الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى

قال : "الوجه الثاني : في بيان لزوم المحال من اتصافه بهذه الصفات: هو أنه لا يخلو إما أن يكون اتصافه بها واجبا لذاته أو [ ص: 195 ] لغيره ، لا جائز أن يقال بالأول ، وإلا لزم اتصاف كل جسم بها وجوبا لذاته ، للتساوي في الحقيقة على ما وقع به الفرض ، وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقرا إلى ما يخصصه بصفاته ، والمحتاج إلى غيره في إفادة صفاته له لا يكون إلها" .

قلت : ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون اتصافه بها واجبا لذاته؟

قوله : "يلزم اتصاف كل جسم بها للتساوي في الحقيقة على ما وقع به الفرض" .

قيل : الذي وقع به الفرض أنه جسم كالأجسام ، وذلك يقتضي الاشتراك في مسمى الجسمية ، فلم قلت : إن ذلك يستلزم التساوي في الحقيقة ، فإن هذا مبني على تماثل الأجسام ، وهو ممنوع ، وهو باطل .

وإن قيل : إنه يقتضي مماثلة كل جسم في حقيقته بحيث يجوز عليه ما يجوز على كل جسم، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ، ويجب له ما يجب له، فهذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقول ولا يعرف هذا قولا لطائفة معروفة ، وفساده ظاهر لا يحتاج إلى إطناب ، ولكن لا يلزم من فساده أن [ ص: 196 ] لا يكون النزاع إلا لفظا ، فإن المنازع يقول : ليس هو مثل كل جسم من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع، ولكن شاركها غيره في مسمى الجسمية ، كما إذا قيل : هو حي وغيره حي ، شاركه في مسمى الحي، وكذلك شارك غيره في مسمى العالم والقادر والموجود والذات والحقيقة ، فما كان من لوازم القدر المشترك ثبت لهما ، وما اختص بأحدهما لم يثبت للآخر .

ومعلوم أن مسمى الجسمية إن قيل : إنه يستلزم أن يجوز على كل جسم ما جاز على الآخر ، فلا يقول عاقل : إن الله جسم بهذا التفسير . ومن قال : إنه جسم ، لم يقل : إن القدر المشترك إلا كالقدر المشترك في الذات والقائم بالنفس ومسمى التحيز ، ويقول مع ذلك : إن هذا المسمى وقع على أمور مختلفة الحقائق ، كالموصوف والقائم بالنفس ونحو ذلك .

وبالجملة إن ثبت تماثل الأجسام في كل ما يجب ويجوز ويمتنع أغناه عن هذا الكلام ، وإن لم يثبت لم ينفعه هذا الكلام ، فهذا الكلام لا يحتاج إليه على التقديرين ، فالمنازع يقول : مسمى الجسم كمسمى الموصوف والقائم بنفسه والذات والماهية ، والموجود ينقسم إلى واجب بنفسه وواجب بغيره ، وإذا كان أحد النوعين واجبا بنفسه ، لم يجب أن يكون كل موصوف قائما بنفسه ، ولا كل موجود ، وكذلك لا يكون [ ص: 197 ] كل جسم . فتبين أن كل ما ذكره مغلطة ، لأنه قال : إما أن يقال : إنه جسم كالأجسام ، وإما أن يقال : جسم لا كالأجسام ، فإن قيل بالثاني كان النزاع في اللفظ لا في المعنى ، فدل ذلك على أن قوله في المعنى موافق لقول من يقول : جسم لا كالأجسام ، ثم جعل القسم الأول هو القول بتماثل الأجسام ، فكان حقيقة قوله : إنه إما أن يقال إنه مماثل للأجسام في حقيقتها بحيث يتصف بما تتصف به من الوجوب والجواز والامتناع ، وإما أن لا يقال بذلك ، فمن لم يقل بذلك لم ينازعه في المعنى ، ومن قال بالأول فقوله باطل .

ومعلوم أن أحدا من الطوائف المعروفة وأهل الأقوال المنقولة لم يقل : إنه جسم مماثل للأجسام كما ذكر . ومعلوم أيضا أن فساد هذا أبين من أن يحتاج إلى ما ذكره من الأدلة ، فإن فساد هذا معلوم بالأدلة اليقينية لما في ذلك من الجمع بين النقيضين ، إذ كان كل منهما يلزم أن يكون واجبا بنفسه لا واجبا بنفسه ، محدثا لا محدثا ، ممكنا لا ممكنا ، قديما لا قديما، إذ المتماثلان يجب اشتراكهما في هذه الصفات .

وإذا كان القول الذي نفاه لم يقله أحد ، ولم ينازعه فيه أحد ، والقول الذي ادعى أنه موافق لقائله في المعنى لا يخالف فيه قائله ، بقي مورد النزاع لم يذكره ولم يقم دليلا على نفيه ، وهو قول من يقول : هو [ ص: 198 ] جسم كالأجسام ، بمعنى أنه مشارك لغيره في مسمى الجسمية ، كما يشاركه في مسمى الموصوفية والقيام بالنفس ، وأنه لم يثبت له لوازم القدر المشترك ، ولا يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ، ولا يكون مماثلا لشيء من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع عليه ، لأن الأجسام المخلوقة لها خصائص تختص باعتبارها ثبت لها ما يجب ويجوز ويمتنع عليه .

والقدر المشترك عند هؤلاء لا يستلزم شيئا من خصائص المخلوقين ، وهذا القدر لم يتعرض له هنا بنفي ولا إثبات ، لكنه يقول : إن القدر المشترك يستلزم التماثل في الحقيقة ، وإن ما لزم كلا من الأجسام لزم الآخر ، وإنما يفترقان فيما يعرض لهما بمشيئة الخالق .

لكن هذا القول لم يقرر هنا ، فبقي كلامه هنا بلا حجة ، مع أن هذا القول فاسد في نفسه كما قد عرف . وهو لما قرره في موضع آخر بناه على أصلين : على إثبات الجوهر الفرد، وتماثل الجواهر . وكلاهما ممنوع باطل ، قد قرر هو أنه لا حجة عليه ، مع أن القول بأنه جسم كالأجسام ما علمت أنه قاله أحد ، ولا نقله أحد عن أحد ، وهو مع هذا لم [ ص: 199 ] يذكر دليلا على نفيه ، فكيف قد أقام دليلا على نفي قول من يقول : هو جسم لا كالأجسام؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث