الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَ إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الرَّغْبَةَ ، وَاسْأَلُوا الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَلِيمٍ الصَّوَّافُ دَخَلْنَا عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْعَشِيَّةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا ، فَقُلْنَا : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ : إِلَّا أَنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ مِنْ عَفْوِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِي حِسَابٍ ، ثُمَّ مَا بَرِحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ فِي مُنَاجَاتِهِ : يَكَادُ رَجَائِي لَكَ مِنَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجَائِي إِلَيْكَ مَعَ الْأَعْمَالِ ، لِأَنِّي أَعْتَمِدُ فِي الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِخْلَاصِ ، وَكَيْفَ أُحْرِزُهَا : وَأَنَا بِالْآفَةِ مَعْرُوفٌ ، وَأَجِدُنِي فِي الذُّنُوبِ أَعْتَمِدُ عَلَى عَفْوِكَ ، وَكَيْفَ لَا تَغْفِرُهَا وَأَنْتَ بِالْجُودِ مَوْصُوفٌ وَقِيلَ : إِنْ مَجُوسِيًّا اسْتَضَافَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ : الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَضَفْتُكَ فَمَرَّ الْمَجُوسِيُّ : فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، لَمْ تُطْعِمْهُ إِلَّا بِتَغْيِيرِ دِينِهِ ، وَنَحْنُ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً نُطْعِمُهُ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَوْ أَضَفْتَهُ لَيْلَةً مَاذَا كَانَ عَلَيْكَ فَمَرَّإِبْرَاهِيمُ يَسْعَى خَلْفَ الْمَجُوسِيِّ فَرَدَّهُ ، وَأَضَافَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : مَا السَّبَبُ فِيمَا : بَدَا لَكَ ؟! فَذَكَرَ لَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : أَهَكَذَا يُعَامِلُنِي ؟! ثُمَّ قَالَ : : اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ وَرَأَى الْأُسْتَاذُ أَبُو سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيُّ أَبَا سَهْلٍ الزَّجَّاجِيَّ فِي الْمَنَامِ ، وَكَانَ يَقُولُ بِوَعِيدِ الْأَبَدِ : فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ حَالُكَ ؟ فَقَالَ : وَجَدْنَا الْأَمْرَ أَهْوَنَ مِمَّا تَوَهَّمْنَا وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَبَا سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيَّ فِي الْمَنَامِ عَلَى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ لَا تُوصَفُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أُسْتَاذُ بِمَ نِلْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : بِحُسْنِ ظَنِّي بِرَبِّي وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَأَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ ، وَإِذَا الْجَبَّارُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : أَيْنَ الْعُلَمَاءُ ؟ قَالَ : فَجَاءُوا ثُمَّ قَالَ : مَاذَا عَمِلْتُمْ فِيمَا عَلِمْتُمْ ؟ قَالَ : فَقُلْنَا يَا رَبِّ قَصَّرْنَا وَأَسَأْنَا ، قَالَ : فَأَعَادَ السُّؤَالَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْجَوَابِ وَأَرَادَ جَوَابًا غَيْرَهُ ، فَقُلْتُ : أَمَّا أَنَا فَلَيْسَ فِي صَحِيفَتِي الشِّرْكُ ، وَقَدْ وَعَدْتَ أَنْ تَغْفِرَ مَا دُونَهُ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ وَقِيلَ كَانَ رَجُلٌ شِرِّيبٌ : جَمَعَ قَوْمًا مِنْ نُدَمَائِهِ : وَدَفَعَ إِلَى غُلَامِهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنَ الْفَوَاكِهِ لِلْمَجْلِسِ : فَمَرَّ الْغُلَامُ بِبَابِ مَجْلِسِ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَهُوَ يَسْأَلُ لِفَقِيرٍ شَيْئًا ، وَيَقُولُ : مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ دَعَوْتُ لَهُ أَرْبَعَ دَعَوَاتٍ ، قَالَ : فَدَفَعَ الْغُلَامُ إِلَيْهِ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ مَنْصُورٌ : مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ لَكَ فَقَالَ : لِي سَيِّدٌ أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهُ فَدَعَا مَنْصُورٌ وَقَالَ : الْأُخْرَى قَالَ أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ دَرَاهِمِي فَدَعَا ثُمَّ قَالَ : الْأُخْرَى، قَالَ أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي فَدَعَا ثُمَّ قَالَ : الْأُخْرَى فَقَالَ : أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلِسَيِّدِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ : فَدَعَا مَنْصُورٌ فَرَجَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ : لِمَ أَبْطَأْتَ ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، قَالَ وَبِمَا دَعَا ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ لِنَفْسِي الْعِتْقَ : فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ قَالَ : وَأَيْشِ الثَّانِي : قَالَ : أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ الدَّرَاهِمَ قَالَ لَكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَأَيْشِ الثَّالِثُ ؟ قَالَ : أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، قَالَ : تُبْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : وَأَيْشِ الرَّابِعُ ؟ قَالَ : أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ : قَالَ : هَذَا الْوَاحِدُ لَيْسَ إِلَيَّ فَلَمَّا بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا كَانَ إِلَيْكَ أَفْتَرَى أَنِّي لَا أَفْعَلُ مَا إِلَيَّ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلِلْغُلَامِ وَلِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَلِلْقَوْمِ الْحَاضِرِينَ أَجْمَعِينَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ ثَلَاثَةً مِنَ الرِّجَالِ وَامْرَأَةً ، يَحْمِلُونَ جِنَازَةً ، قَالَ : فَأَخَذْتُ مَكَانَ الْمَرْأَةِ ، وَذَهَبْنَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهَا ، وَدَفَنَّا الْمَيِّتَ ، فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ : مَنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ ؟ قَالَتْ : ابْنِي ، قُلْتُ : وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ جِيرَانٌ قَالَتْ : بَلَى ، وَلَكِنْ صَغَّرُوا أَمْرَهُ قُلْتُ : وَأَيْشِ كَانَ هَذَا ؟ قَالَتْ : مُخَنَّثًا قَالَ : فَرَحِمْتُهَا وَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى مَنْزِلِي ، وَأَعْطَيْتُهَا دَرَاهِمَ ، وَحِنْطَةً ، وَثِيَابًا ، قَالَ : فَرَأَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّهُ أَتَانِي آتٍ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ ، فَجَعَلَ ، يَتَشَكَّرُنِي فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : الْمُخْنِثُ الَّذِي دَفَنْتُمُونِي الْيَوْمَ رَحِمَنِي رَبِّي بِاحْتِقَارِ النَّاسِ إِيَّايَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمَ الْأُطْرُوشَ كُنَّا قُعُودًا بِبَغْدَادَ مَعَ مَعْرُوفِ الْكَرْخِيِّ عَلَى دِجْلَةَ إِذْ مَرَّ أَحْدَاثٌ : فِي زَوْرَقٍ : يَضْرِبُونَ بِالدُّفِّ ، وَيَشْرَبُونَ وَيَلْعَبُونَ فَقَالُوا لِمَعْرُوفٍ : أَمَا تَرَاهُمْ يَعْصُونَ اللَّهَ مُجَاهِرِينَ ، ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : : إِلَهِي كَمَا فَرَّحْتَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَفَرِّحْهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : إِذَا فَرَّحَهُمْ فِي الْآخِرَةِ تَابَ عَلَيْهِمْ وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : يَا رَبِّ وَأَيُّ أَهْلِ دَهْرٍ : لَمْ يَعْصُوكَ ثُمَّ كَانَتْ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِمْ سَابِغَةً : وَرِزْقُكَ عَلَيْهِمْ دَارًّا : سُبْحَانَكَ مَا أَحْلَمَكَ ! وَعِزَّتِكَ إِنَّكَ لِتُعْصَى ثُمَّ تُسْبِغُ النِّعْمَةَ ، وَتُدِرُّ الرِّزْقَ ، حَتَّى كَأَنَّكَ يَا رَبَّنَا لَا تَغْضَبُ . إتحاف السادة المتقين (وَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الرَّغْبَةَ، وَسَلُوا الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ) قَالَ الْعِرَاقِيَّ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ وَلْيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ. وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، انْتَهَى . قُلْتُ: وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَمِنِ الرَّجَاءِ افْتِعَالُ الطَّاعَاتِ، وَحُسْنُ الْمُوَافَقَاتِ، يَنْوِي بِهَا وَيَسْأَلُ مَوْلَاهُ الْكَرِيمَ، عَظِيمَ الرَّغَائِبِ، وَجَلِيلَ الْمَوَاهِبِ، لِمَا وَهَبَ لَهُ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ تَعَالَى فَأَعْظِمُوا الرَّغْبَةَ، وَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: فَأَكْثِرُوا وَسَلُوا الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فَإِنَّمَا تَسْأَلُونَ جَوَادًا كَرِيمًا. اهـ. أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالشَّيْخَانِ وَالنِّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّ اللَّهَ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَاظَمُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ: إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ تَعَالَى فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ سِرُّ الْجَنَّةِ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: إِذَا سَأَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيُكْثِرْ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ رَبَّهُ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَتُعُقِّبَ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: سَلُوا اللَّهَ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهَا سُرَّةُ الْجَنَّةِ... الْحَدِيثَ . (وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَلِيمٍ الصَّوَّافُ) أَبُو سُلَيْمَانَ الطَّائِفِيُّ، سَكَنَ الْمَدِينَةَ، مَقْبُولٌ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَابْنُ مَاجَهْ (دَخَلْنَا عَلَى) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) الْإِمَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِي الْغَشْيَةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ) أَيْ: مِمَّا رَأَيْتُ الْآنَ مِنْ إِكْرَامِ اللَّهِ لِي، وَمِنْ صُوَرِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُعَالِجُونَ الرُّوحَ، بِحَيْثُ عَجِزْتُ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْهُ بِلِسَانِي (إِلَّا أَنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ مِنْ عَفْوِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِي حِسَابٍ، ثُمَّ مَا بَرِحْنَا) مِنْ مَكَانِنَا (حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ) . هَكَذَا هُوَ فِي الْقُوتِ، وَهُوَ فِي كِتَابِ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ فَقَالَ: وَسَمِعْتُهُ، يَعْنِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ صَفْوَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَلِيمٍ الصَّوَّافِ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَسَاقَهُ . (وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ) الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (فِي مُنَاجَاتِهِ: يَكَادُ رَجَائِي لَكَ مَعَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجَائِي إِيَّاكَ مَعَ الْأَعْمَالِ، لِأَنِّي أَعْبُدُ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ، وَلَفْظُ الرِّسَالَةِ: لِأَنِّي أَجِدُنِي أَعْتَمِدُ (فِي الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَكَيْفَ أُحْرِزُهَا) أَيْ: أَحْفَظُهَا مِنَ الْآفَةِ (وَأَنَا بِالْآفَةِ) مِنَ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَغَيْرِهَا (مَعْرُوفٌ، وَأَجِدُنِي فِي الذُّنُوبِ أَعْتَمِدُ عَلَى عَفْوِكَ، وَكَيْفَ لَا تَغْفِرُهَا وَأَنْتَ بِالْجُودِ مَوْصُوفٌ) . هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ. (وَقِيلَ: إِنْ مَجُوسِيًّا اسْتَضَافَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَيْ: طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُضِيفَهُ (فَقَالَ) لَهُ: إِنْ (أَسْلَمْتَ اسْتَضَفْتُكَ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَالْأَوْلَى: أَضَفْتُكَ، كَمَا هُوَ نَصُّ الرِّسَالَةِ (فَمَرَّ الْمَجُوسِيُّ) أَيْ: جَاوَزَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: إِذَا أَسْلَمْتُ أَيُّ مِنَّةٍ تَكُونُ لَكَ عَلَيَّ؟! (فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ، لَمْ تُطْعِمْهُ إِلَّا بِتَغْيِيرِ دِينِهِ، وَنَحْنُ) مِنْ مُنْذُ (سَبْعِينَ سَنَةً نُطْعِمُهُ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَوْ أَضَفْتَهُ لَيْلَةً مَاذَا كَانَ عَلَيْكَ) مِنَ الْحَرَجِ؟! (فَمَرَّ إِبْرَاهِيمُ) عَلَيْهِ السَّلَامُ (يَسْعَى خَلْفَ الْمَجُوسِيِّ فَرَدَّهُ، وَأَضَافَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ: مَا السَّبَبُ فِيمَا) أَيْ: فِي الَّذِي (بَدَا لَكَ؟! فَذَكَرَ لَهُ) ذَلِكَ (فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ: أَهَكَذَا يُعَامِلُنِي؟!) وَفِي رِوَايَةٍ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبٌّ يُعَاتِبُ نَبِيَّهُ فِي عَدُوِّهِ (ثُمَّ قَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ) فَعَرَضَهُ عَلَيْهِ (فَأَسْلَمَ) . وَجْهٌ تَعَلَّقَ هَذَا بِالرَّجَاءِ أَنَّهُ تَعَالَى يَجْعَلُ الْأَسْبَابَ الضَّعِيفَةَ مُوصِلَةً لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، فَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِمَحْبُوبِهِ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الدُّنْيَا لَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ حَيْثُ بَسَطَهَا لِأَعْدَائِهِ، وَبَسَطَ رَحْمَتَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ تَعُمُّ الْكَافِرَ وَالْمُسْلِمَ، بِخِلَافِ الْأُخْرَوِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ، وَلَمَّا رَأَى الْمَجُوسِيُّ فَضْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي مُعَاتَبَتِهِ نَبِيَّهُ لِأَجْلِ عَدُوِّهِ، وَشُكْرِ ذَلِكَ، جَازَاهُ بِتَوْفِيقِهِ الْإِسْلَامَ . (وَ) قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: (رَأَى الْأُسْتَاذُ أَبُو سَهْلٍ) مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ هَارُونَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْعِجْلِيُّ (الصَّعْلُوكِيُّ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (النَّيْسَابُورِيُّ) إِمَامُ الشَّافِعِيَّةِ فِي عَصْرِهِ، تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ بِنَيْسَابُورَ، وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَعَنْهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَسْرُورٍ، وَالزَّاهِدُ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 396 عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِنَيْسَابُورَ (أَبَا سَهْلٍ الزَّجَّاجِيَّ فِي الْمَنَامِ، وَكَانَ يَقُولُ بِوَعِيدِ الْأَبَدِ) أَيْ: يَعْتَقِدُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَوَعَّدَ عَلَى مَعْصِيَةٍ بِعِقَابٍ فَلَابُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْهُ عَنْ شَرْطِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَغْفِرُهُ إِذَا شَاءَ كَمَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، (فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ حَالُكَ؟ فَقَالَ: وَجَدْنَا الْأَمْرَ أَهْوَنَ) وَفِي رِوَايَةٍ: أَسْهَلَ (مِمَّا تَوَهَّمْنَا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ غَفَرَ لَهُ اعْتِقَادَهُ الْمَذْكُورَ لِغَفْلَتِهِ عَنْ شَرْطِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَابَ عَنِ اعْتِقَادِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الرَّائِي حَالَهُ، فَلَمَّا رَآهُ فِي الْمَنَامِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ أَخْبَرَهُ بِمَا ذُكِرَ. (وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَبَا سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيَّ فِي الْمَنَامِ) وَلَفْظُ الرِّسَالَةِ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَشْكِيبٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَبَا سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيَّ فِي الْمَنَامِ (عَلَى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ لَا تُوصَفُ، فَقَالَ لَهُ: بِمَ نِلْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: بِحُسْنِ ظَنِّي بِرَبِّي بِحُسْنِ ظَنِّي بِرَبِّي) مَرَّتَيْنِ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي كِتَابِ الرَّجَاءِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ . (وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ) أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ (بْنِ سُرَيْجٍ) بِسِينٍ مَضْمُومَةٍ، وَآخِرُهُ جِيمٌ، الْبَغْدَادِيَّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ (رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَأَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وَإِذَا الْجَبَّارُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: أَيْنَ الْعُلَمَاءُ؟ قَالَ: فَجَاءُوا، ثُمَّ قَالَ: مَاذَا عَمِلْتُمْ فِيمَا عَلِمْتُمْ؟ قَالَ: فَقُلْنَا يَارَبِّ قَصَّرْنَا وَأَسَأْنَا، قَالَ: فَأَعَادَ السُّؤَالَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْجَوَابِ وَأَرَادَ جَوَابًا غَيْرَهُ، فَقُلْتُ: أَمَّا أَنَا فَلَيْسَ فِي صَحِيفَتِي الشِّرْكُ، وَقَدْ وَعَدْتَ أَنْ تَغْفِرَ مَا دُونَهُ) وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ) . حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْغُفْرَان لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ كَالْآيَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا، وَهِيَ بُشْرَى عَظِيمَةٌ لِابْنِ سُرَيْجٍ، وَهُوَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، وَقَدِ اعْتَرَفَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بِالتَّقْصِيرِ، وَمَنِ اعْتَرَفَ بِتَقْصِيرِهِ رَجَا الْمَغْفِرَةَ . (وَقِيلَ كَانَ رَجُلٌ شِرِّيبٌ) أَيْ: كَثِيرُ الشُّرْبِ لِلْخَمْرِ (جَمَعَ قَوْمًا مِنْ نُدَمَائِهِ) أَيْ: جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُنَادِمُونَهُ فِي الشُّرْبِ (وَدَفَعَ إِلَى غُلَامِهِ) وَكَانَ صَالِحًا يَنْكَرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ (أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ) بِهَا (شَيْئًا مِنَ الْفَوَاكِهِ لِلْمَجْلِسِ) أَيْ: لِأَهْلِ مَجْلِسِهِ (فَمَرَّ الْغُلَامُ بِبَابِ مَجْلِسِ) الشَّيْخِ أَبِي السَّرِيِّ (مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ) الْوَاعِظِ، أَصْلُهُ مِنْ مَرْوٍ، وَأَقَامَ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ مِنَ الْمُذَكِّرِينَ، تَرْجَمَهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ (وَهُوَ يَسْأَلُ لِفَقِيرٍ شَيْئًا، وَيَقُولُ: مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ دَعَوْتُ لَهُ أَرْبَعَ دَعَوَاتٍ، قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْغُلَامُ الدَّرَاهِمَ) لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا أَوْلَى مِمَّا أَمَرَ بِهِ سَيِّدُهُ، وَهَانَ عَلَيْهِ مَشَقَّةُ الضَّرْبِ وَالْأَلَمِ مِنْ سَيِّدِهِ، حَتَّى لَا يَقَعَ فِي هَذَا الْمُنْكَرِ الشَّدِيدِ، وَظَنَّ مَنْصُورٌ أَنَّهُ مَالِكُ الدَّرَاهِمِ (فَقَالَ) لَهُ (مَنْصُورٌ: مَا الَّذِي تُرِيدُ) مِنِّي (أَنْ أَدْعُوَ لَكَ) بِهِ؟ (فَقَالَ: لِي سَيِّدٌ أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهُ) بِالْعِتْقِ لِأَخْلُصَ مِمَّا يُدْخِلُنِي فِيهِ مِمَّا لَا أُحِبُّهُ، (فَدَعَا) لَهُ (مَنْصُورٌ) بِذَلِكَ (وَقَالَ: مَا) الدُّعَاءُ (الْآخَرُ، فَقَالَ: أَنْ يُخْلِفَ) اللَّهُ (عَلَيَّ دَرَاهِمِي) الَّتِي دَفَعْتُهَا لِلْفَقِيرِ وَأَرُدَّهَا إِلَى سَيِّدِي، وَأَقُولَ: لَا أَعْصِي مَا أَمَرْتَنِي بِهِ، (فَدَعَا) لَهُ بِذَلِكَ (ثُمَّ قَالَ) لَهُ: (مَا) الدُّعَاءُ (الْآخَرُ؟ فَقَالَ: أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي) بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلتَّوْبَةِ مِمَّا هُوَ مُرْتَكِبُهُ لِأَسْتَرِيحَ مِنْ ضَرَرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، (فَدَعَا) بِذَلِكَ، (ثُمَّ قَالَ: وَمَا الْآخَرُ؟ فَقَالَ: أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلِسَيِّدِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ) أَيْ: جُلَسَائِهِ (فَدَعَا مَنْصُورٌ) بِذَلِكَ. (فَرَجَعَ الْغُلَامُ) إِلَى سَيِّدِهِ (فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: لِمَ أَبْطَأْتَ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ) فَأَثَّرَ فِيهِ صِدْقُهُ، وَاسْتَحْسَنَ فِعْلَهُ (فَقَالَ: وَبِمَا دَعَا؟ قَالَ: سَأَلْتُ لِنَفْسِي الْعِتْقَ) فَدَعَا لِي بِهِ (قَالَ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ) لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، (قَالَ: وَأَيْشِ) الْمَدْعُوُّ بِهِ (الثَّانِي) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ (قَالَ: أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ الدَّرَاهِمَ) لِأَرُدَّهَا لَكَ (قَالَ لَكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، قَالَ: وَأَيْشِ الثَّالِثُ؟ قَالَ: أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: وَأَيْشِ الرَّابِعُ؟ قَالَ: أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ وَلِلْمُذَكِّرِ) أَيْ: الْوَاعِظُ وَهُوَ مَنْصُورٌ (قَالَ: هَذَا الْوَاحِدُ لَيْسَ إِلَيَّ) بَلْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (فَلَمَّا بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ) لَهُ: (أَنْتَ فَعَلْتَ مَا كَانَ إِلَيْكَ أَفْتَرَى أَنِّي لَا أَفْعَلُ مَا إِلَيَّ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلِلْغُلَامِ وَلِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَلِلْقَوْمِ الْحَاضِرِينَ أَجْمَعِينَ) . أَوْرَدَهُ هَكَذَا الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، وَأَنَّهُ يُجَازِي بِالْخَيْرِ الْكَثِيرِ عَلَى الْعَمَلِ الْيَسِيرِ، وَهُوَ وَضْعُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الرَّجَاءِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ الْغُلَامِ لَمَّا تَكَرَّمَ بِالْيَسِيرِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِغُلَامِهِ وَلِمَنْ كَانَ سَبَبًا فِي ذَلِكَ . (وَرُوِيَ عَنْ) أَبِي مُحَمَّدٍ (عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بْنِ الصَّلْتِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ (الثَّقَفِيِّ) الْبَصَرِيِّ، قَدِمَ بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الْمَنْصُورِ، وَحَدَّثَ بِهَا، قَالَ: ابْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ (قَالَ: رَأَيْتُ ثَلَاثَةً مِنَ الرِّجَالِ، وَامْرَأَةً، يَحْمِلُونَ جِنَازَةً، قَالَ: فَأَخَذْتُ مَكَانَ الْمَرْأَةِ، وَذَهَبْنَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهَا، وَدَفَنَّا الْمَيِّتَ، فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ: مَا كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ؟) أَيْ: مَا نِسْبَتُهُ مِنْكِ؟ (قَالَتْ:) هُوَ (ابْنِي، قُلْتُ: وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ جِيرَانٌ) يَحْمِلُونَهَا؟ (قَالَتْ: بَلَى، وَلَكِنْ صَغَّرُوا بِأَمْرِهِ) وَحَقَّرُوهُ، (قُلْتُ: وَأَيْشِ كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ:) هُوَ (مُخْنِثٌ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحِهِمَا، (قَالَ: فَرَحِمْتُهَا وَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى مَنْزِلِي، وَأَعْطَيْتُهَا دَرَاهِمَ، وَحِنْطَةً، وَثِيَابًا، قَالَ:) وَنِمْتُ (فَرَأَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّهُ أَتَانِي آتٍ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، فَجَعَلَ يَتَشَكَّرُ لِي، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ:) أَنَا (الْمُخْنِثُ الَّذِي دَفَنْتُمُونِي) الْيَوْمَ (رَحِمَنِي رَبِّي بِاحْتِقَارِ النَّاسِ إِيَّايَ) وَكَلَامِهِمْ فِيَّ. حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يُجَازِي بِالْخَيْرِ الْكَثِيرِ عَلَى الْعَمَلِ الْيَسِيرِ. (وَقَالَ) الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ (إِبْرَاهِيمَ الْأُطْرُوشَ) يَقُولُ: (كُنَّا قُعُودًا بِبَغْدَادَ مَعَ) أَبِي مَحْفُوظٍ (مَعْرُوفِ) بْنِ فَيْرُوزَ (الْكَرْخِيِّ) قُدِّسَ سِرُّهُ (عَلَى الدِّجْلَةِ) وَهِيَ نَهْرٌ بِبَغْدَادَ (إِذْ مَرَّ بِنَا أَحْدَاثٌ) أَيْ: شُبَّانٌ (فِي زَوْرَقٍ) أَيْ: سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ (يَضْرِبُونَ بِالدُّفِّ، وَيَشْرَبُونَ) الْخَمْرَ، (وَيَلْعَبُونَ) بِالْمَلَاهِي، (فَقَالُوا لِمَعْرُوفٍ: أَمَا تَرَاهُمْ) كَيْفَ (يَعْصُونَ اللَّهَ مُجَاهِرِينَ، ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: إِلَهِي كَمَا فَرَّحْتَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَفَرِّحْهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِذَا فَرَّحَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ تَابَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: وَإِذَا تَابُوا زَالَ عَنْكُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَيَحْصُلُ مَطْلُوبُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْمَعْرِفَةِ وَالسِّيَاسَةِ فِي تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ الَّذِي لَا يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ إِزَالَتِهِ بِقُوَّةِ الْجَاهِ وَالسَّطْوَةِ فَسَلَكَ مَعْرُوفٌ فِي إِزَالَتِهِ مَسْلَكَ السُّؤَالِ، وَطَلَبِ الْفَضْلِ مِنَ اللَّهِ فِي أَنْ يُغَيِّرَ أَحْوَالَهُمْ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ بِهِمْ مَا هُمْ فِيهِ فَقَالَ مَا قَالَ، فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ التَّغْيِيرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا هُوَ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِذَا فَرَّحَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ تَابَ عَلَيْهِمْ . (وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: يَا رَبِّ وَأَيُّ أَهْلِ دَهْرٍ) أَيْ: زَمَانٌ (لَمْ يَعْصُوكَ ثُمَّ كَانَتْ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِمْ سَابِغَةً) أَيْ: تَامَّةٌ (وَرِزْقُكَ عَلَيْهِمْ دَارًّا) أَيْ: وَاسِعًا مُتَّصِلًا (سُبْحَانَكَ مَا أَحْلَمَكَ! وَعِزَّتِكَ إِنَّكَ لَتُعْطِي ثُمَّ تُسْبِغُ النِّعْمَةَ حَتَّى كَأَنَّكَ يَا رَبَّنَا إِنَّمَا تُطَاعُ، سُبْحَانَكَ مَا أَحْلَمَكَ، تُعْصَى وَتُدِرُّ الرِّزْقَ وَتُسْبِغُ النِّعْمَةَ، حَتَّى كَأَنَّكَ يَا رَبَّنَا لَا تَغْضَبُ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية