الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل محاباة المشتري تعتبر من الثلث كمحاباة البائع

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 268 ] فصل محاباة المشتري تعتبر من الثلث كمحاباة البائع .

فإذا اشترى مريض عبدا قيمته عشرة بعشرين لا يملك غيره ، فثلث ماله ستة وثلثان ، والمحاباة عشرة ، والستة والثلثان ثلثا العشرة ، فيصح الشراء في ثلثي العبد وهو ستة وثلثان بثلثي الثمن وهو ثلاثة عشر وثلث ، يبقى مع الورثة ثلث الثمن وهو ستة وثلثان ، وثلثا العبد وهو ستة وثلثان ، وذلك ضعف المحاباة .

هذا إن أجاز البائع البيع ، وله أن يفسخ ويسترد العبد لتبعض الصفقة عليه .

ولو اشترى عبدا قيمته عشرة بعشرين ، فزادت قيمة العبد في يده ، أو في يد البائع ، فصارت خمسة عشر ، فقد زادت خمسة في تركته .

فإن قلنا : يصح الشراء فبعض ما حابى فيه بجميع ما يقابله ، فتضم الخمسة الزائدة إلى الثمن ، فيصير جميع التركة خمسة وعشرين ، وثلثها ثمانية وثلث ، فيقال للبائع : ثلث ماله ثمانية وثلث ، وقد حاباك بعشرة ، فإما أن تفسخ البيع وتسترد العبد ، وإما أن ترد ما زاد على الثلث وهو درهم وثلثان .

فإن رد ، [ فمع ] الورثة العبد ، وقيمته يوم الموت خمسة عشر ، ومعهم درهم وثلثان ، والجملة ضعف المحاباة .

وإن قلنا : يصح الشراء في بعضه ببعض ما يقابله ، قلنا : يصح الشراء في شيء من العبد بشيئين من الثمن ، فتكون المحاباة بشيء ، يبقى عشرون درهما إلا شيئين ، تضم إليها المشترى من العبد وكان شيئا ، فصار شيئان ونصف شيء ، تبلغ عشرين إلا نصف شيء ، وذلك يعدل ضعف المحاباة وهو شيئان ، فتجبر وتقابل ، فالعشرون تعدل شيئين ونصف شيء ، فالشيء ثمانية وهي خمسا العشرين وأربعة أخماس [ العبد ] ، فيصح البيع في أربعة أخماس العبد وهي ثمانية بأربعة أخماس وهي ستة عشر ، فتكون محاباة المشتري بثمانية ، يبقى للورثة خمس الثمن وهي أربعة ، وأربعة أخماس العبد وهي اثنا عشر يوم الموت ، فالجملة ستة عشر ضعف المحاباة .

ولو اشترى كما ذكرنا ، [ ص: 269 ] ثم نقص العبد في يد المريض فعادت قيمته إلى خمسة ، فإن قلنا بالأول من القولين ، فقد كانت تركته عشرين ، وصارت بالآخرة خمسة عشر ، وثلثها خمسة ، فيقال للبائع : إما أن ترد على الورثة خمسة ليكون معهم العبد وهو خمسة والدراهم الخمسة فيكون لهم ضعف الخمسة ، وإما أن تفسخ البيع وترد الثمن بتمامه وتسترد العبد ناقصا ولا ضمان .

وإن قلنا بالتقسيط ، فقال الأستاذ وأبو منصور : يضمن المشتري قسط ما بطل فيه البيع من النقصان ، وينقص ذلك من التركة كدين يلزم قضاؤه .

قال الإمام : هذا رجوع إلى ما قدمناه أن المأخوذ على أنه مبيع يكون مضمونا عليه ، ومناقض لما ذكر الأستاذ أن ما لا يصح فيه البيع أمانة في يد المشتري ، ثم حسابه أن يقال : صح الشراء في شيء من العبد بشيئين من الثمن ، وبطل في عبد ناقص بشيء قيمته بالتراجع خمسة دراهم إلا نصف شيء ، فينقص القدر الذي نقص من التركة ، يبقى خمسة عشر درهما إلا شيئا ونصف [ شيء ] ، تضم إليه الشيء المشترى من العبد وقد رجع إلى نصف ، فيكون الحاصل خمسة عشر درهما إلا شيئا تعدل ضعف المحاباة وهو شيئان ، فتجبر وتقابل ، فخمس عشر تعدل ثلاثة أشياء ، فالشيء ثلث الخمسة عشر وهو نصف العبد ، فيصح الشراء فنصف العبد بنصف الثمن ، فتكون المحاباة بخمسة ، يبقى للورثة نصف الثمن وهو عشرة ، ونصف العبد وهو اثنان ونصف ، تسقط من المبلغ قسط ما بطل العقد فيه من النقصان وهو اثنان ونصف ، يبقى في أيديهم عشرة ضعف المحاباة .

فرع : اشترى مريض عبدا يساوي عشرة بعشرين ، وله ثلاثون درهما ، وقبض العبد وأعتقه ، فالمحاباة بعشرة وهي ثلث ماله ، قال ابن الحداد : إن كان ذلك قبل توفية [ ص: 270 ] الثمن على البائع ، نفذ العتق وبطلت المحاباة ، والبائع يأخذ قدر قيمة العبد بلا زيادة ; لأن المحاباة في الشراء كالهبة ، فإذا لم تكن مقبوضة حتى جاء ما هو أقوى منها وهو العتق ، أبطلها .

وإن كان بعد توفية الثمن ، بطل العتق ; لأن المحاباة المقبوضة استغرقت الثلث .

قال الشيخ أبو علي : قد أكثر ابن الحداد التبجح بهذه المسألة ، وهو غالط فيها عند الأصحاب كلهم ، وقالوا : لا فرق في المحاباة بين أن تكون مقبوضة أو لا تكون ؛ لأنها متعلقها بالمعاوضة ، والمعاوضات تلزم بنفس العقد ، ولهذا يتمكن الواهب من إبطال الهبة قبل القبض ، ولا يتمكن من إبطال المحاباة ، والحكم في الحالتين تصحيح المحاباة المتقدمة وإبطال العتق المتأخر .

قال : وأما قوله : يأخذ البائع قيمة العبد بلا زيادة ، فهذا لا يجوز أن يلزم ويكلف به ; لأنه لم يزل ملكه إلا بعشرين ، لكن يخير بين ما ذكره وبين أن يفسخ البيع ويبطل العتق .

فرع : باع مريض قفيز حنطة قيمته خمسة عشر لأخيه بقفيز قيمته خمسة ، فمات أخوه قبله ، وخلف بنتا وأخاه البائع ، ثم مات البائع ولا مال لهما سوى القفيزين ، صح البيع في شيء من القفيز الجيد ، ويرجع بالعوض ثلث شيء ، يبقى معه قفيز إلا ثلثي شيء ، فالمحاباة بثلثي شيء ، ويحصل مع المشتري [ شيء ] من القفيز الجيد ، والباقي من قفيزه وهو قيمة القفيز الجيد ثلث قفيز إلا ثلث شيء ، فهما معا ثلث قفيز وثلثا شيء ، يرجع نصفه بالإرث إلى البائع وهو سدس قفيز وثلث شيء ، فتزيده على ما كان للبائع ، فالمبلغ قفيز وسدس قفيز إلا ثلث شيء ، وهذا يعدل ضعف المحاباة ، وهو شيء وثلث شيء ، فتجبر وتقابل ، فقفيز وسدس قفيز تعدل شيئا وثلثا شيء ، فتبسطهما أسداسا ، وتقلب الاسم ، فالقفيز [ ص: 271 ] عشرة ، والشيء سبعة ، فيصح البيع في سبعة أعشار الجيد ، وهي عشرة ونصف ، بسبعة أعشار الرديء ، [ وهو ثلاثة ونصف ، فتكون المحاباة بسبعة ] ، يبقى مع البائع من قفيزه أربعة ونصف ، وقد أخذ بالعوض ثلاثة دراهم ونصفا ، فالمجموع ثمانية ، وللمشتري من قفيزه درهم ونصف ، ومن القفيز الجيد عشرة ونصف ، تكون اثني عشر درهما ، يرجع نصفه إلى البائع وهو ستة ، يبلغ ما عنده أربعة عشر وهو ضعف المحاباة .

ولو كان القفيز الرديء نصف قيمة الجيد ، والجيد يساوي عشرين ، صح البيع في الجميع ; لأنه تكون المحاباة بعشرة ، فيبقى عنده عشرة ، ويرجع إليه بالإرث عشرة .

فرع : باع مريض عبدا يساوي عشرين بعشرة ، فاكتسب العبد عشرين في يد البائع أو في يد المشتري ، ثم مات المريض ، فإن ترك عشرة سوى ثمن العبد ، نفذ البيع في جميع العبد ، وكان الكسب للمشتري ، وإن لم يملك شيئا آخر ، بطل البيع في بعض العبد ; لأن المحاباة لم تخرج من الثلث .

ثم حكى الإمام عن الأستاذ ، أن جميع الكسب للمشتري ; لأنه حصل في ملكه ثم عرض الفسخ والرد كاطلاع المشتري على عيب قديم ، فإنه يرد ويبقى له الكسب ، قال : وهذا زلل عظيم ، بل الوجه القطع بأن الكسب يتبعض بتبعض العبد كما في العتق ، وليس هذا فسخا وردا للبيع في بعض العبد ، بل يتبين صحة البيع وحصول الملك للمشتري في بعض العبد دون بعضه ، وهذا حق ، لكن الأستاذ لم يقل هذا عن نفسه حتى يشنع عليه ، وإنما نقله عن ابن سريج وأكثر الأصحاب ، ثم حكى عن بعضهم أن الكسب كالزيادة الحادثة في قيمته .

وعلى هذا ، فحكمه التبعيض كالزيادة .

ولو اشترى المريض عبدا قيمته عشرة بعشرين ( فاكتسب ) ، فالكسب كالزيادة في القيمة ، لكن التركة تزداد به ، وحكم الزيادة ما سبق .

[ ص: 272 ] فرع اشترى مريض عبدا بعشرة ، وترك سواه بعشرين ، وأوصى لزيد بعشرة ، ثم وجد بالعبد عيبا ينقصه خمسة ، فاختار إمساكه ، جاز ، وكأنه حاباه بخمسة ، والمحاباة مقدمة على الوصية ، وللموصى له باقي الثلث وهو خمسة .

وإن وجد الورثة العبد معيبا وأمسكوه ، فلزيد العشرة ، وما نقص بالعيب كأنهم أتلفوه ، لأنهم لو شاءوا لفسخوا أو استردوا الثمن .

ولو اشترى عبدا بثلاثين فأعتقه ، وخلف ستين درهما ، ثم وجد الورثة به عيبا ينقصه خمسة دراهم ، رجعوا على البائع بالأرش .

ولو وهبه وأقبضه ، لم يرجعوا به ; لأنه ربما عاد إليهم فيردونه .

هذا جواب الأستاذ ، وفيه وجه مشروح في موضعه .

ولو لم يخلف غير العبد وكان قد أعتقه ، عتق منه خمساه وهو عشرة دراهم ، ويرجع الورثة بالأرش وهو خمسة على البائع ، ولهم مع ذلك ثلاثة أخماس العبد وهي خمسة عشر ، فيكون عشرين ضعف المحاباة .

قال الأستاذ : وللبائع أن يأخذ ثلاثة أخماس العبد ، ويرد ثلاثة أخماس الثمن ، ويغرم أرش خمسيه وهو درهمان .

ولو كان قد وهبه وأقبضه بدل الإعتاق ، فالخمسة الناقصة تحسب من الثلث ; لأن المريض هو الذي فوت الرجوع بالأرش بما أنشأ من الهبة ، وللموهوب له خمسه وهو خمسة ، وللورثة أربعة أخماسه وهي عشرون .

فرع : ترك عبدا قيمته ثلاثون ، وأوصى ببيعه لزيد بعشرة ، فثلث ماله عشرة ، وأوصى بالمحاباة بعشرين ، فإن لم تجز الورثة ، بيع منه على قول ثلثا العبد بجميع العشرة لتحصل له المحاباة بقدر الثلث ، وللورثة ضعفه .

وعلى قول التقسيط ، يباع منه نصف العبد بنصف الثمن .

ولو أوصى مع ذلك بثلث ماله لعمرو ، فالثلث بينهما على ثلاثة ، لزيد سهمان ، ولعمرو سهم .

[ ص: 273 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث