الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

للنظار ثلاثة أقوال في تركيب الجسم

وفي ذلك للنظار ثلاثة أقوال :

فمن قال بالمركب من الجواهر المنفردة اضطربوا في محل العلم ونحوه من العبد : هل هو جزء مفرد في القلب ، كما يذكر عن ابن الراوندي؟ أو أن الأعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء من الجملة اتصف بها سائر الجملة ، كما يقوله المعتزلة؟ أو حكم العرض لا يتعدى محله ، بل يقوم بكل جوهر فرد عرض يخصه من العلم والقدرة ونحو ذلك ، كما يقوله الأشعري؟ على ثلاثة أقوال .

ومن لم يقل بالجوهر الفرد لم يلزمه ذلك ، بل يقول : إن العرض القائم بالجسم ليس بمنقسم في نفسه ، كما أن الجسم ليس بمنقسم ، وأما قبوله للقسمة فهو كقبول الجسم للقسمة .

وهؤلاء يقولون : إن الإنسان تقوم به الحياة والقدرة والحس بجميع بدنه ، ويقولون : إن بدن الإنسان ليس مركبا من الجواهر المنفردة ، فلا يرد عليهم ما ورد على أولئك . [ ص: 135 ]

وأما الأعراض القائمة بروحه من العلم والإرادة ونحو ذلك فهي أبعد عن الانقسام من الأعراض ببدنه ، وروحه أبعد عن كونها مركبة من الجواهر المنفردة من بدنه، وإن قيل إنها جسم .

وعلى هذا فإذا قيل : يقوم بها علم واحد بمعلوم واحد كان هذا بمنزلة أن يقال : يقوم بالعين إدراك واحد لمدرك واحد ، وبمنزلة أن يقوم بداخل الأذن سمع واحد لمسموع واحد .

وهذا وغيره مما يجيبون به المتفلسفة الذين قالوا: إن النفس الناطقة لا تتحرك ولا تسكن، ولا تصعد ولا تنزل، وليست بجسم، فإن عمدتهم على ذلك كونها يقوم بها ما لا ينقسم ، كالعلم بما لا ينقسم، [فيجب أن لا ينقسم] وإذا لم تنقسم امتنع كونها جسما. وكلا المقدمتين ممنوعة ، كما قد بسط الجواب عن هذه الحجة التي هي عمدتهم في غير هذا الموضع .

ولما عسر جواب هذه على الرازي ونحوه من أهل الكلام ، اعتقدوا أن القول بالمعاد مبني على إثبات الجوهر الفرد، لظنهم أنه لا يمكن الجواب عن هذه إلا بإثبات الجوهر الفرد ، وأن القول بالمعاد يفتقر إلى القول بأن أجزاء البدن تفرقت ثم اجتمعت .

وليس الأمر كذلك ، فإن إثبات الجوهر الفرد مما أنكره أئمة السلف والفقهاء، وأهل الحديث والصوفية، وجمهور العقلاء، وكثير من [ ص: 136 ] طوائف أهل الكلام كالهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وكثير من الكرامية .

والقول بمعاد الأبدان مما اتفق عليه أهل الملل ، فكيف يكون القول بمعاد الأبدان مستلزما للقول بالجوهر الفرد؟ وبسط هذه الأمور له موضع آخر .

والمقصود هنا التنبيه على ما ذكره من البحث مع الكرامية . وحينئذ فيقال: قول الكرامية الذي حكاه عنهم من أنه يستحيل تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ذاته بعد قيامها، قول لا يوافقهم عليه كل من وافقهم على أصل هذه المسألة ، فإن الموافقين لهم على أصل المسألة هم أكثر الناس ، وأئمتهم من الطوائف كلها ، حتى من أئمة أهل السنة والحديث وأئمة الفلاسفة، أهل الشرع وأهل الرأي. وأما هذا القول فموافقهم عليه قليل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث