الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 6478 ص: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ ، قَالَ: " سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْخَمْرِ الْأَبْيَضِ وَالْخَمْرِ الْأَحْمَرِ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنْ ذَلِكَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ ، وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ ، وَلَا فِي النَّقِيرِ، ، وَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنِ اشْتَدَّ فِي الْأَسْقِيَةِ؟ فَقَالَ: صُبُّوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ. وَقَالَ لَهُمْ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: فَأَهْرِيقُوهُ". 6479 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، قَالَ: أَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجَرِّ...." ، فَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا نَبِيذَ الْأَسْقِيَةِ وَإِنِ اشْتَدَّ. شرح معاني الآثار ش: أَيْ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شُرْبَ الْقَلِيلِ مِنَ الشَّدِيدِ مُبَاحٌ؛ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَبَاحَ الشُّرْبَ مِنْ نَبِيذِ الْأَسْقِيَةِ وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" هُوَ الْمِقْدَارُ الْمُسْكِرُ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحِيحَيْنِ. الْأَوَّلُ: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ بَكَّارٍ الْقَاضِي ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الزُّبَيْرِيِّ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ الْجَزَرِيِّ الْحَرَّانِيِّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ -بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ- التَّمِيمِيِّ النَّهْشَلِيِّ الْكُوفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ حَبْتَرٍ النَّهْشَلِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِيمَا نَشْرَبُ؟ قَالَ: لَا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ وَلَا فِي النَّقِيرِ وَلَا فِي الْمُزَفَّتِ، وَانْتَبِذُوا فِي الْأَسْقِيَةِ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِ اشْتَدَّ فِي الْأَسْقِيَةِ؟ قَالَ: فَصُبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمْ - فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-: أَهْرِيقُوهُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ -أَوْ حَرَّمَ- الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ، وَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. قَالَ سُفْيَانُ: فَسَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ بَذِيمَةَ عَنِ الْكُوبَةِ فَقَالَ: الطَّبْلُ". فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَقُولُ: وَإِسْنَادُ هَذَا صَحِيحٌ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: قَيْسُ بْنُ حَبْتَرٍ مَجْهُولٌ؟! وَلَمَّا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ" قَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَخَالَفَهُ أَبُو جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ الْكَسْرَ بِالْمَاءِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، ثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: "كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُقْعِدُنِي عَلَى سَرِيرِهِ...." فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ: "قُلْتُ: إِنَّ عَبْدَ الْقَيْسِ يَنْبِذُ فِي مَزَادٍ نَبِيذًا شَدِيدًا. قَالَ: فَإِذَا خَشِيِتَ شِدَّتَهُ فَاكْسِرْهُ بِالْمَاءِ، إِنَّ عَبْدَ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-...." الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْكَسْرَ بِالْمَاءِ فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ إِذَا خَشِيَ شِدَّتَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ إِلَى حَدِّ الْإِسْكَارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" وَالْحَرَامُ لَا يُحِلُّهُ دُخُولُ الْمَاءِ فِيهِ. قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ: قَيْسُ بْنُ حَبْتَرٍ مَجْهُولٌ فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَبَا زُرْعَةَ قَالَ فِيهِ: ثِقَةٌ كَوَفِيٌّ كَانَ يَكُونُ بِالْجَزِيرَةِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: ثِقَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. فَغَيْرٌ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ. وَأَمَّا مُخَالَفَةُ أَبِي جَمْرَةَ فَلَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ ...إِلَى آخِرِهِ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ النَّبِيذِ: عَبْدُ الْقَيْسِ، أَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ رِيفٍ، وَإِنَّا نُصِيبُ مِنَ الْبَقْلِ، فَمُرْنَا بِشَرَابٍ. قَالَ: اشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي الْجَرِّ، وَلَا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا الْمُزَفَّتِ، وَلَا النَّقِيرِ، وَإِنِّي نُهِيتُ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ -وَهِيَ الطَّبْلُ- وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِذَا اشْتَدَّ؟ قَالَ: صُبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ. قَالَ -فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ-: فَإِذَا اشْتَدَّ فَأَهْرِيقُوهُ". قَوْلُهُ: "فِي الدُّبَّاءِ" هِيَ الْقَرْعُ وَاحِدُهَا دُبَّاءَةٌ، وَوَزْنُ الدُّبَّاءِ فُعَّالٌ وَلَامَهُ هَمْزَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفِ انْقِلَابُ لَامِهِ عَنْ وَاوٍ أَوْ يَاءٍ. قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْهَرَوِيُّ فِي بَابِ "الدَّالِ مَعَ الْبَاءِ" عَلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ زَائِدَةٌ. وَأَخْرَجَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الْمُعْتَلِّ عَلَى أَنَّ هَمْزَتَهُ مُنْقَلِبَةٌ، وَكَأَنَّهُ أَشْبَهُ، وَكَانُوا يَنْتَبِذُونَ فِي الدُّبَّاءِ فَتُسْرِعُ الشِّدَّةُ فِي الشَّرَابِ. وَتَحْرِيمُ الِانْتِبَاذِ فِي الظُّرُوفِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى بَقَاءِ التَّحْرِيمِ. وَ"الْمُزَفَّتُ" هُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي طُلِيَ بِالزِّفْتِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْقَارِ. وَ"النَّقِيرُ" هُوَ أَصْلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، ثُمَّ يُنْبَذُ فِيهِ التَّمْرُ وَيُلْقَى عَلَيْهِ الْمَاءُ لِيَصِيرَ نَبِيذًا مُسْكِرًا وَالنَّهْيُ وَاقِعٌ عَلَى مَا يُعْمَلُ فِيهِ لَا عَلَى اتِّخَاذِ النَّقِيرِ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية