ويليل ، واد قريب من بدر . [ ص: 233 ]

ولما جزع عمرو بن عبد المزاد دعي البراز ، وقال يرتجز:


ولقد بحجت من الندا     ء بجمعكم : هل من مبارز
ووقفت إذ جبن الشجا     ع بموقف البطل المناجز
إني كذلك لم أزل     متسرعا نحو الهزاهز
إن الشجاعة والسماحة     في الفتى خير الغرائز

فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ثم أجابه يقول:


لا تعجلن فقد أتا     ك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة     والصدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقيـ     ـم عليك نائحة الجنائز
من ضربة فوهاء يبقى     ذكرها عند الهزاهز

ثم دعاه أن يبارزه ، فقال له علي: يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لقريش لا يدعوك رجل إلى خلتين إلا أخذت إحداهما ، قال عمرو: نعم ، قال علي رضي الله عنه:

فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام ، فقال: لا حاجة لي بذلك ، قال: فإني أدعوك إلى المبارزة . قال: يا ابن أخي ، والله ما أحب أن أقتلك ، فقال له علي: لكني والله أنا أحب أن أقتلك؛ فحمي عمرو واقتحم عن فرسه وعرقبه ، ثم أقبل فتناورا وتجاولا وثارت عليهما غبرة سترتهما عن المسلمين ، فلم يرع المسلمين إلا التكبير ، فعرفوا أن عليا رضي الله عنه قتله ، فانجلت الغبرة وعلي على صدره يذبحه . [ ص: 234 ]

قال علماء السير: لما قتل عمرو رثته أمه ، فقالت:


لو كان قاتل عمرو غير قاتله     ما زلت أبكي عليه دائم الأبد
لكن قاتله من لا يقاد به     من كان يدعى أبوه بيضة البلد

ثم تواعدا أن يأتوا من الغد ، فباتوا يعبئون أصحابهم ونحوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد ، فقاتلوهم يومهم ذلك إلى هوي من الليل ما يقدرون أن يزولوا عن مكانهم ، ولا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ظهرا ولا عصرا حتى كشفهم الله عز وجل ، فرجعوا منهزمين ، فلم يكن لهم بعد ذلك قتال - يعني انصرفوا - إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم الذي فاتته الصلاة فيه: "شغلونا عن الصلاة الوسطى" . أخبرنا هبة الله بن محمد ، قال: أخبرنا الحسن بن علي ، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر ، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال: أخبرنا أبو معاوية ، قال: أخبرنا الأعمش ، عن مسلم بن صبيح ، عن شتير بن شكل ، عن علي قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى [صلاة] العصر ، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا" ، ثم صلاها بين [العشاءين] ، المغرب والعشاء . أخرجاه في الصحيحين .

وحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة ، وقيل: أربعا وعشرين ليلة ، حتى خلص إلى كل أمر منهم الكرب . ودعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الأحزاب .

ويروى في مسجد الفتح .

أخبرنا هبة الله بن محمد ، قال: أخبرنا ابن المذهب ، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر ، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال: أخبرنا أبو عامر ، قال:

أخبرنا كثير بن زيد ، قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال:

حدثني جابر: [ ص: 235 ]

أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثا: يوم الاثنين ، ويوم الثلاثاء ، ويوم الأربعاء [فاستجيب له يوم الأربعاء] بين الصلاتين ، فعرف البشر في وجهه . قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم [غليظ] إلا توخيت تلك الساعة ، فأدعو فيها فأعرف الإجابة .

قالوا: وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم وحسن إسلامه ، فمشى بين قريش وقريظة وغطفان فخذل بينهم .

فأنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ، قال: أخبرنا الجوهري ، قال: أخبرنا ابن حيويه ، قال: أخبرنا أحمد بن معروف ، قال: أخبرنا الحسن بن الفهم ، قال: أخبرنا محمد بن سعد ، قال: أخبرنا محمد بن عمر .

وبه قال أخبرنا عبد الله بن عاصم الأشجعي ، عن أبيه ، قال: قال نعيم بن مسعود: لما سارت الأحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرت مع قومي وأنا على ديني ، فقذف الله في قلبي الإسلام ، فكتمت ذلك قومي ، وأخرج حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء فأجده يصلي ، فلما رآني جلس ، وقال: "ما جاء بك يا نعيم" ؟ وكان بي عارفا ، قلت: إني جئت أصدقك ، وأشهد أن ما جئت به حق ، فمرني بما شئت ، قال: "ما استطعت أن تخذل عنا الناس [فخذل] ، قلت: أفعل ، ولكن يا رسول الله أقول ، قال: "قل ما بدا لك فأنت في حل" ، قال: فذهبت إلى قريظة ، فقلت: اكتموا علي ، قالوا:

نفعل ، فقلت: إن قريشا وغطفان على الانصراف عن محمد صلى الله عليه وسلم إن أصابوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا إلى بلادهم ، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناء ، قالوا:

أشرت علينا والنصح لنا ، ثم خرجت إلى أبي سفيان بن حرب ، فقلت: قد جئتك بنصيحة فاكتم علي ، قال: أفعل ، قلت: تعلم أن قريظة قد ندموا على ما فعلوا فيما بينهم وبين محمد ، صلى الله عليه وسلم وأرادوا إصلاحه ومراجعته ، فأرسلوا إليه وأنا عندهم إنا سنأخذ من قريش وغطفان سبعين رجلا من أشرافهم نسلمهم إليك ، تضرب أعناقهم ونكون معك على قريش وغطفان حتى نردهم عنك ، وترد جناحنا الذي كسرت إلى [ ص: 236 ] ديارهم - يعني بني النضير - فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهنا فلا تدفعوا إليهم أحدا واحذروهم ، ثم أتى غطفان ، فقال لهم مثل ذلك ، وكان رجلا منهم فصدقوه ، وأرسلت قريظة إلى قريش : إنا والله ما نخرج فنقاتل محمدا صلى الله عليه وسلم حتى تعطونا رهنا منكم [يكونون] عندنا ، فإنا نتخوف أن تنكشفوا وتدعونا ومحمدا ، فقال أبو سفيان: صدق نعيم .

وأرسلوا إلى غطفان بمثل ما أرسلوا إلى قريش ، فقالوا لهم مثل ذلك ، وقالوا جميعا: إنا والله ما نعطيكم رهنا ولكن اخرجوا فقاتلوا معنا . فقالت اليهود: نحلف بالتوراة أن الخبر الذي قال نعيم لحق ، وجعلت قريش وغطفان يقولون: الخبر ما قال نعيم ، ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء ، وهؤلاء من نصر هؤلاء . واختلف أمرهم وتفرقوا في كل وجه ، وكان نعيم يقول: أنا خذلت بين الأحزاب حتى تفرقوا في كل وجه ، وأنا أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على سره
.

قال علماء السير: فلما استوحش كل فريق من صاحبه ، اعتلت قريظة بالسبت ، فقالوا: لا نقاتل ، وهبت ليلة السبت ريح شديدة ، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله لستم بدار مقام ، لقد هلك الخف والحافر ، وأجدب الجناب وأخلفتنا بنو قريظة ، و [لقد] لقينا من الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بحضرته أحد من العساكر قد انقشعوا ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة لينظر ما فعل القوم .

فروى مسلم في أفراده من حديث إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي ، عن أبيه ، قال: كنا عند حذيفة ، فقال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت ، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك ، لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا رجل يأتينا بخبر القوم ، جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا فلم يجبه أحد ، ثم قال: "ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة" فسكتنا ولم يقم قائم ، فقال: "قم يا حذيفة" فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي إلا أن أقوم ، قال: "اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي" ، فلما وليت من عنده جعلت [ ص: 237 ] كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم ، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهمي في كبد القوس فأردت أن أرميه ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تذعرهم علي" فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام ، فلما أتيته أخبرته خبر القوم وفرعت وقررت ، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أزل نائما حتى أصبحت ، قال صلى الله عليه وسلم: "قم يا نومان" .

وقد رواه ابن إسحاق عن يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله ، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ، قال: نعم يا ابن أخي ، قال: كيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد ، فقال الفتى:

والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على وجه الأرض ولحملناه على أعناقنا ، فقال حذيفة:

يا ابن أخي ، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق يصلي هويا من الليل ، ثم التفت إلينا ، فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم [ثم يرجع] " وشرط له أنه إذا رجع أدخله الله الجنة ، فما قام رجل ، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ، ثم التفت إلينا فقال مثل ذلك ، ثم قال: "أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة" . فما قام أحد من شدة الخوف والجوع والبرد ، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام ، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون . فذهبت فدخلت في القوم والريح [وجنود الله] تفعل بهم ما تفعل فلا تترك قدرا ولا نارا ، ولا بناء . فقام أبو سفيان ، فقال: يا معشر قريش ، لينظر امرؤ جليسه ، فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى [ ص: 238 ] جنبي ، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان ، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، [لقد] هلك الكراع والخف ولقينا من هذه الريح ما ترون ، فارتحلوا [فإني مرتحل] . فرجعت ، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم
:

قال ابن إسحاق: لم يقتل يوم الخندق من المسلمين إلا ستة نفر ، وقتل من المشركين ثلاثة

التالي السابق


الخدمات العلمية