الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل: قال مؤلف الكتاب: واختلف العلماء في سبب نقض حكم الصحيفة على قولين:

[ ص: 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[تتمة السنة الثامنة من البعثة]

فصل

واختلف العلماء في سبب نقض [حكم] الصحيفة على قولين:

أحدهما: أن الله تعالى أطلع نبيه [صلى الله عليه وسلم] على أمر صحيفتهم ، وأن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم ، وبقي ما كان [فيها] من ذكر الله تعالى ، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب ، فقال أبو طالب: أحق ما تخبرني به يا ابن أخي . قال: نعم والله . فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وقال: والله ما كذبني قط . قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم ، وتخرجوا إلى قريش ، فتذكروا [ذلك] لهم من قبل أن يبلغهم الخبر . فخرجوا حتى دخلوا المسجد ، فقال أبو طالب: إنا قد جئنا لأمر فأجيبونا فيه . قالوا: مرحبا بكم وأهلا . قال: إن ابن أخي قد أخبرني - ولم يكذبني قط - أن الله عز وجل قد سلط على صحيفتكم الأرضة ، فلحست كل ما فيها من جور أو ظلم أو [ ص: 4 ] قطيعة رحم ، وبقي فيها كل ما ذكر به الله ، فإن كان ابن أخي صادقا نزعتم عن سوء رأيكم ، وإن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه واستحييتموه إن شئتم . قالوا: قد أنصفت .

فأرسلوا إلى الصحيفة ، فلما فتحوها إذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسقط في أيدي القوم ، ثم نكسوا [على] رءوسهم . فقال أبو طالب: هل تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة ، فلم يراجعه أحد منهم ، ثم انصرفوا .

رواه محمد بن سعد عن أشياخ له .

والثاني: أن هشام بن عمرو بن الحارث العامري مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال: يا زهير ، أرضيت أن تأكل الطعام ، وتلبس الثياب ، وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت ، لا يباعون ، ولا يبتاع منهم ، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ، أما إني أحلف بالله: لو كان أخوك أبو الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك منهم أبدا . قال: ويحك يا هشام ، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد ، والله لو كان معي آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها . قال: قد وجدت رجلا . قال: من هو؟ قال: أنا . قال: ابغنا ثالثا . فذهب إلى المطعم بن عدي فقال: يا مطعم ، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت موافق لقريش في ذلك ؟ قال: ويحك ، ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد . قال: قد وجدت ثانيا . قال: من هو؟ قال: أنا . قال: ابغنا ثالثا . قال: قد وجدت . قال: من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية . قال: ابغنا رابعا . فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحوا مما قال لمطعم بن عدي .

فقال: فهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم . قال: من هو؟ قال: زهير ، والمطعم ، [ ص: 5 ] وأنا معك ، قال: ابغنا خامسا . فذهب إلى زمعة بن الأسود فكلمه وذكر له قرابتهم .

فقال: وهل لك معين؟ قال: نعم . فسمى له القوم ، فاتعدوا خطم الحجون التي بأعلى مكة ، واجتمعوا هنالك وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها . فقال زهير: أنا أبدؤكم . فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم ، وكانت قريش قد تجاوزت الكعبة ، فكان شق البيت لبني عبد مناف وزهرة ، وكان ما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم وتيم وقبائل من قريش ضموا إليهم ، وكان ظهر البيت لبني جمح وبني سهم ، وكان شق الحجر - وهو الحطيم - لبني عبد الدار ، ولبني أسد بن عبد العزى ، وبني عدي بن كعب ، فغدا زهير فطاف بالبيت سبعا ، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة ، إنا نأكل الطعام ، ونشرب الشراب . ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى ، لا يباعون ولا يبتاع منهم ، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . فقال أبو جهل: كذبت ، والله لا تشق . فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابتها حين كتبت . فقال أبو البختري : صدق زمعة ، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به: فقال المطعم: صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها .

وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك . فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل وتشوور فيه بغير [هذا المكان] فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها ، فوجد الأرضة قد أكلتها ، إلا ما كان من "باسمك اللهم" . [ ص: 6 ]

وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن هاشم ، فشلت يده .

هذا قول ابن إسحاق .

التالي السابق


الخدمات العلمية