الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَ إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الرَّغْبَةَ ، وَاسْأَلُوا الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَلِيمٍ الصَّوَّافُ دَخَلْنَا عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْعَشِيَّةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا ، فَقُلْنَا : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ : إِلَّا أَنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ مِنْ عَفْوِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِي حِسَابٍ ، ثُمَّ مَا بَرِحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ فِي مُنَاجَاتِهِ : يَكَادُ رَجَائِي لَكَ مِنَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجَائِي إِلَيْكَ مَعَ الْأَعْمَالِ ، لِأَنِّي أَعْتَمِدُ فِي الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِخْلَاصِ ، وَكَيْفَ أُحْرِزُهَا : وَأَنَا بِالْآفَةِ مَعْرُوفٌ ، وَأَجِدُنِي فِي الذُّنُوبِ أَعْتَمِدُ عَلَى عَفْوِكَ ، وَكَيْفَ لَا تَغْفِرُهَا وَأَنْتَ بِالْجُودِ مَوْصُوفٌ وَقِيلَ : إِنْ مَجُوسِيًّا اسْتَضَافَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ : الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَضَفْتُكَ فَمَرَّ الْمَجُوسِيُّ : فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، لَمْ تُطْعِمْهُ إِلَّا بِتَغْيِيرِ دِينِهِ ، وَنَحْنُ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً نُطْعِمُهُ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَوْ أَضَفْتَهُ لَيْلَةً مَاذَا كَانَ عَلَيْكَ فَمَرَّإِبْرَاهِيمُ يَسْعَى خَلْفَ الْمَجُوسِيِّ فَرَدَّهُ ، وَأَضَافَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : مَا السَّبَبُ فِيمَا : بَدَا لَكَ ؟! فَذَكَرَ لَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : أَهَكَذَا يُعَامِلُنِي ؟! ثُمَّ قَالَ : : اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ وَرَأَى الْأُسْتَاذُ أَبُو سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيُّ أَبَا سَهْلٍ الزَّجَّاجِيَّ فِي الْمَنَامِ ، وَكَانَ يَقُولُ بِوَعِيدِ الْأَبَدِ : فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ حَالُكَ ؟ فَقَالَ : وَجَدْنَا الْأَمْرَ أَهْوَنَ مِمَّا تَوَهَّمْنَا وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَبَا سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيَّ فِي الْمَنَامِ عَلَى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ لَا تُوصَفُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أُسْتَاذُ بِمَ نِلْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : بِحُسْنِ ظَنِّي بِرَبِّي وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَأَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ ، وَإِذَا الْجَبَّارُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : أَيْنَ الْعُلَمَاءُ ؟ قَالَ : فَجَاءُوا ثُمَّ قَالَ : مَاذَا عَمِلْتُمْ فِيمَا عَلِمْتُمْ ؟ قَالَ : فَقُلْنَا يَا رَبِّ قَصَّرْنَا وَأَسَأْنَا ، قَالَ : فَأَعَادَ السُّؤَالَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْجَوَابِ وَأَرَادَ جَوَابًا غَيْرَهُ ، فَقُلْتُ : أَمَّا أَنَا فَلَيْسَ فِي صَحِيفَتِي الشِّرْكُ ، وَقَدْ وَعَدْتَ أَنْ تَغْفِرَ مَا دُونَهُ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ وَقِيلَ كَانَ رَجُلٌ شِرِّيبٌ : جَمَعَ قَوْمًا مِنْ نُدَمَائِهِ : وَدَفَعَ إِلَى غُلَامِهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنَ الْفَوَاكِهِ لِلْمَجْلِسِ : فَمَرَّ الْغُلَامُ بِبَابِ مَجْلِسِ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَهُوَ يَسْأَلُ لِفَقِيرٍ شَيْئًا ، وَيَقُولُ : مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ دَعَوْتُ لَهُ أَرْبَعَ دَعَوَاتٍ ، قَالَ : فَدَفَعَ الْغُلَامُ إِلَيْهِ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ مَنْصُورٌ : مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ لَكَ فَقَالَ : لِي سَيِّدٌ أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهُ فَدَعَا مَنْصُورٌ وَقَالَ : الْأُخْرَى قَالَ أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ دَرَاهِمِي فَدَعَا ثُمَّ قَالَ : الْأُخْرَى، قَالَ أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي فَدَعَا ثُمَّ قَالَ : الْأُخْرَى فَقَالَ : أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلِسَيِّدِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ : فَدَعَا مَنْصُورٌ فَرَجَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ : لِمَ أَبْطَأْتَ ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، قَالَ وَبِمَا دَعَا ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ لِنَفْسِي الْعِتْقَ : فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ قَالَ : وَأَيْشِ الثَّانِي : قَالَ : أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ الدَّرَاهِمَ قَالَ لَكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَأَيْشِ الثَّالِثُ ؟ قَالَ : أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، قَالَ : تُبْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : وَأَيْشِ الرَّابِعُ ؟ قَالَ : أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ : قَالَ : هَذَا الْوَاحِدُ لَيْسَ إِلَيَّ فَلَمَّا بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا كَانَ إِلَيْكَ أَفْتَرَى أَنِّي لَا أَفْعَلُ مَا إِلَيَّ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلِلْغُلَامِ وَلِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَلِلْقَوْمِ الْحَاضِرِينَ أَجْمَعِينَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ ثَلَاثَةً مِنَ الرِّجَالِ وَامْرَأَةً ، يَحْمِلُونَ جِنَازَةً ، قَالَ : فَأَخَذْتُ مَكَانَ الْمَرْأَةِ ، وَذَهَبْنَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهَا ، وَدَفَنَّا الْمَيِّتَ ، فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ : مَنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ ؟ قَالَتْ : ابْنِي ، قُلْتُ : وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ جِيرَانٌ قَالَتْ : بَلَى ، وَلَكِنْ صَغَّرُوا أَمْرَهُ قُلْتُ : وَأَيْشِ كَانَ هَذَا ؟ قَالَتْ : مُخَنَّثًا قَالَ : فَرَحِمْتُهَا وَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى مَنْزِلِي ، وَأَعْطَيْتُهَا دَرَاهِمَ ، وَحِنْطَةً ، وَثِيَابًا ، قَالَ : فَرَأَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّهُ أَتَانِي آتٍ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ ، فَجَعَلَ ، يَتَشَكَّرُنِي فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : الْمُخْنِثُ الَّذِي دَفَنْتُمُونِي الْيَوْمَ رَحِمَنِي رَبِّي بِاحْتِقَارِ النَّاسِ إِيَّايَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمَ الْأُطْرُوشَ كُنَّا قُعُودًا بِبَغْدَادَ مَعَ مَعْرُوفِ الْكَرْخِيِّ عَلَى دِجْلَةَ إِذْ مَرَّ أَحْدَاثٌ : فِي زَوْرَقٍ : يَضْرِبُونَ بِالدُّفِّ ، وَيَشْرَبُونَ وَيَلْعَبُونَ فَقَالُوا لِمَعْرُوفٍ : أَمَا تَرَاهُمْ يَعْصُونَ اللَّهَ مُجَاهِرِينَ ، ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : : إِلَهِي كَمَا فَرَّحْتَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَفَرِّحْهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : إِذَا فَرَّحَهُمْ فِي الْآخِرَةِ تَابَ عَلَيْهِمْ وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : يَا رَبِّ وَأَيُّ أَهْلِ دَهْرٍ : لَمْ يَعْصُوكَ ثُمَّ كَانَتْ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِمْ سَابِغَةً : وَرِزْقُكَ عَلَيْهِمْ دَارًّا : سُبْحَانَكَ مَا أَحْلَمَكَ ! وَعِزَّتِكَ إِنَّكَ لِتُعْصَى ثُمَّ تُسْبِغُ النِّعْمَةَ ، وَتُدِرُّ الرِّزْقَ ، حَتَّى كَأَنَّكَ يَا رَبَّنَا لَا تَغْضَبُ . وَقَدْ بَقِيَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالرَّجَاءِ، مِنْ كِتَابَيِ الْقُوتِ وَالرِّسَالَةِ وَغَيْرِهِمَا، مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَسُوقَهُ لِتَمَامِ الْفَائِدَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْقُوتِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: كُلُّ عَاصٍ فَإِنَّهُ يَعْصِي تَحْتَ كَنَفِ الرَّحْمَنِ، فَمَنْ أَلْقَى عَلَيْهِ كَنَفَهُ سَتَرَ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ رَفَعَ عَنْهُ كَنَفَهُ افْتُضِحَ. وَالرَّجَاءُ اسْمٌ لِقُوَّةِ الطَّمَعِ فِي الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ الْخَوْفِ اسْمٌ لِقُوَّةِ الْحَذَرِ مِنَ الشَّيْءِ؛ وَلِذَلِكَ أَقَامَ اللَّهُ الطَّمَعَ مَقَامَ الرَّجَاءِ فِي التَّسْمِيَةِ، وَأَقَامَ الْحَذَرَ مَقَامَ الْخَوْفِ، فَقَالَ تَعَالَى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ، وَقَالَ تَعَالَى: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ . وَهُوَ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِيمَانِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ، كَمَا لَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِالْخَوْفِ، فَالرَّجَاءُ بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ جَنَاحَيِ الطَّائِرِ لَا يَطِيرُ إِلَّا بِجَنَاحَيْهِ، كَذَلِكَ لَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَرْجُوَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَيَخَافَهُ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَحْلِفُ بِاللَّهِ: مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ ظَنَّهُ بِاللَّهِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِيَدِهِ، أَيْ فَإِذَا أَعْطَاهُ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ فَقَدْ أَعْطَاهُ مَا يَظُنُّهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَسَّنَ ظَنَّهُ بِهِ هُوَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَهُ لَهُ. وَرُوِّينَا عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، قَالَ: أَيْ أَحْسِنُوا بِاللَّهِ الظَّنَّ. وَالرَّجَاءُ مَقَامٌ جَلِيلٌ، وَحَالٌ شَرِيفٌ نَبِيلٌ، لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْكُرَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحَيَاءِ، وَهُوَ حَالٌ يَحُولُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَقَامِ الْخَوْفِ، يُرَوِّحُونَ بِهِ الْكُرَبَ، وَيَسْتَرِيحُونَ إِلَيْهِ مِنْ مُقَارَفَةِ الذَّنْبِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْخَوْفَ لَمْ يَعْرِفِ الرَّجَاءَ، وَمَنْ لَمْ يَقُمْ فِي مَقَامَاتِ الْخَوْفِ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى مَقَامَاتِ أَهْلِ الرَّجَاءِ عَلَى صِحَّةٍ وَصَفَاءٍ. وَرَجَاءُ كُلِّ عَبْدٍ مِنْ حَقِيقَةِ خَوْفِهِ، وَمُكَاشَفَتُهُ عَنْ أَخْلَاقِ مَرْجُوِّهِ مِنْ مَعْنَى مَا كَانَ كُوشِفَ بِهِ مِنْ صِفَاتِ مَخُوفِهِ، فَإِنْ كَانَ أُقِيمَ مَقَامَ الْمَخُوفَاتِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ مِثْلَ الذُّنُوبِ وَالْعُيُوبِ وَالْأَسْبَابِ رُفِعَ مِنْ حَيْثُ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ إِلَى مَقَامَاتِ الرَّجَاءِ، بِتَحْقِيقِ الْوَعْدِ، وَغُفْرَانِ الذَّنْبِ، وَتَشْوِيقِ الْجِنَانِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْحِسَانِ، وَهَذِهِ مُوَاجَهَاتُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ أُقِيمَ مَقَامَ مَخَاوِفِ الصِّفَاتِ عَنْ مُشَاهَدَةِ مَعَانِي الذَّاتِ مِثْلَ سَابِقِ الْعِلْمِ، وَسُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَخَفِيِّ الْمَكْرِ، وَبَاطِنِ الِاسْتِدْرَاجِ، وَبَطْشِ الْقُدْوَةِ، وَحُكْمِ الْكِبْرِ، وَالْجَبْرِيَّةِ، رُفِعَ مِنْ حَيْثُ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ إِلَى مَقَامِ الْمَحَبَّةِ، وَالرِّضَا، فَرَجَا مِنْ مَعَانِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَسْمَاءِ الْكَرَمَ، وَالْإِحْسَانَ، وَالْفَضْلَ، وَالْعَطْفَ، وَاللُّطْفَ، وَالِامْتِنَانَ. وَلَيْسَ يَصْلُحُ أَنْ نُخْبِرَ بِكُلِّ مَا نَعْلَمُ مِنْ شَهَادَةِ أَهْلِ الرَّجَاءِ فِي مَقَامَاتِ الرَّجَاءِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ يُفْسِدُ مَنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَشَدَّ الْفَسَادِ، فَلَيْسَ يَصْلُحُ إِلَّا بِخُصُوصِهِ، وَلَا يَجْذِبُ وَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُ مِنَ الْمُحِبِّينَ، وَلَا مَحَبَّةَ إِلَّا بَعْدَ نُصْحِ الْقَلْبِ مِنَ الْمَخَافَةِ، فَالْمُؤْمِنُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، كَالطَّائِرِ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ، وَكِلْسَانِ الْمِيزَانِ بَيْنَ كِفَّتَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُطَرِّفٍ: لَوْ وُزِنَ خَوْفُ الْمُؤْمِنِ وَرَجَاؤُهُ لَاعْتَدَلَا . وَلِلْمُؤْمِنِ فِي اعْتِدَالِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مَقَامَانِ: أَعْلَاهُمَا مَقَامُ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ مَا حَالَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَقَامِ مُشَاهَدَةِ الصِّفَاتِ الْمَخُوفَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْمَرْجُوَّةِ، وَالثَّانِي مَقَامُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَهُوَ مَا عَرَفُوهُ مِنْ بَدَائِعِ الْأَحْكَامِ، وَتَفَاوُتِ الْأَقْسَامِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى أَنْعَمَ عَلَى الْخَلْقِ بِفَضْلِهِ عَنْ كَرَمِهِ، اخْتِيَارًا لَا إِجْبَارًا، فَلَمَّا أَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ رَجَوْا تَمَامَ النِّعْمَةِ مِنْ حَيْثُ ابْتِدَائِهَا، وَمِنْ هَهُنَا طَمِعَ السَّحَرَةُ فِي الْمَغْفِرَةِ لَمَّا ابْتَدَؤُوا بِالْإِيمَانِ فَقَالُوا: إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَيْ مِنْ حَيْثُ جَعَلَنَا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ نَرْجُو بِأَنْ يَغْفِرَ لَنَا بِأَنْ جَعَلَنَا مُؤْمِنِينَ بِهِ، فَرَجَوْهُ مِنْهُ. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا أَوْجَدَهُ نِعَمَهُ ثُمَّ سَلَبَهَا فَلَيْسَ مِنْ عَوْدِهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ تَعَالَى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى عِبَادَهُ الصَّابِرِينَ عَلَيْهِ الصَّالِحِينَ لَهُ فَقَالَ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . ثُمَّ إِنَّ الْخَلْقَ خُلِقُوا عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ طَائِفَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعِيشُ مُؤْمِنًا، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، فَمِنْ هَهُنَا رَجَاؤُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِذْ قَدْ أَعْطَاهُمْ فَرَجَوْا أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ، وَأَنْ لَا يَسْلُبَهُمْ بِفَضْلِ مَا بِهِ بَدَأَهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعِيشُ مُؤْمِنًا، وَيَمُوتُ كَافِرًا، فَهَذَا مَوْضِعُ خَوْفِهِمْ عَلَيْهِ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ، لِمَكَانِ عِلْمِهِمْ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَلِغَيْبِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعِيشُ كَافِرًا، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعِيشُ كَافِرًا، وَيَمُوتُ كَافِرًا، فَهَذَانَ الْحُكْمَانِ أَوْجَبَا رَجَاءَهُمُ الثَّانِيَ لِلْمُشْرِكِ إِذَا رَأَوْهُ فَلَمْ يَقْطَعُوا لِظَاهِرِهِ أَيْضًا خَوْفَ هَذَا الرَّجَاءِ خَوْفًا ثَانِيًا أَنْ يَمُوتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . فَعِلْمُ الْمُؤْمِنِ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ وَزْنُ خَوْفِهِ وَرَجَائِهِ مَعًا، فَاعْتَدَلَ حَالُهُ بِذَلِكَ الِاعْتِدَالِ إِيمَانُهُ بِهِ، وَحَكَمَ عَلَى الْخَلْقِ بِالظَّاهِرِ وَوَكَلَ إِلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ السَّرَائِرَ، وَلَمْ يَقْطَعْ عَلَى عَبْدٍ بِظَاهِرِهِ مِنَ الشَّرِّ بَلْ يَرْجُو لَهُ مَا يُظَنُّ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَمْ يَشْهَدْ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِظَاهِرِ الْخَيْرِ، بَلْ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَسَرَّ عِنْدَ اللَّهِ بَاطِنَ شَرٍّ، إِلَّا أَنَّ حَالَ التَّمَامِ أَنْ يَخَافَ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَرْجُوَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ وَجْدُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ، فَهُمْ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِالنَّاسِ، وَيُخْرِجُونَ لَهُمُ الْمَعَاذِيرَ بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَتَسْلِيمِ مَا غَابَ إِلَى مَنْ إِلَيْهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ، ثُمَّ هُمْ فِي ذَلِكَ يُسِيئُونَ الظَّنَّ بِنُفُوسِهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِصِفَاتِهَا، وَيُوقِعُونَ الْمَلَامَ عَلَيْهَا، وَلَا يَحْتَجُّونَ لَهَا لِبَاطِنِ الْإِشْفَاقِ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ، وَلِخَوْفِ التَّزْكِيَةِ مِنْهُمْ لَهُمْ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَذَانِ الْمَعْنَيَانِ فَقَدْ مُكِرَ بِهِ حَتَّى يُحْسِنَ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ، وَيُسِيءَ ظَنَّهُ بِغَيْرِهِ، فَيَكُونَ خَائِفًا عَلَى النَّاسِ، رَاجِيًا لِنَفْسِهِ، عَاذِرًا لِنَفْسِهِ، مُحْتَجًّا لَهَا، لَائِمًا النَّاسَ ذَامًّا لَهُمْ فَهَذِهِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُنَافِقِينَ . ثُمَّ إِنَّ لِلرَّاجِي حَالًا مِنْ مَقَامِهِ، وَلِلْحَالِ عَلَامَةً مِنْ رَجَائِهِ، فَمِنْ عَلَامَةِ الرَّجَاءِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْمَرْجُوِّ دَوَامُ الْمُعَامَلَةِ، وَحُسْنُ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَكَثْرَةُ التَّحَبُّبِ بِالنَّوَافِلِ، لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ، وَجَمِيلِ أَمْنِهِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ صَالِحَ مَا أَمَرَ بِهِ تَفَضُّلًا مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ كَرَمِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَا الِاسْتِحْقَاقِ مِنَّا، فَإِنَّهُ أَيْضًا يُكَفِّرُ سَيِّئَ مَا عَمِلَهُ إِحْسَانًا مِنْهُ، وَرَحْمَةً مِنْ حَيْثُ لُطْفِهِ بِنَا، وَعَطْفِهِ عَلَيْنَا، لِأَخْلَاقِهِ السَّنِيَّةِ، وَالطَّاقَةِ الْخَفِيَّةِ لَا مِنْ حَيْثُ اللُّزُومِ بَلْ مِنْ حَيْثُ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية