الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 77 ] الاعتراض الخامس ، التقسيم [1] وهو في عرف الفقهاء : عبارة عن ترديد اللفظ بين احتمالين ، أحدهما ممنوع ، والآخر مسلم غير أن المطالبة متوجهة ببناء الغرض عليه إما أنه لا بد من ترديده بين احتمالين لأنه [2] . لو لم يكن محتملا لأمرين لم يكن للترديد والتقسيم معنى ، بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو دليل عليه .

          وإما أنه لا بد وأن يكون احتمال اللفظ لهما على السوية لأنه [3] لو كان ظاهرا في أحدهما لم يكن للتقسيم أيضا وجه ، بل كان يجب تنزيل اللفظ على ما هو ظاهر فيه ، كان ممنوعا أو مسلما .

          وذلك كما لو قال المستدل في البيع بشرط الخيار ، وجد سبب ثبوت الملك للمشتري ، فوجب أن يثبت وبين وجود السبب بالبيع الصادر من الأهل في المحل ، فقال المعترض : السبب هو مطلق بيع أو البيع المطلق ؛ أي : الذي لا شرط فيه ، الأول ممنوع ، والثاني مسلم ولكن لم قلت بوجوده .

          ولقائل أن يقول : التقسيم وإن كان من شرطه تردد اللفظ بين احتمالين على السوية ، فليس من شرطه أن يكون أحد الاحتمالين ممنوعا والآخر مسلما ، بل كما يجوز أن يكون كذلك يجوز أن يشترك الاحتمالان في التسليم ولكن بشرط أن يختلفا باعتبار ما يرد على كل واحد منهما من الاعتراضات القادحة فيه ، وإلا فلو اتحدا فيما يرد عليهما من الاعتراضات مع التساوي في التسليم لم يكن للتقسيم معنى ، بل كان يجب تسليم المدلول وإيراد ما يختص به .

          ولا خلاف أنهما لو اشتركا في المنع أن التقسيم لا يكون مفيدا .

          [ ص: 78 ] وعلى هذا فلو أراد المعترض تصحيح تقسيمه ، فيكفيه بيان إطلاق اللفظ بإزاء الاحتمالين من غير تكليف بيان التساوي بينهما في دلالة اللفظ عليهما بجهة التفصيل ؛ لأن ذلك مما يعسر من جهة أن ما من وجه [4] يبين التساوي فيه إلا وللمستدل أن يقول : ولم قلت بعدم التفاوت من وجه آخر ؟ بلى لو قيل إنه يكلف التساوي بينهما من جهة الإجمال ، وهو أن يقول : التفاوت يستدعي ترجح أحدهما على الآخر وزيادته عليه ، والأصل عدم تلك الزيادة ؛ لم يكن ذلك شاقا وكان وافيا بالدلالة على شرط التقسيم .

          ولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدل عليهما وأورد الاعتراض عليهما كما لو قال المستدل في مسألة الالتجاء إلى الحرم : وجد سبب استيفاء القصاص ، فيجب استيفاؤه وبين وجود السبب بالقتل العمد العدوان ، فقال المعترض : متى يمكن القول بالاستيفاء ؟ إذا وجد المانع أو إذا لم يوجد ؟ الأول ممنوع والثاني مسلم .

          ولكن لم قلت إنه لم يوجد ، وبيان وجوده أن الحرم مانع ، وبينه بطريقة لم يخل ، [5] إما أن يورد ذلك بناء على أن لفظ المستدل متردد بين الاحتمالين المذكورين أو على دعواه الملازمة بين الحكم ودليله ، فإن كان الأول : فهو باطل لعدم تردد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين ، وإن كان الثاني : فإن اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع ، فهو غير مقبول لما تقرر في الاصطلاح من حط مئونة ذلك عن المناظر في الموانع والمعارضات المختلف فيها ، وإن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض ؛ فحاصل السؤال يرجع إلى المعارضة ولا حاجة إلى التقسيم ، وإذا اتجه سؤال التقسيم على التفسير الأول ، فجوابه من جهة الجدل من ستة أوجه :

          الأول : أن يعين المستدل بعض محامل لفظه ، ويبين أن اللفظ موضوع بإزائه حقيقة في لغة العرب ، إما بالنقل عن أهل الوضع أو الشارع الصادق .

          [ ص: 79 ] أو ببيان كونه مشهورا به في الاستعمال ، فيكون حقيقة ؛ لأنه الغالب ، وبما يساعد من الأدلة ، ومع بيان ذلك فالتقسيم يكون مردودا لتبين فوات شرطه من التساوي في الدلالة .

          الثاني : أن يقول : إنه وإن لم يكن ظاهرا بحكم الوضع فيما عينته من الاحتمال غير أنه ظاهر بعرف الاستعمال ، كما في لفظ الغائط ونحوه .

          الثالث : أنه وإن لم يكن ظاهرا بالأمرين إلا أنه ظاهر في عرف الشرع كلفظ الصلاة والصوم ونحوه .

          الرابع : أنه وإن تعذر كونه ظاهرا بأحد الأنحاء المذكورة ، لكنه ظاهر بحكم ما اقترن به من القرائن المساعدة له في كل مسألة .

          الخامس : أنه وإن تعذر بيان الظهورية بأحد الطرق المفصلة ، فله دفع التقسيم بوجه إجمالي ، وهو أن يقول : الإجمال على خلاف الأصل ، فيجب اعتقاد ظهور اللفظ في بعض احتمالاته ؛ ضرورة نفي الإجمال عن اللفظ ، ومع ذلك فالتقسيم لا يكون واردا .

          وقد يقدر على بيان كون اللفظ ظاهرا فيما عينه بهذا الطريق الإجمالي وهو أن يقول : إذا ثبت أنه لا بد وأن يكون اللفظ ظاهرا في بعض محامله ، نفيا للإجمال عن الكلام ، فيجب اعتقاد ظهوره فيما عينه المستدل ، ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما عداه ، أما عند المعترض فلضرورة دعواه الإجمال في اللفظ .

          وأما عند المستدل ، فلضرورة دعواه أنه ظاهر فيما ادعاه دون غيره .

          السادس : أن يبين أن اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرض له المعترض بالمنع والتسليم ، وأنه مراده إلا أن يحترز المعترض عن ذلك بأن يعين مجملا ، ويقول : إن أردت هذا فمسلم ، ولكن لم قلت ببناء الغرض عليه ، وإن أردت ما عداه فممنوع .

          فما مثل هذا الجواب لا يكون متجها ، وإن أراد المستدل الجواب الفقهي فإن كان قادرا على تنزيل كلامه على أحد القسمين ، فالأولى في الاصطلاح تنزيله على أحدهما ؛ حذرا من التطويل ، وليكن منزلا على أسهلهما في التمشية والقرب إلى المقصود إن أمكن ، وإن كان الجمع جائزا شرعا .

          وإن لم يقدر على شيء من ذلك كان منقطعا .

          [ ص: 80 ] وأما موقع سؤال التقسيم ، فيجب أن يكون بعد منع حكم الأصل لكونه متعلقا بالوصف المتفرع عن حكم الأصل ، وأن يكون مقدما على منع وجود الوصف لدلالة منع الوجود على تعيين الوصف والتقسيم على الترديد .

          وأن يكون مقدما على سؤال المطالبة بتأثير الوصف المدعي علة لكونه مشعرا بترديد لفظ المستدل بين أمرين ، والمطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه مدلولا للفظ لا غير [6] ضرورة تخصيصه بالكلام عليه ، وإلا كان التخصيص به غير مفيد ، وإيراد ما يشعر بالترديد بعد ما يشعر بتسليم اتحاد المدلول يكون متناقضا .

          وقد علل ذلك بعض أرباب الاصطلاح بأن المطالبة بتأثير الوصف تستدعي تسليم وجود الوصف ، والتقسيم مشتمل على منع الوجود ، ومنع الوجود بعد تسليم الوجود لا يكون مقبولا لما فيه من التناقض ، وهو غير صحيح لوجهين :

          الأول : أن ما ذكره إنما هو مبني على أن أحد القسمين لا بد وأن يكون ممنوع الوجود ، وليس كذلك لما سبق في مبدأ السؤال .

          [7] وبتقدير أن يكون أحد القسمين ممنوع الوجود فإنما يلزم التناقض والمنع بعد التسليم ، أن لو كان ما أورد عليه سؤال المطالبة أو لا هو نفس القسم الذي منع وجوده في التقسيم ، وبتقدير أن يكون غيره ، فلا .

          وبالجملة فيمتنع أيضا قبول سؤال التقسيم بعد سؤال الاستفسار ؛ لأن المسئول إن كان قد دفع سؤال الاستفسار جدلا بنفي الإجمال ، فالتقسيم بعده لا يرد ضرورة توقفه على الإجمال وقد انتفى ، وإن أجاب عنه بتعيين ما بكلامه ، فبعد التعيين لا حاجة إلى التقسيم بل يجب ورود الاعتراض على عينه [8] دون غيره .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية