الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          المسألة الثالثة

          إذا نص الشارع على علة الحكم ، هل يكفي ذلك في تعدية الحكم بها إلى غير محل الحكم المنصوص دون ورود التعبد بالقياس بها ؟

          اختلفوا فيه ، فقال أبو إسحاق الإسفراييني وأكثر أصحاب الشافعي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وبعض أهل الظاهر : لا يكفي ذلك .

          وقال أحمد بن حنبل والنظام والقاشاني والنهرواني وأبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة والكرخي : يكفي ذلك في إثبات الحكم بها أين وجدت وإن لم يتعبد بالقياس بها .

          وقال أبو عبد الله البصري : إن كانت العلة المنصوص عليها علة للتحريم وترك الفعل كان التنصيص عليها كافيا في تحريم الفعل بها أين وجدت وإن كانت علة لوجوب الفعل أو ندبه لم يكن ذلك كافيا في إيجاب الفعل بها ولا في ندبه أين وجدت دون ورود التعبد بالقياس ; لأن من تصدق على فقيره لفقره بدرهم ; لا يجب أن يتصدق على كل فقير ، ومن أكل شيئا من السكر لأنه حلو [ ص: 56 ] لا يجب عليه أن يأكل كل سكر ، وهذا بخلاف من ترك أكل رمانة لحموضتها ، فإنه يجب عليه أن يترك كل رمانة حامضة .

          والمختار هو القول الأول ; لأنه إذا قال الشارع : حرمت الخمر لأنه مسكر ولم يرد التعبد بإثبات التحريم بالمسكر في غير الخمر ، فالقضاء بالتحريم في غير الخمر كالنبيذ إما أن يكون ذلك ; لأن اللفظ اقتضى بعمومه تحريم كل مسكر ، وأن قوله حرمت الخمر ; لأنه مسكر نازل منزلة قوله : حرمت كل مسكر كما قاله النظام ومن قال بمقالته ، وإما لوجود العلة في غير الخمر لعدم إمكان قسم ثالث .

          فإن كان الأول ، فهو ممتنع من حيث إن قوله حرمت الخمر لإسكاره ، لا دلالة له من جهة اللغة على تحريم كل مسكر كدلالة قوله : حرمت كل مسكر ، ولهذا فإنه لو قال : أعتقت عبيدي السودان عتق كل عبد أسود له ، ولو قال : أعتقت سالما لسواده ، فإنه لا يعتق كل عبد له أسود وإن كان أشد سوادا من سالم ، وكذلك إذا قال لوكيله : بع سالما لسوء خلقه لم يكن له التصرف في غيره من العبيد بالبيع ، وإن كان أسوأ خلقا من سالم .

          وإن كان الثاني ، فهو ممتنع لوجهين :

          الأول : أنه لو كان وجود ما نص على عليته كافيا في إثبات الحكم أينما وجدت العلة دون التعبد بالقياس للزم من قوله : أعتقت سالما لسواده عتق غانم إذا كان مشاركا له في السواد ، وهو ممتنع .

          الثاني : أنه من الجائز أن يكون ما وقع التنصيص عليه هو عموم الإسكار ، ومن الجائز أن يكون خصوص إسكار الخمر لما علم الله فيه من المفسدة الخاصة به التي لا وجود لها في غير الخمر .

          وإذا احتمل واحتمل فالتعدية به تكون ممتنعة ، إلا أن يرد التعبد بالتعدية .

          فإن قيل : لم قلتم إن اللفظ لا يقتضي بعمومه تحريم كل مسكر ، وقوله : أعتقت عبدي سالما لسواده دال على عتق غانم أيضا إذا كان أسود ، ولهذا فإن أهل اللسان وكل عاقل يناقضه في ذلك عند عدم إعتاقه ، ويقول له فغانم أيضا أسود ، فلم خصصت سالما بالعتق ؟ [ ص: 57 ] وكذلك القول في قوله لوكيله : بع سالما لسواده .

          هذا بالنظر إلى المفهوم من اللفظة لغة ، وحيث لم يقع العتق بغير سالم ولا جاز بيعه شرعا فإنما كان لأن اللفظ وإن كان له على ذلك دلالة ، لكنها غير صريحة ، فالشارع قيد التصرف في أملاك العبيد بصريح القول ، نظرا لهم في عاقبة الأمر لجواز طرو الندم والبداء عليهم بخلاف تصرف الشارع في الأحكام الشرعية .

          ولهذا فإنه لو قال الشارع : حرمت الخمر لإسكاره ، وقيسوا عليه كل مسكر لزم منه تحريم كل مسكر ، ولو قال لوكيله : بع سالما لسواده وقس عليه كل أسود ، فإنه لا ينفذ تصرفه بذلك .

          وإن سلمنا أنه لا عموم في اللفظ ، ولكن لما قلتم إنه يمتنع إثبات الحكم لوجود العلة وما ذكرتموه من الوجه الأول ، فالعذر عنه ما ذكرناه من تقييد الشارع التصرف في أملاك العبيد بصريح القول دون غيره .

          وما ذكرتموه من الوجه الثاني فغير صحيح لستة أوجه : الأول : أن العرف شاهد بأن الأب إذا قال لولده : لا تأكل هذا فإنه مسموم ، وكل هذا لأنه غذاء نافع ، فإنه يفهم منه المنع من أكل كل طعام مسموم وجواز أكل كل غذاء نافع ، ولو أمكن أن يكون لخصوص الإضافة تأثير أو احتمل أن تكون داخلة في التعليل لما تبادر إلى الفهم التعميم من ذلك ، والأصل تنزيل التصرفات الشرعية على وفق التصرفات العرفية .

          الثاني : أن الغالب من العلة المنصوص عليها أن تكون مناسبة للحكم حتى تخرج عن التعبد ، ولا مناسبة في خصوص إضافة الإسكار إلى الخمر ، بل المناسبة في كونه مسكرا .

          الثالث : أنه لو لم يكن الوصف المنصوص عليه علة بعمومه بحيث يثبت به الحكم في موضع آخر ، بل العلة خصوص إضافة ذلك الوصف إلى محله ، لم يكن للتنصيص عليه فائدة ; وذلك لأن اختصاص الخمر بوصف الإسكار ملازم له غير مفارق فكان يكفيه أن يقول حرمت الخمر لا غير .

          الرابع : أن أخذ خصوص إضافة الوصف المنصوص على عليته في التعليل على خلاف الظاهر في جميع التعاليل ; ولهذا فإن عقلاء العرب ما نطقوا بعلة إلا وطردوها [ ص: 58 ] في غير المحل الذي أضافوها إليه ، ولهذا فإنهم إذا قالوا : اضرب هذا الأسود لكونه سارقا ، فإنهم يلغون خصوص إضافة السرقة إلى الأسود ، حتى إن السرقة لو وجدت من أبيض كانت مقتضية لضربه .

          الخامس : أنه لو أمكن أخذ خصوص إضافة الصفة إلى محلها في التعليل لما صح قياس أصلا ، وذلك ممتنع .

          السادس : أنه إذا قال الشارع : حرمت التأفيف للوالدين ، فإنه يفهم منه كل عاقل تحريم ضربهما لما كان الشارع مومئا إلى العلة - وهي كف الأذى عنهما - فإذا صرح بالعلة ونص عليها كان ذلك أولى بالتعدية ، ولو كان لخصوص الأذى بالتأفيف مدخل في التعليل ، لما فهم تحريم الضرب .

          سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع التعدية فيما إذا قال : حرمت الخمر لكونها مسكرة ، لكنه غير مطرد فيما إذا قال : علة تحريم الخمر الإسكار ، حيث إنه لا إضافة .

          والجواب : [1] قولهم : لم قلتم إن اللفظ بعمومه لا يقتضي ذلك ، قلنا : [2] .

          قولهم : إن قوله أعتقت سالما لسواده مقتض بلفظه عتق غيره من العبيد السودان غير صحيح ، فإن اللفظ الدال على العتق إنما هو قوله : أعتقت سالما ، وذلك لا دلالة له على غيره ، وإن قيل : إنه يدل عليه من جهة التعليل ، فهو عود إلى الوجه الثاني .

          قولهم : إن العقلاء يناقضونه في ذلك بغانم .

          قلنا : ليس ذلك بناء على عموم لفظ العتق لهما ، وإنما ذلك منهم طلبا لفائدة التخصيص لسالم بالعتق مع ظنهم عموم العلة التي علل بها ، وإذا بطل القول بتعميم اللفظ ، فالعتق يكون منتفيا في غانم لعدم دلالة اللفظ على عتقه [3] لا لما ذكروه [ ص: 59 ] كيف وإنه يجب اعتقاد ذلك حتى لا يلزم منه نفي العتق مع وجود دليله في حق غانم ; لأنه لو دل اللفظ عليه لكان الأصل اعتبار لفظه في مدلوله نظرا إلى تحصيل مصلحة العاقل التي دل لفظه عليها .

          قولهم : إنه لو قال لوكيله : بع سالما لسواده ، وقس عليه كل أسود من عبيدي لا ينفذ تصرفه في غير سالم .

          لا نسلم ذلك ، فإنه لو قال له : مهما ظهر لك من إرادتي ورضائي بشيء بالاستدلال دون صريح المقال فافعله ، فله فعله .

          فإذا قال له : أعتق سالما لسواده ، وقس عليه غيره ، فإذا ظهر أن العلة السواد الجامع بين سالم وغانم وأنه لا فارق بينهما ، فقد ظهر له إرادته لعتق غانم ، فكان له عتقه .

          قولهم : لم قلتم بامتناع الحكم لوجود العلة ؟

          قلنا : لما ذكرناه من الوجهين ، وما ذكروه على الوجه الأول ، فإنما يصح أن لو كان ما ذكروه من العلة موجبا للحكم في غير محل النص ، ويجب اعتقاد انتفاء الحكم لانتفاء العلة ; حذرا من التعارض فإنه على خلاف الأصل .

          والجواب عما ذكروه على الوجه الثاني من الإشكال الأول ، أنا إنما قضينا فيما ذكروه بالتعميم نظرا إلى حال الآباء مع الأبناء ، وأنهم لا يفرقون في حقهم بين سم وسم ، وغذاء نافع وما في معناه من الأغذية النافعة ، وهذا بخلاف ما إذا حرم الله شيئا أو أوجبه ، فإن العادة الشرعية مطردة بإباحة مثل ما حرم وتحريم مثل ما أوجب ، حتى أنه يوجب الصوم في نهار رمضان ، ويحرمه في يوم العيد ، ويبيح شرب الخمر في زمان ويحرمه في زمان ، ويوجب الغسل من بول الصبية والرش من بول الغلام ، ويوجب الغسل من المني دون البول والمذي مع اتحاد مخرجهما ، ويوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة ، ويبيح النظر إلى وجه الرقيقة الحسناء دون الحرة العجوز الشوهاء ، إلى غير ذلك مما ذكرناه فيما تقدم من التفرقة بين المتماثلات وعلى عكسه الجمع بين المختلفات [4] [ ص: 60 ] وذلك لما علمه الله تعالى من اختصاص أحد المثلين بمصلحة مقارنة لزمانه لا وجود لها في مثله [5] ، إذ ليست المصالح والمفاسد من الأمور التابعة لذوات الأوصاف وطباعها حتى تكون لازمة لها ، بل ذلك مختلف باختلاف الأوقات ، هذا كله إن قلنا بوجوب رعاية المصالح وإلا فلله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد [6] .

          وعن الإشكال الثاني : أن النظر في التعليل إلى مناسبة القدر المشترك وإلغاء ما به الافتراق من الخصوصية ، إما أن يكون دالا على وجوب الاشتراك بين الأصل والفرع أو لا يكون موجبا له ، فإن كان موجبا فهو دليل التعبد بالقياس ، والتنصيص على العلة دونه لا يكون كافيا في تعدية الحكم وهو المطلوب ، وإن لم يكن موجبا للتعدية فلا أثر لإيراده .

          وعن الإشكال الثالث : بأن فائدة التنصيص على العلة أن تعلم حتى يكون الحكم معقول المعنى ، إن كان الوصف مناسبا للحكم فإنه يكون أسرع في الانقياد [ ص: 61 ] وأدعى إلى القبول وأن ينتفي الحكم في محل التنصيص عند انتفائها ، ولمثل هذه الفائدة يكون التنصيص على الوصف وإن لم يكن مناسبا للحكم .

          وعن الإشكال الرابع : ما ذكرناه في حل الإشكال الأول .

          وعن الإشكال الخامس : أنه لا يلزم من إمكان أخذ خصوص المحل في التعليل إبطال القياس لجواز أن يقوم الدليل على إبطال أخذه في التعليل في آحاد الصور ، ومهما لم يقم الدليل على ذلك فالقياس يكون متعذرا .

          وعن السادس : أنه إنما فهم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف لهما ، نظرا إلى القرينة الدالة على ذلك من إنشاء الكلام وسياقه لقصد إكرام الوالدين ودفع الأذى عنهما .

          ولا يخفى أن اقتضاء ذلك لتحريم الضرب أشد منه لتحريم التأفيف ، ولذلك كان سابقا إلى الفهم من تحريم التأفيف والتنبيه بالأدنى على الأعلى .

          أما أن يكون ذلك مستفادا من نفس اللفظ والتنصيص على العلة بمجرده ، فلا .

          وعن الإشكال الأخير أنه مهما قال جعلت شرب المسكر علة للتحريم ; فالحكم يكون ثابتا في كل صورة وجد فيها شرب المسكر بالعلة المنصوص عليها بجهة العموم حتى في الخمر ، وذلك من باب الاستدلال لا من باب القياس فإنه ليس قياس بعض المسكر هاهنا على البعض أولى لتساوي نسبة العلة المنصوصة إلى الكل ، ولا كذلك فيما نحن فيه .

          وعلى هذا فلا معنى لما ذكره أبو عبد الله البصري من التفصيل بين الفعل والترك ، وذلك لأنه لا مانع ولا بعد في تحريم الخمر لشدة الخمر خاصة دون غيره من المسكرات ، ولعلم الله باختصاصه بالحكمة الداعية إلى التحريم وأن يشرك بين المتماثلات في إيجاب الفعل أو تركه أو ندبه لعلمه باشتراكها في الحكمة الداعية إلى الإيجاب والندب .

          وأما من أكل سكرا فلم يأكله لمجرد حلاوته بل لحلاوته وصدق شهوته عند فراغ معدته ، فإذا زالت الشهوة بالأكل وامتلأت المعدة وتبدلت الحالة الأولى إلى مقابلها ; امتنع لزوم الأكل لكل سكر مرة بعد مرة حتى إنه لو لم تتبدل الحال لعم ذلك كل سكر وحلو .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية