الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          معلومات الكتاب

          الإحكام في أصول الأحكام

          الآمدي - علي بن محمد الآمدي

          المسألة العاشرة

          اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال للمجتهد احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب [1] ، فأجاز ذلك قوم لكن اختلفوا فقال موسى بن عمران [2] بجواز ذلك مطلقا للنبي وغيره من العلماء .

          وقال أبو علي الجبائي بجواز ذلك للنبي خاصة في أحد قوليه .

          وقد نقل عن الشافعي في " كتاب الرسالة " ما يدل على التردد بين الجواز والمنع ، ومنع من ذلك الباقون .

          والمختار جوازه دون وقوعه ، لكن لا بد من الإشارة إلى حجج عول عليها المجوزون بعضها يدل على الجواز وبعضها يدل على الوقوع ، والتنبيه على ضعفها كالجاري من [ ص: 210 ] عادتنا ، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المعتمد في هذه المسألة .

          [3] وقد احتجوا بالنص والإجماع والمعقول .

          أما النص : فمن جهة الكتاب والسنة .

          أما الكتاب : فقوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) أضاف التحريم إليه فدل على كونه مفوضا إليه . وأما السنة فمن وجوه :

          منها ما روي عن النبي عليه السلام أنه لما قال في مكة : " لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها " قال له العباس : إلا الإذخر ، فقال النبي عليه السلام : ( إلا الإذخر ) .

          [4] ومعلوم أن ذلك لم يكن إلا من تلقاء نفسه ، لعلمنا بأن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة ، ولولا أن الحكم مفوض إليه لما ساغ ذلك .

          ومنها قوله عليه السلام : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " .

          [5] ومنها قوله عليه السلام : ( عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق ) .

          [6] ومنها ما روي أنه لما قيل له : أحجنا هذا لعامنا أم للأبد ؟ فقال : ( بل للأبد ، ولو قلت نعم لوجب ) [7] أضاف الوجوب والعفو إلى أمره وفعله ، ولولا أنه مفوض إلى اختياره لما جاز .

          [ ص: 211 ] ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه أمر مناديا يوم فتح مكة ( أن اقتلوا ابن صبابة وابن أبي سرح ولو كانا متعلقين بأستار الكعبة ) [8] ، ثم عفا عن ابن أبي سرح بشفاعة عثمان [9] ولو كان قد أمر بقتله بوحي لما خالفه بشفاعة عثمان .

          ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه لما قتل النضر بن الحارث جاءته بنت النضر فأنشدته :


          ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق .

          فقال عليه السلام : ( أما أني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته )
          .



          [10] ولو كان قتله بأمر من الله لما خالفه وإن سمع شعرها .

          ومنها ما روي عنه عليه السلام أنه لما قيل له : إن ماعزا رجم ، فقال : " لو كنتم تركتموه حتى أنظر في أمره " [11] وذلك يدل على أن حكم الرجم كان مفوضا إلى رأيه .

          ومنها قوله عليه السلام : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها " [12] ، [ ص: 212 ] وعن لحوم الأضاحي ألا فانتفعوا بها " [13] ، وذلك يدل على تفويض الحل والحرمة في ذلك إليه .

          وأما الإجماع : فما نقل عن آحاد الصحابة فيما حكم به " إن كان صوابا فمن الله ورسوله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان " أضاف الحكم إلى نفسه ولم ينكر عليه منكر فصار ذلك إجماعا .

          ومن ذلك ما شاع وذاع من رجوع آحاد الصحابة عما حكم به أولا من غير نكير عليه ، ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه بل عن دليل من الشارع لما شاع ذلك منه ، ولما جاز تطابق الصحابة على عدم الإنكار عليه .

          وأما المعقول فمن وجوه :

          الأول : أنه إذا جاز تفويض الشارع إلى المكلف اختيار واحدة من خصال الكفارة جاز مثله في الأحكام .

          الثاني : أنه إذا جاز أن يفوض إلى العامي العمل بما شاء من فتوى أي المجتهدين شاء من غير دليل جاز مثله في الأحكام الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين .

          الثالث : أنه إذا جاز الحكم بالأمارة الظنية مع جواز الخطإ فيها عن الصواب جاز الحكم بما يختاره من غير دليل وإن جاز عدوله عن جهة الصواب .

          [14] ولقائل أن يجيب عن الآية بأن إسرائيل لم يكن من جملة بنيه حتى يكون داخلا في عموم الآية ، وعند ذلك فيحتمل أن إسرائيل حرم ما حرم على نفسه بالاجتهاد مستندا إلى دليل ظني لا أنه من غير دليل .

          وعن الخبر الأول : أنه قد قيل : إن الإذخر ليس من الخلا ، فلا يكون داخلا فيما حرم ، وعلى هذا فإباحته تكون بناء على استصحاب الحال والاستثناء من العباس والنبي عليه السلام كان تأكيدا .

          [ ص: 213 ] وبتقدير أن يكون مستثنى حقيقة مما حرم بطريق التأسيس ، لكن من المحتمل أن يكون ذلك بوحي سابق وهو الأولى لقوله تعالى في حق رسوله : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) أما أن يكون ذلك من تلقاء نفسه من غير دليل فلا .

          وعن الخبر الثاني : أنه من الجائز أن الوحي نزل بتخييره في أمرهم بالسواك الشاق عند كل صلاة ، وعدم أمرهم بذلك لا أن أمره لهم بالسواك يكون من تلقاء نفسه ، ويجب اعتقاد ذلك لما سبق في الآية .

          وعن الخبر الثالث : أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه ، بمعنى أنه لم يأخذ صدقة الخيل والرقيق منهم ، لا بمعنى أنه المسقط لها ، ودليله ما سبق في الآية .

          وعن الخبر الرابع : أن قوله : " ولو قلت نعم لوجب " لا يدل على أن الوجوب مستند إلى قوله " نعم " من تلقاء نفسه ، بل لأنه لا يقول ما يقول إلا بوحي لما سبق في الآية .

          وعن الخامس : أنه يجوز أن يكون قد أبيح القتل وتركه بالوحي بدليل ما سبق في الآية ، وهو الجواب عن قصةالنضر بن الحارث وماعز .

          وعن الخبر الأخير : أنه إنما نهى وأباح بعد النهي بطريق الوحي لا أن ذلك من تلقاء نفسه .

          وعن الإجماع : أما إضافة الخطأ إلى أنفسهم فلا يدل على أن من حكم منهم أنه حكم من غير دليل ، بل يمكن أن يكون حكمه بناء على ما ظنه دليلا ، وهو مخطئ فيه ، ولو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به لما شكوا في كونه صوابا .

          وأما رجوع آحاد الصحابة عما حكم به إلى غيره ، فإنما كان ذلك لظهور الخطأ له فيما ظنه دليلا على الحكم أولا ، وقد سوغ له الحكم به ، أما أن يكون ذلك من غير دليل فلا .

          وعن الوجه الأول من المعقول : أنه لا يلزم من التخيير في خصال الكفارة من غير اجتهاد ، جواز ذلك في الأحكام الشرعية بدليل أن العامي له أن يتخير في خصال الكفارة ، ومن قال بجواز التخيير في الأحكام الشرعية لم يقض بجوازه لغير المجتهد ، ولو وقع التساوي بين الصورتين لجاز ذلك للعامي ، وهو ممتنع بالإجماع .

          وبمثله يخرج الجواب عن الوجه الثاني .

          وعن الوجه الثالث : أنه لا يلزم من جواز [15] العمل بالأمارة مع كونها مفيدة [ ص: 214 ] للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم .

          والمعتمد في المسألة أن يقال : لو امتنع ذلك إما أن يمتنع لذاته أو لمانع من خارج ، الأول محال ; فإنا إذا قدرناه لم يلزم عنه لذاته محال في العقل [16] ، وإن كان لمانع من خارج فالأصل عدمه وعلى من يدعيه بيانه .

          فإن قيل : يمتنع ذلك ؛ لأن الباري تعالى إنما شرع الشرائع لمصالح العباد ، فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد فاختيار العبد متردد بين أن يكون مصلحة وبين أن يكون مفسدة ، فلا نأمن من اختياره للمفسدة ، وذلك خلاف ما وضعت له الشريعة .

          والجواب عن هذا الإشكال : أنه مبني على رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى ، وقد أبطلناه في موضعه [17] ، وإن سلمنا اعتبار ذلك في أفعاله تعالى ، ولكن قد أمنا في ذلك من اختيار المفسدة لقول الله : ( اختر فإنك لا تختار إلا الصواب ) .

          [18] فإن قيل : يمتنع على الشارع قول ذلك لاستحالة استمرار المكلف على اختيار الصلاح دون الفساد ، كما لا يجوز اتفاق الأفعال الكثيرة المحكمة من غير علم ، ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد لجاز مثله في حق العامي ، وليس كذلك .

          قلنا : دليل جواز ذلك من الشارع أنا لو قدرنا وروده منه لم يلزم عنه لذاته محال .

          قولهم : إنه لا يتفق اختيار الصلاح في الأفعال الكثيرة .

          قلنا : متى إذا أخبر الصادق بذلك أو إذا لم يخبر ؟ [19] الأول ممنوع ، والثاني مسلم ، وعلى هذا فلو قال للعامي مثل ذلك كان جائزا عقلا ، ثم وإن سلمنا أنه لا يتفق اختيار المصلحة في الأفعال الكثيرة ، لكن متى إذا كانت المصلحة خارجة عن الفعل المختار ، أو إذا كانت المصلحة هي نفس الفعل المختار ، الأول مسلم والثاني ممنوع .

          [ ص: 215 ] فإن قيل : فيلزم من ذلك الإباحة وإسقاط التكليف .

          قلنا : ليس كذلك بل هو إيجاب التخيير ، وإيجاب التخيير تكليف لا أنه إباحة وإسقاط للتكليف .

          فإن قيل : إنما يحسن إيجاب ما يمكن الخلو منه ، ويمتنع الخلو من الفعل والترك فلا يحسن إيجابه .

          قلنا : هذا وإن استمر في إيجاب الفعل وتركه فلا يستمر في التخيير بين الأحكام التي يتصور الخلو منها ، كالتخيير بين أن يكون الفعل محرما أو واجبا ، وذلك بأن يقال له : اختر إما التحريم وإما الوجوب ، وأيهما اخترت فلا تختر إلا ما المصلحة فيه .

          ولا يخفى جواز الخلو منهما بالإباحة ، وإن سلمنا أن المصلحة خارجة عن نفس الفعل المختار ، وأنه يمتنع اختيار المصلحة في الأفعال الكثيرة ، ولكن ما المانع من ذلك في الأفعال القليلة ؟

          فإن قيل : إنه إما أن يكون قد أوجب عليه اختيار ما المصلحة فيه أو خيره بين المصلحة والمفسدة ، فإن كان الأول فقد كلفه ما لا يطاق ; حيث أوجب عليه اختيار المصلحة من غير دليل ، وإن كان الثاني فهو محال على الشارع ; لما فيه من الإذن منه في فعل المفسدة ، وهو خارج عن العدل .

          قلنا : إن أوجب عليه اختيار المصلحة وإن كان تكليفا بما لا يطاق ، فهو جائز على ما سبق تقريره ، وإن خيره بين أمرين فلا يمتنع ذلك ، كما أنه يوجب عليه الحكم بما أوجبه ظنه من الأمارة الظنية ، وإن كان مخطئا مرتكبا للمفسدة كما تقرر قبل ، وإذا جاز إيجاب فعل ما هو مفسدة مع عدم علم المكلف به جاز التخيير بين المصلحة والمفسدة مع عدم علم المكلف بذلك .

          [20]

          التالي السابق


          الخدمات العلمية