الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 6472 ص: وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ، قَالَ: ثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بِهَا شَرَابَيْنِ يُصْنَعَانِ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، ، وَالْآخَرُ يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ، ، فَمَا نَشْرَبُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اشْرَبَا، وَلَا تَسْكَرَا". 6473 حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، قَالَ: أَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَا وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، . فَقُلْنَا: إِنَّكَ بَعَثْتَنَا إِلَى أَرْضٍ كَثِيرٍ شَرَابُ أَهْلِهَا. فَقَالَ: اشْرَبَا، وَلَا تَشْرَبَا مُسْكِرًا". 6474 حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثَنَا أَسَدٌ ، قَالَ: ثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ... ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مُوسَى 5 وَمُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حِينَ سَأَلَاهُ عَنِ الْبِتْعِ: " : اشْرَبَا وَلَا تَسْكَرَا" أَوْ: "لَا تَشْرَبَا مُسْكِرًا" كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا أَنَّ حُكْمَ الْمِقْدَارِ الَّذِي يُسْكِرُ مِنْ ذَلِكَ الشَّرَابِ خِلَافُ حُكْمِ مَا لَا يُسْكَرُ مِنْهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرَ أَبُو مُوسَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ، لَا عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي كَثِيرُهَا يُسْكِرُ. وَقَدْ رَوَيْنَا حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ، ، عَنْ عَائِشَةَ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي جَوَابِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الْبِتْعِ بِقَوْلِهِ: "كُلُّ شَيْءٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ". فَإِنْ جَعْلَنَا ذَلِكَ عَلَى قَلِيلِ الشَّرَابِ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ ضَادَّ جَوَابَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ عَلَى تَحْرِيمِ السُّكْرِ خَاصَّةً لَا عَلَى تَحْرِيمِ الشَّرَابِ فِي عَيْنِهِ وَافَقَ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى. . وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا حَمْلُ الْآثَارِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَتَضَادُّ إِذَا حُمِلَتْ عَلَيْهَا. شرح معاني الآثار ش: أَيْ قَدْ رُوِيَ أَيْضًا - فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" هُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يُسْكِرُ- عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، فَإِنَّهُ هُوَ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا سَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنِ الْبِتْعِ قَالَ لَهُمَا: "اشْرَبَا وَلَا تَسْكَرَا" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "اشْرَبَا، وَلَا تَشْرَبَا مُسْكِرًا" فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ هُوَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يُسْكِرُ لَا مُطْلَقُ الشَّرَابِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمَا الشُّرْبَ مِنَ الْبِتْعِ وَنَحْوِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِسْكَارِ، وَدَلَّ أَيْضًا أَنَّ مَا رَوَى أَبُو مُوسَى [عَنِ النَّبِيِّ] -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ قَوْلِهِ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" عَلَى مَا مَضَى ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُسْكِرُ لَا مُطْلَقُ الشَّرَابِ، فَلَوْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَلْزَمُ التَّضَادُّ بَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِيهِ جَوَابُ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الْبِتْعِ بِقَوْلِهِ: "كُلُّ شَيْءٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى هَذَا، يَظْهَرُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ، وَالْأَوْلَى -بَلِ الْأَوْجَبُ- تَنْزِيلُ مَعَانِي الْآثَارِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَتَضَادُّ إِذَا حُمِلَتْ عَلَيْهَا. وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ تَتَّفِقُ مَعَانِي الْآثَارِ، وَيُطَابِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا. ثُمَّ إِنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ: الْأَوَّلُ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ نُوحٍ الْمِصْرِيِّ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ الْبَغْدَادِيِّ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَامِرِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ . وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي "الْمُحَلَّى" ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقٍ شَرِيكٍ ، وَشَرِيكٌ مُدَلِّسٌ وَضَعِيفٌ فَسَقَطَ. وَقَدْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ بِخِلَافِ هَذَا كَمَا رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، كُلِّهِمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ، أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلَاةِ"، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ، لَا رِوَايَةُ كُلِّ ضَعِيفٍ وَمُدَلِّسٍ وَكَذَّابٍ وَمَجْهُولٍ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ يَعْنِي: "وَلَا تَسْكَرْ" إِنَّمَا رَوَاهَا شَرِيكٌ وَحْدَهُ، وَالَّذِي رَوَى غَيْرُهُ: "وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا". قُلْتُ: قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: شَرِيكٌ صَدُوقٌ ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا خَالَفَ فَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا. وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، كَانَ حَسَنَ الْحَدِيثِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: صَدُوقٌ ثِقَةٌ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ الْقَاضِي الْحَافِظُ الصَّادِقُ، أَحَدُ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: شَرِيكٌ أَعْلَمُ بِحَدِيثِ الْكُوفِيِّينَ مِنْ سُفْيَانَ، وَاحْتَجَّتْ بِهِ الْأَرْبَعَةُ. فَهَذَا يَرُدُّ كَلَامَ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ. الثَّانِي: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ بَكَّارٍ الْقَاضِي ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرٍو السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَامِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَا وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى أَرْضٍ كَثِيرٍ شَرَابُ أَهْلِهَا، فَمَا أَشْرَبُ؟ قَالَ: اشْرَبْ، وَلَا تَشْرَبْ مُسْكِرًا". الثَّالِثُ: عَنْ رَبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنِ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ الْأَغَرِّ الرَّقَاشِيِّ الْكُوفِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ...إِلَى آخِرِهِ. وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا. فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا إِلَى أَرْضٍ كَثِيرَةِ الْأَشْرِبَةِ، فَمَا نَشْرَبُ؟ قَالَ: اشْرَبُوا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا".

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية