الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقيل : إنه وقع الحريق في السوق فقيل للسري احترق السوق وما احترق دكانك فقال : الحمد لله . ثم قال : كيف قلت الحمد لله على سلامتي : دون المسلمين فتاب من التجارة وترك الحانوت بقية عمره توبة واستغفارا من قوله الحمد لله .

فإذا تأملت هذه الحكايات عرفت قطعا أن الرضا بما يخالف الهوى ليس مستحيلا ، بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدين .

ومهما كان ذلك ممكنا في حب الخلق وحظوظهم كان ممكنا في حق حب الله تعالى وحظوظ الآخرة قطعا .

وإمكانه من وجهين ؛ أحدهما : الرضا بالألم لما يتوقع من الثواب الموجود ؛ كالرضا بالفصد والحجامة وشرب الدواء انتظارا للشفاء .

والثاني : الرضا به لا لحظ وراءه ، بل لكونه مراد المحبوب ورضا له ، فقد يغلب الحب بحيث ينغمر مراد المحب في مراد المحبوب ، فيكون ألذ الأشياء عنده سرور قلب محبوبه ورضاه ، ونفوذ إرادته ولو في هلاك روحه ، كما قيل .


فما لجرح إذا أرضاكم ألم وهذا ممكن مع الإحساس بالألم

وقد يستولي الحب بحيث يدهش عن إدراك الألم ؛ فالقياس والتجربة والمشاهدة .

دالة على وجوده ، فلا ينبغي أن ينكره من فقده من نفسه ؛ لأنه إنما فقده لفقد سببه ، وهو فرط حبه ، ومن لم يذق طعم الحب لم يعرف عجائبه فللمحبين عجائب أعظم مما وصفناه .

وقد روي عن عمرو بن الحارث الرافعي قال : كنت في مجلس بالرقة عند صديق لي ، وكان معنا فتى يتعشق جارية مغنية ، وكانت معنا في المجلس ، فضربت بالقضيب وغنت .


علامة ذل الهوى     على العاشقين البكا
ولا سيما عاشق     إذا لم يجد مشتكى

فقال لها الفتى : أحسنت والله يا سيدتي ، أفتأذنين لي أن أموت ؟ فقالت : مت راشدا . قال : فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه فحركناه ، فإذا هو ميت .

وقال الجنيد رأيت رجلا متعلقا بكم صبي وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة ، فالتفت إليه الصبي وقال له : إلى متى ذا النفاق الذي تظهر لي ؟ فقال قد علم الله أني صادق فيما أورده حتى لو قلت لي مت لمت . فقال : إن كنت صادقا فمت . قال : فتنحى الرجل وغمض عينيه فوجد ميتا . وقال سمنون المحب كان في جيراننا رجل وله جارية يحبها غاية الحب ، فاعتلت الجارية ، فجلس الرجل ليصلح لها حيسا فبينا هو يحرك القدر ؛ إذ قالت الجارية : آه . قال : فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده ، وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى سقطت أصابعه فقالت الجارية : ما هذا ؟ قال : هذا مكان قولك آه .

وحكي . عن محمد بن عبد الله البغدادي قال : رأيت بالبصرة شابا على سطح مرتفع ، وقد أشرف على الناس ، وهو يقول :


من مات عشقا فليمت هكذا     لا خير في عشق بلا موت

ثم رمى بنفسه إلى الأرض فحملوه ميتا .

فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق ، والتصديق به في حب الخالق أولى ؛ لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر ، وجمال الحضرة الربانية أوفى من كل جمال ، بل كل جمال في العالم فهو حسنة من حسنات ذلك الجمال .

نعم الذي فقد البصر ينكر جمال الصور ، والذي فقد السمع ينكر لذة الألحان والنغمات الموزونة ، فالذي فقد القلب لا بد وأن ينكر أيضا هذه اللذات التي لا مظنة لها سوى القلب .

التالي السابق


(وقيل: إنه وقع الحريق في السوق) ببغداد (فقيل للسري) السقطي رحمه الله تعالى، وكان له دكان في ذلك السوق يتجر فيه فخرج في قطع من الليل فاستقبله قوم، فقالوا: يا أبا الحسن (احترق السوق) واحترقت دكاكين الناس (وما احترق دكانك) وسلم (فقال: الحمد لله. ثم) تفكر و (قال: كيف قلت الحمد لله على سلامتي) أي: سلامة مالي (دون المسلمين) ؛ لأنها كلمة رضا ظهرت منه في مكان الاسترجاع للمصيبة (فتاب من التجارة) وتصدق بجميع ما في دكانه من السفط والآلة (وترك الحانوت بقية عمره توبة) إلى الله وكفارة (واستغفارا من قوله الحمد لله) فشكر الله فعله فزهده في الدنيا ورفعه إلى مقام المحبة، فأوصله بذلك الرضا إلى الرضا. قال صاحب القوت: وبلغني أنه كان يقول: قلت كلمة فأنا أستغفر الله تعالى منها منذ ثلاثين سنة، يعني قوله: الحمد لله. وفي الخبر: من لم يهتم بأمر المسلمين فليس من المسلمين. (فإذا تأملت هذه الحكايات عرفت قطعا أن الرضا بما يخالف الهوى ليس مستحيلا، بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدين، ومهما كان ذلك ممكنا في حب الخلق وحظوظهم كان ممكنا في حق حب الله تعالى وحظوظ الآخرة قطعا، وإمكانه من وجهين؛ أحدهما: الرضا بالألم لما يتوقع من الثواب الموجود؛ كالرضا بالقصد والحجامة وشرب الدواء انتظارا للشفاء) والراحة. (والثاني: الرضا به لا لحظ وراءه، بل لكونه مراد المحبوب ورضا له، فقد يغلب الحب بحيث ينغمر مراد الحب في مراد المحبوب، فيكون ألذ الأشياء عنده سرور قلب محبوبه ورضاه، ونفوذ إرادته ولو في هلاك روحه، كما قيل

فما الجرح إذا أرضاكم ألم وهذا ممكن مع الإحساس بالألم )

الحاصل في الحال (وقد يستولي الحب بحيث يدهش عن إدراك الآلام؛ فالقياس والتجربة والمشاهدة دالة على وجوده، فلا ينبغي أن ينكره من فقده من نفسه؛ لأنه إنما فقده لفقد سببه، وهو فرط حبه، ومن لم يذق طعم الحب لم يعرف عجائبه) ، كما قيل:

ولو يذوق عاذلي صبابتي صبا معي لكنه ما ذاقها

(فللمحب عجائب أعظم مما وصفناه، وقد روي عن عمرو بن الحارث الرافقي) منسوب إلى الرافقة، مدينة جانب الرقة بناها المنصور، وأتمها المهدي، ونزلها الرشيد، وهي الآن تعرف بالرقة (قال: كنت في مجلس بالرقة عند صديق لي، وكان معي فتى يتعشق جارية مغنية، وكانت معنا في المجلس، فضربت بالقضيب) إلى العود (وغنت) البيتين (

علامة ذل الهوى على العاشقين البكا
ولا سيما عاشق إذا لم يجد مشتكى



فقال لها الفتى: أحسنت والله يا سيدتي، أفتأذنين لي أن أموت؟ فقالت: مت راشدا. قال: فوضع رأسه على الوسادة وأطبق فمه وغمض عينيه فحركناه، فإذا هو ميت) .

وأخرج أبو محمد السراج في مصارع العشاق من طريق أبي الطيب محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الصوفي قال: رأيت ببغداد صوفيا حضر عند جارية بالكرخ تقول بالقضيب: [ ص: 663 ]

يا بديع الدل والغنج لك سلطان على المهج
إن بيتا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج
وجهك المعشوق حجتنا يوم تأتي الناس بالحج

فتواجد وصاح ودق صدره إلى أن أغمي عليه فسقط، فلما انقضى المجلس حركوه فوجدوه ميتا، وذلك في سنة 390. وحدث العتبي عن أبيه عن رجل عن هشام بن عروة عن أبيه عن النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري -رضي الله عنه- قال: وليت صدقات بني عذرة، قال: فدفعت إلى فتى تحت ثوب فكشفت عنه، فإذا رجل لم يبق منه إلا رأسه، فقلت: ما بك؟ فقال:

كأن قطاة علقت بجناحها على كبدي من شدة الخفقان
جعلت لعراف اليمامة حكمه وعراف نجد إن هما شفياني

ثم تنفس حتى ملأ منه الثوب الذي كان فيه ثم خمد، فإذا هو قد مات، فأصلح من شأنه وصليت عليه، فقيل لي: أتدري من هذا؟ هذا عروة بن حرام. (وقال الجنيد) -قدس سره- (رأيت رجلا متعلقا بكم صبي وهو) ، أي: الرجل (يتضرع إليه) ويتذلل له (ويظهر له المحبة، فالتفت إليه الصبي وقال: إلى متى ذا النفاق الذي تظهر؟ فقال) الرجل: (قد علم الله أني صادق فيما أورده) من المحبة (حتى لو قلت لي مت) يا فلان (لمت. فقال: إن كنت صادقا) فيما تقول (فمت. قال: فتنحى الرجل وغمض عينيه فوجد ميتا. وقال سمنون) بن حمزة البغدادي (المحب) -رحمه الله تعالى-: (كان في جيرتنا رجل وله جارية يحبها غاية الحب، فاعتلت الجارية، أي مرضت، فجلس الرجل ليصلح لها هريسا) ، وهو تمر نواة ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن، ثم يدلك باليد حتى يبقي الكثر يدور ربما جعل معه السويق (فبينا هو يحرك القدر؛ إذ قالت الجارية: آه. قال: فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى تساقطت أصابعه) ولم يحس بها (فقالت الجارية: ما هذا؟ قال: هذا موضع قولك آه. وحكي عن) أبي جعفر (محمد بن عبد الله) بن المبارك المخرمي (البغدادي) ثقة حافظ، مات سنة بضع وخمسين، روى له البخاري وأبو داود والنسائي (قال: رأيت بالبصرة شابا على سطح مرتفع، وقد أشرف على الناس، وهو يقول:

من مات عشقا فليمت هكذا لا خير في عشق بلا موت

ثم رمى بنفسه إلى الأرض فحملوه ميتا) ولفظ القشيري في الرسالة، وقيل: إن شابا أشرف على الناس في يوم عيد، وقال: من مات عشقا ... إلخ. وألقى نفسه من سطح عال فرفع ميتا. (فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق، والتصديق به في حب الخالق أقوى؛ لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر، وجمال الحضرة الربانية أوفى من كل جمال، بل كل جمال في العالم فهو حسنة من حسنات ذلك الجمال، نعم الذي فقد البصر ينكر جمال الصور، والذي فقد السمع ينكر لذة الحنان والنغمات الموزونة، فالذي فقد القلب لا بد وأن ينكر أيضا هذه اللذات التي لا مظنة لها سوى القلب) ، والله الموفق .




الخدمات العلمية