الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَ إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الرَّغْبَةَ ، وَاسْأَلُوا الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَلِيمٍ الصَّوَّافُ دَخَلْنَا عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْعَشِيَّةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا ، فَقُلْنَا : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ : إِلَّا أَنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ مِنْ عَفْوِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِي حِسَابٍ ، ثُمَّ مَا بَرِحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ فِي مُنَاجَاتِهِ : يَكَادُ رَجَائِي لَكَ مِنَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجَائِي إِلَيْكَ مَعَ الْأَعْمَالِ ، لِأَنِّي أَعْتَمِدُ فِي الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِخْلَاصِ ، وَكَيْفَ أُحْرِزُهَا : وَأَنَا بِالْآفَةِ مَعْرُوفٌ ، وَأَجِدُنِي فِي الذُّنُوبِ أَعْتَمِدُ عَلَى عَفْوِكَ ، وَكَيْفَ لَا تَغْفِرُهَا وَأَنْتَ بِالْجُودِ مَوْصُوفٌ وَقِيلَ : إِنْ مَجُوسِيًّا اسْتَضَافَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ : الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَضَفْتُكَ فَمَرَّ الْمَجُوسِيُّ : فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، لَمْ تُطْعِمْهُ إِلَّا بِتَغْيِيرِ دِينِهِ ، وَنَحْنُ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً نُطْعِمُهُ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَوْ أَضَفْتَهُ لَيْلَةً مَاذَا كَانَ عَلَيْكَ فَمَرَّإِبْرَاهِيمُ يَسْعَى خَلْفَ الْمَجُوسِيِّ فَرَدَّهُ ، وَأَضَافَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : مَا السَّبَبُ فِيمَا : بَدَا لَكَ ؟! فَذَكَرَ لَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : أَهَكَذَا يُعَامِلُنِي ؟! ثُمَّ قَالَ : : اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ وَرَأَى الْأُسْتَاذُ أَبُو سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيُّ أَبَا سَهْلٍ الزَّجَّاجِيَّ فِي الْمَنَامِ ، وَكَانَ يَقُولُ بِوَعِيدِ الْأَبَدِ : فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ حَالُكَ ؟ فَقَالَ : وَجَدْنَا الْأَمْرَ أَهْوَنَ مِمَّا تَوَهَّمْنَا وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَبَا سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيَّ فِي الْمَنَامِ عَلَى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ لَا تُوصَفُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أُسْتَاذُ بِمَ نِلْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : بِحُسْنِ ظَنِّي بِرَبِّي وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَأَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ ، وَإِذَا الْجَبَّارُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : أَيْنَ الْعُلَمَاءُ ؟ قَالَ : فَجَاءُوا ثُمَّ قَالَ : مَاذَا عَمِلْتُمْ فِيمَا عَلِمْتُمْ ؟ قَالَ : فَقُلْنَا يَا رَبِّ قَصَّرْنَا وَأَسَأْنَا ، قَالَ : فَأَعَادَ السُّؤَالَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْجَوَابِ وَأَرَادَ جَوَابًا غَيْرَهُ ، فَقُلْتُ : أَمَّا أَنَا فَلَيْسَ فِي صَحِيفَتِي الشِّرْكُ ، وَقَدْ وَعَدْتَ أَنْ تَغْفِرَ مَا دُونَهُ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ وَقِيلَ كَانَ رَجُلٌ شِرِّيبٌ : جَمَعَ قَوْمًا مِنْ نُدَمَائِهِ : وَدَفَعَ إِلَى غُلَامِهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنَ الْفَوَاكِهِ لِلْمَجْلِسِ : فَمَرَّ الْغُلَامُ بِبَابِ مَجْلِسِ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَهُوَ يَسْأَلُ لِفَقِيرٍ شَيْئًا ، وَيَقُولُ : مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ دَعَوْتُ لَهُ أَرْبَعَ دَعَوَاتٍ ، قَالَ : فَدَفَعَ الْغُلَامُ إِلَيْهِ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ مَنْصُورٌ : مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ لَكَ فَقَالَ : لِي سَيِّدٌ أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهُ فَدَعَا مَنْصُورٌ وَقَالَ : الْأُخْرَى قَالَ أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ دَرَاهِمِي فَدَعَا ثُمَّ قَالَ : الْأُخْرَى، قَالَ أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي فَدَعَا ثُمَّ قَالَ : الْأُخْرَى فَقَالَ : أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلِسَيِّدِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ : فَدَعَا مَنْصُورٌ فَرَجَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ : لِمَ أَبْطَأْتَ ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، قَالَ وَبِمَا دَعَا ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ لِنَفْسِي الْعِتْقَ : فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ قَالَ : وَأَيْشِ الثَّانِي : قَالَ : أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ الدَّرَاهِمَ قَالَ لَكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَأَيْشِ الثَّالِثُ ؟ قَالَ : أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، قَالَ : تُبْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : وَأَيْشِ الرَّابِعُ ؟ قَالَ : أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ : قَالَ : هَذَا الْوَاحِدُ لَيْسَ إِلَيَّ فَلَمَّا بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا كَانَ إِلَيْكَ أَفْتَرَى أَنِّي لَا أَفْعَلُ مَا إِلَيَّ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلِلْغُلَامِ وَلِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَلِلْقَوْمِ الْحَاضِرِينَ أَجْمَعِينَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ ثَلَاثَةً مِنَ الرِّجَالِ وَامْرَأَةً ، يَحْمِلُونَ جِنَازَةً ، قَالَ : فَأَخَذْتُ مَكَانَ الْمَرْأَةِ ، وَذَهَبْنَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهَا ، وَدَفَنَّا الْمَيِّتَ ، فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ : مَنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ ؟ قَالَتْ : ابْنِي ، قُلْتُ : وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ جِيرَانٌ قَالَتْ : بَلَى ، وَلَكِنْ صَغَّرُوا أَمْرَهُ قُلْتُ : وَأَيْشِ كَانَ هَذَا ؟ قَالَتْ : مُخَنَّثًا قَالَ : فَرَحِمْتُهَا وَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى مَنْزِلِي ، وَأَعْطَيْتُهَا دَرَاهِمَ ، وَحِنْطَةً ، وَثِيَابًا ، قَالَ : فَرَأَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّهُ أَتَانِي آتٍ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ ، فَجَعَلَ ، يَتَشَكَّرُنِي فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : الْمُخْنِثُ الَّذِي دَفَنْتُمُونِي الْيَوْمَ رَحِمَنِي رَبِّي بِاحْتِقَارِ النَّاسِ إِيَّايَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمَ الْأُطْرُوشَ كُنَّا قُعُودًا بِبَغْدَادَ مَعَ مَعْرُوفِ الْكَرْخِيِّ عَلَى دِجْلَةَ إِذْ مَرَّ أَحْدَاثٌ : فِي زَوْرَقٍ : يَضْرِبُونَ بِالدُّفِّ ، وَيَشْرَبُونَ وَيَلْعَبُونَ فَقَالُوا لِمَعْرُوفٍ : أَمَا تَرَاهُمْ يَعْصُونَ اللَّهَ مُجَاهِرِينَ ، ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : : إِلَهِي كَمَا فَرَّحْتَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَفَرِّحْهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : إِذَا فَرَّحَهُمْ فِي الْآخِرَةِ تَابَ عَلَيْهِمْ وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : يَا رَبِّ وَأَيُّ أَهْلِ دَهْرٍ : لَمْ يَعْصُوكَ ثُمَّ كَانَتْ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِمْ سَابِغَةً : وَرِزْقُكَ عَلَيْهِمْ دَارًّا : سُبْحَانَكَ مَا أَحْلَمَكَ ! وَعِزَّتِكَ إِنَّكَ لِتُعْصَى ثُمَّ تُسْبِغُ النِّعْمَةَ ، وَتُدِرُّ الرِّزْقَ ، حَتَّى كَأَنَّكَ يَا رَبَّنَا لَا تَغْضَبُ . وَمَقَامُ الرَّجَاءِ كَسَائِرِ مَقَامَاتِ الْيَقِينِ مِنْهَا فَرْضٌ، وَنَفْلٌ، فَعَلَى الْعَبْدِ فَرْضٌ أَنْ يَرْجُوَ مَوْلَاهُ وَخَالِقَهُ، وَمَعْبُودَهُ وَرَازِقَهُ، مِنْ حَيْثُ كَرَمِهِ، وَفَضْلِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ نَظَرِهِ إِلَى صِفَاتِ نَفْسِهِ، وَلُؤْمِهِ، وَقَدْ كَانَ سَهْلٌ يَقُولُ: مَنْ سَأَلَ اللَّهَ شَيْئًا فَنَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ وَأَعْمَالِهِ لَا يَرَى الْإِجَابَةَ حَتَّى يَكُونَ نَاظِرًا إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَإِلَى لُطْفِهِ، وَكَرَمِهِ، وَيَكُونَ مُوقِنًا بِالْإِجَابَةِ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا، وَلَا دُعَاءً إِلَّا مِنْ مُوقِنٍ بِالْإِجَابَةِ مُخْلِصٍ، فَإِذَا شَهِدَ التَّوْحِيدَ، وَنَظَرَ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ، فَقَدْ فَتَحَ لَهُ بَابًا مِنَ الْعِبَادَةِ. ثُمَّ يَتَفَاوَتُ الرَّاجُونَ فِي فَضَائِلِ الرَّجَاءِ؛ فَالْمُقَرَّبُونَ مِنْهُمْ رَجَوُا النَّصِيبَ الْأَعْلَى مِنَ الْقُرْبِ وَالتَّجَلِّي لِمَعَانِي الصِّفَاتِ مِمَّا عَرَفُوهُ، وَهَذَا مِنْ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي الرَّاجِينَ رَجَوُا النَّصِيبَ الْأَوْفَرَ مِنْ مَزِيدِهِ، وَالْفَضْلَ الْأَجْزَلَ مِنْ عَطَائِهِ، يَقِينًا بِمَا وَعَدَ. وَمِنَ الرَّجَاءِ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ، وَسُرْعَةُ السَّبْقِ، وَالْمُبَادَرَةُ بِهَا خَوْفَ فَوْتِهَا، وَرَجَاءُ قَبُولِهَا، ثُمَّ مُهَاجَرَةُ السُّوءِ، وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ، رَجَاءَ انْتِجَازِ الْمَوْعُودِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ . وَمِنَ الرَّجَاءِ كَثْرَةُ التِّلَاوَةِ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ خِدْمَةُ الْمَعْبُودِ، وَبَذْلُ الْمَالِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَأَنْ لَا يَشْتَغِلَ عَنْ ذَلِكَ بِتِجَارَةِ الدُّنْيَا، كَمَا وَصَفَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الرَّاجِينَ؛ إِذْ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ . وَمِنَ الرَّجَاءِ الْقُنُوتُ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ، وَهُوَ طُولُ الْقِيَامِ لِلتَّهَجُّدِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ تَجَافِي الْجُنُوبِ عَنِ الْمَضَاجِعِ، لِمَا وَقَرَ فِي الصُّدُورِ وَالْقُلُوبِ مِنَ الْمَخَاوِفِ، وَكَذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّاجِينَ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ، فَسَمَّى أَهْلَ الرَّجَاءِ وَالْحَذَرِ وَأَهْلَ التَّهَجُّدِ آنَاءَ اللَّيْلِ عُلَمَاءَ، وَحَصَلَ مِنْ دَلِيلِ الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَخَفْ وَلَمْ يَرْجُ غَيْرَ عَالِمٍ لِنَفْيِهِ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا مِمَّا حُذِفَ خَبَرُهُ اكْتِفَاءً بِأَحَدِ وَصْفَيْهِ إِذْ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ . فَالرَّجَاءُ هُوَ أَوَّلُ مَقَامٍ مِنَ الْيَقِينِ عِنْدَ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ ظَاهِرُ أَوْصَافِ الصِّدِّيقِينَ، وَلَا يَكْمُلُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ وَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ صَاحِبُهُ حَتَّى تَجْتَمِعَ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْمُهَاجَرَةُ إِلَيْهِ، وَالْمُجَاهَدَةُ فِيهِ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَالْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ السُّجُودُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَالْقِيَامُ وَالْحَذَرُ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَهَذِهِ جُمَلُ أَوْصَافِ الرَّاجِينَ، وَهُوَ أَوَّلُ أَحْوَالِ الْمُوقِنِينَ، ثُمَّ تَتَزَايَدُ الْأَعْمَالُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، بِالْجَوَارِحِ وَالْقُلُوبِ، عَنْ تَزَايُدِ الْأَنْوَارِ وَالْعُلُومِ وَمُكَاشَفَاتِ الْغُيُوبِ بِالْأَوْصَافِ الْمَرْجُوَّةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية