الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استطرادات مقالة الآمدي في مسألة كلام الله تعالى

حتى الآمدي لما تكلم في مسألة الكلام قال : "فإن قيل : وإذا ثبت أنه متصف بصفة الكلام ، وأن كلامه قديم وأنه ليس بحرف ولا صوت ، فهو متحد لا كثرة فيه في نفسه ، بل التكثر إنما هو في تعلقاته ومتعلقاته ، فإن قيل : عاقل ما لا يماري نفسه في انقسام الكلام إلى أمر ونهي وغيره من أقسام الكلام ، وأن ما انقسم إليه حقائق مختلفة وأمور متمايزة ، وأنها من أخص أوصاف الكلام ، لا أن الاختلاف عائد إلى نفس العبارات والتعلقات والمتعلقات ، ولهذا فإنا لو قطعنا النظر عن العبارات والتعلقات والمتعلقات، ورفعناها وهما، لم يخرج الكلام عن كونه منقسما. وأيضا فإن ما أخبر به عن القصص الماضية والأمور السالفة [ ص: 116 ] مختلفة متمايزة ، وكذلك المأمورات والمنهيات مختلفة أيضا، فلا يتصور أن يكون الخبر عما جرى لموسى هو نفس الخبر عما جرى لعيسى ، ولا الأمر بالصلاة هو نفس الأمر بالزكاة وغيرها، ولا أن ما تعلق بزيد هو نفس ما تعلق بعمرو، ولا ما سمي خبرا هو عين ما سمي أمرا، إذ الأمر طلب ، والخبر لا طلب فيه ، بل هو حكم بنسبة مفرد إلى مفرد إيجابا أو سلبا، فثبت أن الكلام أنواع مختلفة ، والكلام عام للكل، فيكون كالجنس لها .

قلنا: قد بينا فيما تقدم أن الكلام قضية واحدة ومعلوم واحد قائم بالنفس ، وأن اختلاف العبارات عنه بسبب اختلاف التعلقات والمتعلقات . وهذا النوع من الاختلاف ليس راجعا إلى أخص صفة الكلام ، بل إلى أمر خارج عنه. وعلى هذا نقول: إنه لو قطع النظر عن التعلقات والمتعلقات الخارجة ، فلا سبيل إلى توهم اختلاف في الكلام النفساني أصلا، ولا يلزم منه رفع الكلام في نفسه وزوال حقيقته" . [ ص: 117 ]

قال : "وعلى هذا فلا يخفى اندفاع ما استبعدوه من اتحاد الخبر واختلاف المخبر، واتحاد الأمر واختلاف المأمور، وكذلك اختلاف الأمر والخبر مع اتحاد صفة الكلام" .

قال : "فإن قيل : إذا قلتم بأن الكلام قضية واحدة، وأن اختلاف العبارات عنها بسبب المتعلقات الخارجة، فلم لا جوزتم أن تكون الإرادة والقدرة والعلم وباقي الصفات راجعة إلى معنى واحد؟ ويكون اختلاف التعبيرات عنه بسبب المتعلقات، لا بسبب اختلافه في ذاته؟ وذلك بأن تسمى إرادة عند تعلقه بالتخصيص، وقدرة عند تعلقه بالإيجاد، وهكذا سائر الصفات . وإن جاز ذلك فلم لا يجوز أن يعود ذلك كله إلى نفس الذات من غير احتياج إلى الصفات" .

وقال : "أجاب الأصحاب عن ذلك بأنه يمتنع أن يكون الاختلاف بين القدرة والإرادة بسبب التعلقات والمتعلقات ، إذ [ ص: 118 ] القدرة معنى من شأنه تأتي الإيجاد به ، والإرادة معنى من شأنه تأتي تخصيص الحادث بحال دون حال ، وعند اختلاف التأثيرات لا بد من الاختلاف في نفس المؤثر، وهذا بخلاف الكلام فإن تعلقاته بمتعلقاته لا توجب أثرا، فضلا عن كونه مختلفا" .

قال : وفيه نظر، وذلك أنه وإن سلم امتناع صدور الآثار المختلفة عن المؤثر الواحد، مع إمكان النزاع، فيه فهو موجب للاختلاف في نفس القدرة، وذلك لأن القدرة مؤثرة في الوجود ، والوجود عند أصحابنا نفس الذات ، لا أنه زائد عليها ، وإلا كانت الذوات ثابتة في العدم، وذلك مما لا نقول به، وإذا كان الوجود هو نفس الذات ، فالذوات مختلفة ، فتأثير القدرة في آثار مختلفة ، فيلزم أن تكون مختلفة كما قرروه ، وليس كذلك . وأيضا فإن ما ذكروه من الفرق ، وإن استمر في القدرة والإرادة، فغير [ ص: 119 ] مستمر في باقي الصفات، كالعلم والحياة والسمع والبصر ، لعدم كونها مؤثرة في أثر ما" .

قال : "والحق أن ما أورده من الإشكال على القول باتحاد الكلام وعود الاختلاف إلى التعلقات والمتعلقات مشكل ، وعسى أن يكون عند غيري حله ، ولعسر جوابه فر بعض أصحابنا إلى القول بأن كلام الله القائم بذاته خمس صفات مختلفة، وهي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والنداء" .

هذا كلامه . فيقال : قول القائل : إن الكلام خمس صفات ، أو سبع ، أو تسع ، أو غير ذلك من العدد ، لا يزيل ما تقدم من الأمور الموجبة تعدد الكلام .

وقد رأيت أنه يلزم من قال باتحاد معنى الكلام اتحاد الصفات كلها ، ثم رفعها بالكلية ، وجعلها نفس الذات. وهذا يعود إلى قول القائلين بأن الوجود واحد ، ولا يميزون بين الواحد بالعين والواحد بالنوع ، وذلك لأنه من جوز على الحقائق المتنوعة أن تكون شيئا واحدا، فلا فرق بين هذا وهذا، وذلك من جنس من يقول: إن العالم هو العلم ، والعلم هو القدرة . [ ص: 120 ]

ولهذا كان منتهى هؤلاء النفاة إلى أن يجعلوا الوجود الذي هو نوع واحد واحدا بالعين ، فيجعلون وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات ، ووجود زيد هو عين وجود عمرو ، ووجود الجنة هو عين وجود النار، ووجود الماء هو عين وجود النار .

ومنشأ ضلال هؤلاء كلهم أنهم يأخذون القدر المشترك بين الأعيان ، وهو الجنس اللغوي ، فيجدونه واحدا في الذهن ، فيظنون أن ذلك هو وحدة عينية ، ولا يميزون بين الواحد بالجنس والواحد بالعين ، وأن الجنس العام المشترك لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد في الأعيان المتميزة .

ولهذا شبه بعض أهل زماننا الكلام في أنه جنس واحد مع تعدد أنواعه بالنوع الواحد ، وعلى قوله لا يبقى في الخارج كلام أصلا ، ولو اهتدى لعلم أن هذا الكلام ليس هذا الكلام ، كما أن هذه الحركة ليست هذه الحركة ، وأن اشتراك أنواع الكلام في الكلام كاشتراك أنواع الحركة في الحركة ، بل اختلاف معاني الكلام أعظم من اختلاف أنواع الحركات من بعض الوجوه ، والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع .

والمقصود هنا أن يقال : من جوز أن تكون القدرة والإرادة [ ص: 121 ] والعلم حقيقة واحدة ، كما أن الطلب والخبر حقيقة واحدة ، فلماذا لا يجوز أن تكون حقيقة الحروف المختلفة حقيقة واحدة ، وكذلك حقيقة الأصوات؟ لست أعني واحدة بالنوع بل واحدة بالعين ، كما جعل الكلام واحدا بالعين ، وكما سوغ أن تكون الصفات المتنوعة واحدة بالعين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث