الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 204 ] المسألة التاسعة

          المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل ، فإن اجتهد فيها ، وأداه اجتهاده إلى حكم فيها ، فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنه وترك ظنه ، وإن لم يكن قد اجتهد فيها ، فقد اختلفوا فيه .

          فقال أبو علي الجبائي : الأولى له أن يجتهد ، وإن لم يجتهد وترك الأولى جاز له تقليد الواحد من الصحابة ، إذا كان مترجحا في نظره على غيره ممن خالفه وإن استووا في نظره يخير في تقليد من شاء منهم ، ولا يجوز له تقليد من عداهم ، وبه قال الشافعي في رسالته القديمة .

          ومن الناس من قال : يجوز له تقليد الواحد من الصحابة أو التابعين دون من عداهم ، قال محمد بن الحسن : يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه ، ولا يقلد من هو مثله أو دونه ، وسواء كان من الصحابة أو غيرهم .

          وقال ابن سريج يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد ، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري : يجوز تقليد العالم للعالم مطلقا . وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان . وقال بعض أهل العراق : يجوز تقليد العالم فيما يفتي به ، وفيما يخصه ، ومنهم من قال بجواز ذلك فيما يخصه دون ما يفتي به .

          ومن هؤلاء من خصص ذلك بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد .

          وذهب القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم سواء كان أعلم منه أو لم يكن ، وهو المختار .

          إلا أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه على ضعفها ، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار .

          الحجة الأولى : أن من له أهلية الاجتهاد متمكن من الاجتهاد ، فلا يجوز مع ذلك مصيره إلى قول غيره كما في العقليات .

          [ ص: 205 ] الثانية : أنه لو كان قد اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الأحكام ، لم يجز له تقليد غيره وترك ما أدى إليه اجتهاده ، فكذا لا يجوز له تقليده قبل الاجتهاد ; لإمكان أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف رأي من قلده .

          الثالثة : أنه لو جاز لغير الصحابة تقليد الصحابة مع تمكنه من الاجتهاد ، لجاز لبعض الصحابة من المجتهدين تقليد البعض ، ولو جاز ذلك لما كان لمناظراتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى .

          الرابعة : أن الصحابة كانت تترك ما رأته باجتهادها لما تسمعه من الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان عمل غيرهم بالخبر وترك العمل برأيهم أولى .

          ولقائل أن يقول على الحجة الأولى : إنما لم يجز التقليد في العقليات ضرورة أن المطلوب فيها هو العلم [1] وهذا غير حاصل بالتقليد ، بخلاف مسائل الاجتهاد ، فإن المطلوب فيها هو الظن ، وهو حاصل بالتقليد فافترقا .

          وعلى الثانية : أنه إذا اجتهد إلى حكم من الأحكام فوثوقه به أتم من وثوقه بما يقلد فيه الغير ; لأنه مع مساواة اجتهاده لاجتهاد الغير يحتمل أن لا يكون الغير صادقا فيما أخبر به ، والمجتهد لا يكابر نفسه فيما أدى إليه اجتهاده ، وقبل أن يجتهد لم يحصل له الوثوق بحكم ما ، فلا يلزم من امتناع التقليد مع الاجتهاد امتناعه مع عدمه .

          وعلى الثالثة : أن من المخالفين في هذه المسألة من يجوز تقليد الصحابة بعضهم لبعض إذا كان المقلد أعلم كما سبق في تفصيل المذاهب في أول المسألة .

          وبتقدير التسليم فلا يخفى أن الوثوق باجتهاد الصحابي لمشاهدة الوحي والتنزيل ، ومعرفة التأويل ، والاطلاع على أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ، وزيادة اختصاص الصحابة بالتشدد في البحث عن قواعد الدين وتأسيس الشريعة ، وعدم تسامحهم فيها أشد [ ص: 206 ] من غيرهم على ما قال عليه السلام : " خير القرون القرن الذي أنا فيه " . [2] أتم من الوثوق باجتهاد غير الصحابي ، وأما مثل هذا التفاوت فغير واقع بين الصحابة .

          وعلى هذا فلا يلزم من جواز تقليد غير الصحابي للصحابي تقليد الصحابي للصحابي .

          وعن الرابعة : أن الخبر لا يخلو : إما أن يكون صريحا في مناقضة مذهب الصحابي ، أو لا يكون صريحا ، بل دلالته على ذلك ظنية اجتهادية .

          فإن كان الأول : فلا خفاء في امتناع تقليد الصحابي معه ، كما يمتنع على الصحابي العمل برأيه مع ذلك الخبر . وإن كان الثاني : فلا نسلم أنه يجب على الصحابي الرجوع إليه مع استمراره على اعتقاد ما رآه أولا ، وترجيح ما أداه إليه اجتهاده على ذلك الخبر ، وعلى ذلك فلا يمتنع تقليد الصحابي مع وجود ذلك الخبر .

          والمعتمد في المسألة أن يقال : القول بجواز التقليد حكم شرعي ولا بد له من دليل ، والأصل عدم ذلك الدليل ، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه ، ولا يلزم من جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم جواز ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم ، وهو قادر عليه ، ووثوقه به أتم مما هو مقلد فيه لما سبق .

          فإن قيل : دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد ، وإن كانت له أهلية الاجتهاد الكتاب والسنة والإجماع والمعقول .

          أما الكتاب : فقوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) أمر بالسؤال وأدنى درجاته جواز اتباع المسئول واعتقاد قوله ، وليس المراد به من لم يعلم شيئا أصلا ، بل من لم يعلم تلك المسألة ومن لم يجتهد في المسألة ، وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها غير عالم بها ، فكان داخلا تحت عموم الآية .

          وأيضا قوله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) والمراد ( بأولي الأمر ) العلماء ، أمر غير العالم بطاعة العالم ، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه .

          وأما السنة : فقوله عليه السلام : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم " [3] [ ص: 207 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " .

          [4] وقوله عليه السلام : " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر " .

          [5] وأما الإجماع : فهو أن عمر رجع إلى قول علي رضي الله عنه وإلى قول معاذ [6] ، وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر [7] ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ، مع أن المقلد كان أهلا للاجتهاد فصار ذلك إجماعا .

          وأما المعقول : فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن ، واتباع المجتهد فيما ذهب إليه مفيد للظن ، والظن معمول به في الشرعيات على ما سبق تقريره ، فكان اتباعه فيه جائزا .

          والجواب عن الآية الأولى : أن المراد بأهل الذكر أهل العلم ، أي : المتمكن من تحصيل العلم بأهليته فيما يسأل عنه ، لا من العلم بالمسألة المسئول عنها حاضر عتيد لديه ، فإن أهل الشيء من هو متأهل لذلك الشيء ، لا من حصل له ذلك الشيء .

          والأصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه ، وعلى هذا فتخص الآية بسؤال من ليس من أهل العلم ، كالعامي لمن هو أهل له ، وما نحن فيه فهو من أهل العلم بالتفسير المذكور ، فلا يكون داخلا تحت الآية ; لأن الآية لا دلالة لها على [ ص: 208 ] أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم ، فإنه ليس السائل أولى بذلك من المسئول .

          وعن الآية الثانية أن المراد : ( بأولي الأمر ) الولاة بالنسبة إلى الرعية ، والمجتهدين بالنسبة إلى العوام ، بدليل أنه أوجب الطاعة لهم ، واتباع المجتهد للمجتهد وإن جاز عند الخصوم فغير واجب بالإجماع ، فلا يكون داخلا تحت عموم الآية .

          وعن السنة : ما سبق في مسألة مذهب الصحابي هل هو حجة أو لا ؟

          وعن الإجماع : أما عمر فإنه لم يكن مقلدا لعلي ولمعاذ فيما ذهبا إليه ، بل لأنه اطلع من قوليهما على دليل أوجب رجوعه إليه .

          وأما قصة عبد الرحمن بن عوف فقد سبق جوابها في المسائل المتقدمة .

          [8] وعن المعقول : أنه لو اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم ، لم يجز له تقليد غيره في خلاف ما أدى إجماعا ، فلو جاز له التقليد مع عدم الاجتهاد لكان ذلك بدلا عن اجتهاده ، والبدل دون المبدل ، والأصل أن لا يجوز العدول إلى البدل مع إمكان تحصيل المبدل مبالغة في تحصيل الزيادة من مقصوده ، اللهم إلا أن يرد نص بالتخيير يوجب إلغاء الزيادة من مقصود المبدل أو نص بأنه بدل عند العدم لا عند الوجود [9] ، كما في بنت مخاض وابن لبون عن خمس وعشرين من الإبل ، فإن وجود بنت مخاض يمنع من أداء ابن لبون ، ولا يمتنع ذلك عند عدمها ، والأصل عدم ذلك النص .

          كيف وأن ما ذكروه معارض بقوله تعالى : ( فاعتبروا ياأولي الأبصار ) ، وقوله تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) ، وقوله تعالى : ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) ، وقوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) .

          [ ص: 209 ] وبقوله عليه السلام : " اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له " . [10] وتقليد العالم للعالم يلزم منه : ترك الاعتبار ، وترك العمل بحكم الله ورسوله ، وترك ما أنزل ، واقتفاء ما ليس له به علم ، وترك الاجتهاد المأمور به . وهو خلاف ظاهر النص .

          واذا تعارضت الأدلة سلم لنا ما ذكرناه أولا .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية