الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى

قال : "الثالث : هو أنه لو كان جسما لكان له بعد وامتداد ، وذلك إما أن يكون غير متناه أو متناهيا ، فإن كان غير متناه : فإما أن يكون غير متناه من جميع الجهات ، أو من بعض الجهات دون بعض ، فإن كان الأول فهو محال لوجهين : الأول : ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى ، والثاني : يلزم منه أن لا يوجد جسم غيره ، أو أن تتداخل الأجسام وهو يخالط القاذورات وهو محال ، وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضا لوجهين : الأول: ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى ، والثاني : أنه إما أن يكون اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر لذاته أو لمخصص من خارج ، فإن كان الأول فهو محال لعدم الأولوية ، وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقرا في إفادة مقداره إلى موجب ومخصص ، ولا معنى للبعد غير نفس الأجزاء على [ ص: 200 ] ما تقدم ، فيكون الرب معلول الوجود ، وهو محال . وإن كان متناهيا من جميع الجهات فله شكل ومقدار ، وهو إما أن يكون مختصا بذلك الشكل والقدر لذاته ، أو لأمر خارج ، فإن كان الأول لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة ، وإن كان الثاني فالرب محتاج في وجوده إلى غيره ، وهو محال" .

قلت : ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون مختصا بالشكل والمقدار لذاته؟ قوله : إن ذلك يستلزم اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة ، إنما يصح إذا سلم أن طبيعة الأجسام كلها متحدة ، وهذا ممنوع ، بل باطل ، بل معلوم الفساد بالضرورة والحس ، فإن طبيعة النار ليست طبيعة الماء ، ولا طبيعة الحيوان طبيعة النبات ، وهذا مبني على القول بأن الأجسام متماثلة في الحقيقة ، وهذا لو صح لأغنى عن هذه الوجوه كلها ، وهو في كتابه لما ذكر قول من يقول بتجانس [ ص: 201 ] الأجسام من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية قال : إنهم بنوا ذلك على أصلهم : أن الجسم هو الجوهر المؤلف أو الجوهر المؤتلفة ، وأن الجواهر متجانسة ، وأن التأليف من حيث هو تأليف غير مختلف، فالأجسام الحاصلة منها غير مختلفة .

ومعلوم أن هذين الأصلين اللذين بنوا عليهما تماثل الأجسام قد أبطلها هو وغيره ، وهي مما يخالفهم فيها جمهور العقلاء ، فأكثر العقلاء لا يقولون : إن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة ، لا جمهور أهل الملل ولا جمهور الفلاسفة ، بل جمهور أهل الكلام من الهشامية والنجارية والضرارية والكلابية والكرامية لا يقولون بذلك ، فكيف بمن عدا أهل الكلام من سائر أنواع أهل العلم؟ فإنهم من أعظم الناس إنكارا لذلك .

وكذلك القول بتماثل الجواهر قول لا دليل عليه ، إذ المتنازعون في الجواهر المنفردة : منهم من يقول باختلافها ، ومنهم من يقول بتماثلها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث