الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          معلومات الكتاب

          الإحكام في أصول الأحكام

          الآمدي - علي بن محمد الآمدي

          [ ص: 178 ] المسألة الثالثة

          مذهب الجمهور من المسلمين أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا ، وأن الإثم غير محطوط عن مخالف ملة الإسلام سواء نظر وعجز عن معرفة الحق أم لم ينظر .

          وقال الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري [1] من المعتزلة بحط الإثم عن مخالف ملة الإسلام إذا نظر واجتهد ، فأداه إلى معتقده ، وأنه معذور بخلاف المعاند .

          وزاد عبيد الله بن الحسن العنبري بأن قال : كل مجتهد في العقليات مصيب ، وهو إن أراد بالإصابة موافقة الاعتقاد للمعتقد فقد أحال وخرج عن المعقول ، وإلا كان يلزم من ذلك أن يكون حدوث العالم وقدمه في نفس الأمر حقا عند اختلاف الاجتهاد ، وكذلك في كل قضية عقلية اعتقد فيها النفي والإثبات بناء على ما أدى إليه من الاجتهاد ، وهو من أمحل المحالات ، وما أظن عاقلا يذهب إلى ذلك . وإن أراد بالإصابة أنه أتى بما كلف به مما هو داخل تحت وسعه وقدرته من الاجتهاد ، وأنه معذور في المخالفة غير آثم ، فهو ما ذهب إليه الجاحظ ، وهو أبعد عن الأول في القبح ، ولا شك أنه غير محال عقلا ، وإنما النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعا .

          وقد احتج الجمهور على مذهبهم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة .

          أما الكتاب فقوله تعالى : ( ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) ، وقوله : ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) ، وقوله تعالى : ( ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) .

          ووجه الاحتجاج بهذه الآيات : أنه ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه ، ولو كانوا معذورين فيه لما كان كذلك .

          وأما السنة : فما علم منه عليه السلام علما لا مراء فيه تكليفه للكفار من اليهود والنصارى بتصديقه ، واعتقاد رسالته ، وذمهم على معتقداتهم ، وقتله لمن ظفر به منهم ، [ ص: 179 ] وتعذيبه على ذلك ، مع العلم الضروري بأن كل من قاتله وقتله لم يكن معاندا بعد ظهور الحق له بدليله [2] فإن ذلك مما تحيله العادة ، ولو كانوا معذورين في اعتقاداتهم وقد أتوا بما كلفوا به لما ساغ ذلك منه .

          وأما الإجماع : فهو أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين اتفقوا أيضا على قتال الكفار وذمهم ومهاجرتهم على اعتقاداتهم ، ولو كانوا معذورين في ذلك لما ساغ ذلك من الأمة المعصومة عن الخطإ .

          فإن قيل : أما الآية الأولى فغاية ما فيها ذم الكفار وذلك غير متحقق في محل النزاع ; لأن الكفر في اللغة مأخوذ من الستر والتغطية .

          ومنه يقال لليل : كافر ; لأنه ساتر للحوادث ، وللحارث كافر ; لستره الحب ، وذلك غير متصور إلا في حق المعاند العارف بالدليل مع إنكاره لمقتضاه .

          كيف وأنه يجب حمل هذه الآية والآيتين بعدها على المعاند دون غيره جمعا بينه وبين ما سنذكره من الدليل .

          وأما ما ذكرتموه من قتل النبي عليه السلام الكفار ، فلا نسلم أنه كان على ما اعتقدوه عن اجتهادهم بل على إصرارهم على ذلك ، وإهمالهم لترك البحث عما دعوا إليه والكشف عنه مع إمكانه .

          وأما الإجماع : فلا يمكن الاستدلال به في محل الخلاف .

          كيف وأنه يمكن حمل فعل أهل الإجماع على ما حمل عليه فعل النبي عليه السلام .

          ودليل هذه التأويلات أن تكليفهم باعتقاد نقيض معتقدهم الذي أدى إليه اجتهادهم واستفرغوا الوسع فيه تكليف بما لا يطاق ، وهو ممتنع للنص والمعقول .

          أما النص فقوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) .

          [ ص: 180 ] وأما المعقول : فهو أن الله تعالى رءوف بعباده رحيم لهم ، فلا يليق به تعذيبهم على ما لا قدرة لهم عليه .

          ولهذا كان الإثم مرتفعا عن المجتهدين في الأحكام الشرعية مع اختلاف اعتقاداتهم فيها ، بناء على اجتهاداتهم المؤدية إليها ، كيف وقد نقل عن بعض المعتزلة أنهم أولوا قول الجاحظ وابن العنبري بالحمل على المسائل الكلامية المختلف فيها بين المسلمين ، ولا تكفير فيها كمسألة الرؤية وخلق الأعمال وخلق القرآن ونحو ذلك ; لأن الأدلة فيها ظنية متعارضة .

          الجواب عما ذكروه على الآية أنه خلاف الإجماع في صحة إطلاق اسم الكافر على من اعتقد نقيض الحق ، وإن كان عن اجتهاد .

          وقولهم : إن الكفر في اللغة مأخوذ من التغطية مسلم ، ولكن لا نسلم انتفاء التغطية فيما نحن فيه ، وذلك لأنه باعتقاده لنقيض الحق بناء على اجتهاده مغط للحق متوقف على علمه بذلك .

          وما ذكروه من التأويل ففيه ترك الظاهر من غير دليل ، وما يذكرونه من الدليل فسيأتي الكلام عليه .

          وما ذكروه على السنة فبعيد أيضا ؛ وذلك لأنه إن تعذر قتلهم وذمهم على ما كانوا قد اعتقدوه عن اجتهادهم واستفراغ وسعهم ، فهو لازم أيضا على تعذر قتلهم وذمهم على عدم تصديقه فيما دعاهم إليه ; لأن الكلام إنما هو مفروض فيمن أفرغ وسعه وبذل جهده في التوصل إلى معرفة ما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إليه وتعذر عليه الوصول إليه .

          وما ذكروه في امتناع التمسك بالإجماع في محل الخلاف إنما يصح فيما كان من الإجماع بعد الخلاف أو حالة الخلاف .

          وأما الإجماع السابق على الخلاف فهو حجة على المخالف ، وقد بينا سبقه .

          وما ذكروه من التأويل فجوابه كما تقدم .

          [3] قولهم : إن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق ، لا نسلم ذلك فإن الوصول إلى [ ص: 181 ] معرفة الحق ممكن بالأدلة المنصوبة عليه ، ووجود العقل الهادي ، وغايته امتناع الوقوع باعتبار أمر خارج [4] ، وذلك لا يمنع من التكليف به وإنما يمتنع من التكليف بما لا يكون ممكنا في نفسه كما سبق تقريره في موضعه .

          وما ذكروه فقد سبق تخريجه أيضا في مسألة تكليف ما لا يطاق .

          وأما رفع الإثم في المجتهدات الفقهية فإنما كان لأن المقصود منها إنما هو الظن بها ، وقد حصل بخلاف ما نحن فيه ، فإن المطلوب فيها ليس هو الظن بل العلم ولم يحصل .

          [5] وما ذكروه من التأويل إن صح أنه المراد من كلام الجاحظ وابن العنبري ففيه رفع الخلاف والعود إلى الحق ولا نزاع فيه .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية