الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                7375 ص: فإن احتج أهل المقالة الثانية لمذهبهم، فقالوا: معنا الآثار المتصلة شاهدة لقولنا، وليس ذلك مع مخالفنا، قيل لهم: أما على مذهبكم فأكثرها لا تجب لكم به حجة على مخالفكم؛ لأنه لو احتج عليكم بمثل ذلك لم تسوغوه إياه، ولجعلتموه باحتجاجه بذلك عليكم جاهلا بالحديث، فمن ذلك أن حديث ثمامة بن عبد الله إنما وصله عبد الله بن المثنى وحده، لا نعلم أحدا وصله غيره، وأنتم لا تجعلون عبد الله بن المثنى حجة، ثم قد جاء حماد بن سلمة ، وقدره عند أهل العلم أجل من قدر عبد الله بن المثنى ، وهو ممن يحتج به فروى هذا الحديث عن ثمامة منقطعا، فكان يجيء على أصولكم أن يكون هذا الحديث يجب أن يدخل في معنى المنقطع ويخرج من معنى المتصل، لأنكم تذهبون إلى أن زيادة غير الحافظ على الحافظ غير ملتفت إليها.

                                                وأما حديث الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، فإنما رواه عن الزهري سليمان بن داود . وقد سمعت أن أبي يقول: سليمان بن داود هذا وسليمان بن داود الحراني عندهم ضعيفان جميعا، وسليمان بن داود الذي يروي عن عمر بن عبد العزيز عندي ثبت، ومما يدل على وهاء هذا الحديث: أن أصحاب الزهري المأخوذ علما عنهم مثل يونس وممن روى عن الزهري في ذلك شيئا إنما روى عنه الصحيفة التي عند آل عمر - رضي الله عنه - أفترى الزهري يكون عنده فرائض الإبل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ، عن أبيه، عن جده وهم جميعا أئمة علم مأخوذ عنهم، فيسكت عن ذلك ويضطره إلى الرجوع إلى صحيفة غير مروية فيحدث الناس بها، هذا عندنا مما لا يجوز على مثله.

                                                [ ص: 569 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 569 ] ش: أهل المقالة الثانية هم: الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق، فإنهم قالوا: نحن استدللنا فيما ذهبنا إليه بالأحاديث المتصلة، وأنتم معكم آثار منقطعة، فأجاب عنه الطحاوي بقوله: "قيل لهم...إلى آخره"، وهو ظاهر.

                                                قال البيهقي معترضا عليه في كتابه "المعرفة": هذا حديث صحيح موصول؛ إلا أن بعض الرواة قصر به فرواه كذلك -يعني مسندا- أبي داود، ثم إن بعض من يدعي معرفة الآثار يعلق عليه، وقال: هذا منقطع، وأنتم لا تثبتون المنقطع، وإنما وصله عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس، وأنتم لا تجعلون ابن المثنى حجة، ولم يعلم أن يونس بن محمد المؤدب قد رواه عن حماد بن سلمة ، عن ثمامة ، عن أنس بن مالك، وقد أخرجناه في كتاب "السنن" وكذلك سريج بن النعمان ، عن حماد بن سلمة به، ورواه إسحاق بن راهويه وهو إمام عن النضر بن شميل وهو أتقن أصحاب حماد، قال: ولا نعلم أحدا استقصى في انتقاد الرواة واستقصاء محمد بن إسماعيل البخاري مع إمامته في معرفة علل الأحاديث وأسانيدها وهو قد اعتمد على حديث ابن المثنى وأخرجه في "صحيحه" وذلك لكثرة الشواهد له بالصحة.

                                                قلت: فيا للعجب من البيهقي حيث جعل العمدة في كلامه على حماد بن سلمة وقال في "سننه" في باب "من صلى وفي ثوبه أو نعله أذى": حماد بن سلمة ، عن أبي نعامة السعدي ، عن أبي نضرة، كل منهم مختلف في عدالته، وأما عبد الله بن المثنى فقد قال الساجي فيه: ضعيف منكر الحديث. وقال أبو داود: لا أخرج حديثه. وقال ابن الجوزي في كتابه "الضعفاء": أبو سلمة كان ضعيفا في الحديث.

                                                ثم البيهقي كيف يقول: وروينا الحديث من حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس ، عن أنس من أوجه صحيحة، وقد قال الدارقطني في كتاب "التتبع على [ ص: 570 ] الصحيحين": إن ثمامة لم يسمعه من أنس ولا سمعه عبد الله بن المثنى من ثمامة؟ وفي "الأطراف" للمقدسي: قيل لابن معين: حديث ثمامة عن أنس في الصدقات؟ قال: لا يصح، وليس بشيء، ولا يصح في هذا حديث في الصدقات.

                                                قوله: "وأما حديث الزهري ، عن أبي بكر ... إلى آخره" إشارة إلى أن هذا الحديث الذي يرويه سليمان بن داود الخولاني عن الزهري غير صحيح، وقد بين علته.

                                                فإن قلت: قال البيهقي: أثنى على سليمان الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان الدارمي وجماعة من الحفاظ، ورأوا هذا الحديث موصول الإسناد حسنا.

                                                قلت: قال عبد الغني: قال الدارقطني: قد روي عنه -يعني سليمان- عن الزهري ، عن أبي بكر بن حزم الحديث الطويل، لا يثبت عنه. وقال ابن المديني: منكر الحديث وضعفه. وقال ابن خزيمة: لا يحتج بحديثه إذا انفرد.

                                                وروى النسائي هذا الحديث: من حديث يحيى بن حمزة ، عن سليمان بن داود ، عن الزهري .

                                                ثم رواه من حديث يحيى ، عن سليمان بن أرقم ، عن الزهري، ثم قال: وهذا أشبه بالصواب.

                                                وسليمان بن أرقم متروك الحديث. وقال ابن معين: سليمان الخولاني لا يعرف، والحديث لا يصح. وقال مرة: ليس بشيء. ومرة: شامي ضعيف. وقال ابن حنبل: ليس بشيء.

                                                وفي "التمهيد" لابن عبد البر: قال أحمد بن زهير: سمعت ابن معين يقول: سليمان بن داود الذي يروي عن الزهري حديث الصدقات والديات مجهول لا يعرف.

                                                قوله: "وقد سمعت ابن أبي داود" وهو إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وقد ذكر هاهنا ثلاث أنفس اسم كل واحد سليمان واسم أبيه داود: [ ص: 571 ] الأول: سليمان بن داود الخولاني الدمشقي، وقد سمعت الآن ما قالوا فيه وفي حديثه.

                                                والثاني: سليمان بن داود الحراني الملقب: ثومة، يروي عن الزهري، قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يحتج به.

                                                الثالث: سليمان بن داود الذي روى عن عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت.

                                                قوله: "وما يدل على وهاء هذا الحديث" أي على سقوطه وذهابه.




                                                الخدمات العلمية