الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَقَالَ إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الرَّغْبَةَ ، وَاسْأَلُوا الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَلِيمٍ الصَّوَّافُ دَخَلْنَا عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْعَشِيَّةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا ، فَقُلْنَا : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ : إِلَّا أَنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ مِنْ عَفْوِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِي حِسَابٍ ، ثُمَّ مَا بَرِحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ فِي مُنَاجَاتِهِ : يَكَادُ رَجَائِي لَكَ مِنَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجَائِي إِلَيْكَ مَعَ الْأَعْمَالِ ، لِأَنِّي أَعْتَمِدُ فِي الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِخْلَاصِ ، وَكَيْفَ أُحْرِزُهَا : وَأَنَا بِالْآفَةِ مَعْرُوفٌ ، وَأَجِدُنِي فِي الذُّنُوبِ أَعْتَمِدُ عَلَى عَفْوِكَ ، وَكَيْفَ لَا تَغْفِرُهَا وَأَنْتَ بِالْجُودِ مَوْصُوفٌ وَقِيلَ : إِنْ مَجُوسِيًّا اسْتَضَافَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ : الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَضَفْتُكَ فَمَرَّ الْمَجُوسِيُّ : فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، لَمْ تُطْعِمْهُ إِلَّا بِتَغْيِيرِ دِينِهِ ، وَنَحْنُ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً نُطْعِمُهُ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَوْ أَضَفْتَهُ لَيْلَةً مَاذَا كَانَ عَلَيْكَ فَمَرَّإِبْرَاهِيمُ يَسْعَى خَلْفَ الْمَجُوسِيِّ فَرَدَّهُ ، وَأَضَافَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : مَا السَّبَبُ فِيمَا : بَدَا لَكَ ؟! فَذَكَرَ لَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : أَهَكَذَا يُعَامِلُنِي ؟! ثُمَّ قَالَ : : اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ وَرَأَى الْأُسْتَاذُ أَبُو سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيُّ أَبَا سَهْلٍ الزَّجَّاجِيَّ فِي الْمَنَامِ ، وَكَانَ يَقُولُ بِوَعِيدِ الْأَبَدِ : فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ حَالُكَ ؟ فَقَالَ : وَجَدْنَا الْأَمْرَ أَهْوَنَ مِمَّا تَوَهَّمْنَا وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَبَا سَهْلٍ الصَّعْلُوكِيَّ فِي الْمَنَامِ عَلَى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ لَا تُوصَفُ ، فَقَالَ لَهُ : يَا أُسْتَاذُ بِمَ نِلْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : بِحُسْنِ ظَنِّي بِرَبِّي وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَأَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ ، وَإِذَا الْجَبَّارُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : أَيْنَ الْعُلَمَاءُ ؟ قَالَ : فَجَاءُوا ثُمَّ قَالَ : مَاذَا عَمِلْتُمْ فِيمَا عَلِمْتُمْ ؟ قَالَ : فَقُلْنَا يَا رَبِّ قَصَّرْنَا وَأَسَأْنَا ، قَالَ : فَأَعَادَ السُّؤَالَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِالْجَوَابِ وَأَرَادَ جَوَابًا غَيْرَهُ ، فَقُلْتُ : أَمَّا أَنَا فَلَيْسَ فِي صَحِيفَتِي الشِّرْكُ ، وَقَدْ وَعَدْتَ أَنْ تَغْفِرَ مَا دُونَهُ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ . وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ وَقِيلَ كَانَ رَجُلٌ شِرِّيبٌ : جَمَعَ قَوْمًا مِنْ نُدَمَائِهِ : وَدَفَعَ إِلَى غُلَامِهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنَ الْفَوَاكِهِ لِلْمَجْلِسِ : فَمَرَّ الْغُلَامُ بِبَابِ مَجْلِسِ مَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَهُوَ يَسْأَلُ لِفَقِيرٍ شَيْئًا ، وَيَقُولُ : مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ دَعَوْتُ لَهُ أَرْبَعَ دَعَوَاتٍ ، قَالَ : فَدَفَعَ الْغُلَامُ إِلَيْهِ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ مَنْصُورٌ : مَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ لَكَ فَقَالَ : لِي سَيِّدٌ أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهُ فَدَعَا مَنْصُورٌ وَقَالَ : الْأُخْرَى قَالَ أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ دَرَاهِمِي فَدَعَا ثُمَّ قَالَ : الْأُخْرَى، قَالَ أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي فَدَعَا ثُمَّ قَالَ : الْأُخْرَى فَقَالَ : أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلِسَيِّدِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ : فَدَعَا مَنْصُورٌ فَرَجَعَ الْغُلَامُ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ : لِمَ أَبْطَأْتَ ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، قَالَ وَبِمَا دَعَا ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ لِنَفْسِي الْعِتْقَ : فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ قَالَ : وَأَيْشِ الثَّانِي : قَالَ : أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيَّ الدَّرَاهِمَ قَالَ لَكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَأَيْشِ الثَّالِثُ ؟ قَالَ : أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، قَالَ : تُبْتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : وَأَيْشِ الرَّابِعُ ؟ قَالَ : أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي وَلَكَ وَلِلْقَوْمِ : قَالَ : هَذَا الْوَاحِدُ لَيْسَ إِلَيَّ فَلَمَّا بَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا كَانَ إِلَيْكَ أَفْتَرَى أَنِّي لَا أَفْعَلُ مَا إِلَيَّ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلِلْغُلَامِ وَلِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ وَلِلْقَوْمِ الْحَاضِرِينَ أَجْمَعِينَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ ثَلَاثَةً مِنَ الرِّجَالِ وَامْرَأَةً ، يَحْمِلُونَ جِنَازَةً ، قَالَ : فَأَخَذْتُ مَكَانَ الْمَرْأَةِ ، وَذَهَبْنَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهَا ، وَدَفَنَّا الْمَيِّتَ ، فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ : مَنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ مِنْكِ ؟ قَالَتْ : ابْنِي ، قُلْتُ : وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ جِيرَانٌ قَالَتْ : بَلَى ، وَلَكِنْ صَغَّرُوا أَمْرَهُ قُلْتُ : وَأَيْشِ كَانَ هَذَا ؟ قَالَتْ : مُخَنَّثًا قَالَ : فَرَحِمْتُهَا وَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى مَنْزِلِي ، وَأَعْطَيْتُهَا دَرَاهِمَ ، وَحِنْطَةً ، وَثِيَابًا ، قَالَ : فَرَأَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَأَنَّهُ أَتَانِي آتٍ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ ، فَجَعَلَ ، يَتَشَكَّرُنِي فَقُلْتُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : الْمُخْنِثُ الَّذِي دَفَنْتُمُونِي الْيَوْمَ رَحِمَنِي رَبِّي بِاحْتِقَارِ النَّاسِ إِيَّايَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمَ الْأُطْرُوشَ كُنَّا قُعُودًا بِبَغْدَادَ مَعَ مَعْرُوفِ الْكَرْخِيِّ عَلَى دِجْلَةَ إِذْ مَرَّ أَحْدَاثٌ : فِي زَوْرَقٍ : يَضْرِبُونَ بِالدُّفِّ ، وَيَشْرَبُونَ وَيَلْعَبُونَ فَقَالُوا لِمَعْرُوفٍ : أَمَا تَرَاهُمْ يَعْصُونَ اللَّهَ مُجَاهِرِينَ ، ادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : : إِلَهِي كَمَا فَرَّحْتَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَفَرِّحْهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : إِذَا فَرَّحَهُمْ فِي الْآخِرَةِ تَابَ عَلَيْهِمْ وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : يَا رَبِّ وَأَيُّ أَهْلِ دَهْرٍ : لَمْ يَعْصُوكَ ثُمَّ كَانَتْ نِعْمَتُكَ عَلَيْهِمْ سَابِغَةً : وَرِزْقُكَ عَلَيْهِمْ دَارًّا : سُبْحَانَكَ مَا أَحْلَمَكَ ! وَعِزَّتِكَ إِنَّكَ لِتُعْصَى ثُمَّ تُسْبِغُ النِّعْمَةَ ، وَتُدِرُّ الرِّزْقَ ، حَتَّى كَأَنَّكَ يَا رَبَّنَا لَا تَغْضَبُ . وَمِنَ الرَّجَاءِ شِدَّةُ الشَّوْقِ إِلَى مَا شَوَّقَ إِلَيْهِ الْكَرِيمُ، وَسُرْعَةُ التَّنَافُسِ فِي كُلِّ نَفِيسٍ نَدَبَ إِلَيْهِ الرَّحِيمُ، وَالْأَخْبَارُ فِي حَقِيقَةِ الرَّجَاءِ تَزِيدُ الْمُغْتَرِّينَ اغْتِرَارًا، وَتَزِيدُ الْمُسْتَدْرَجِينَ بِالسِّتْرِ وَالنِّعَمِ خَسَارًا، وَهُوَ مَزِيدُ التَّوَّابِينَ الصَّادِقِينَ، وَقُرَّةُ عَيْنٍ لِلْمُحِبِّينَ الْمُخْلِصِينَ، وَسُرُورٌ لِأَهْلِ الْكَرَمِ وَالْحَيَاءِ، وَرَوْحٌ وَارْتِيَاحٌ لِذَوِي الْعِصْمَةِ وَالْوَفَاءِ، يَنْصَعُ بِهِ كَرَمَهُمْ، وَيَشْتَدُّ عِنْدَهُ حَيَاؤُهُمْ، وَتَرْتَاحُ إِلَيْهِ عُقُولُهُمْ، فَهَؤُلَاءِ يَسْتَخْرِجُ مِنْهُمُ الرَّجَاءُ وَحُسْنُ الظَّنِّ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا لَا يَسْتَخْرِجُهُ الْخَوْفُ، إِنَّ الْمَخَاوِفَ تَقْطَعُ عَنْ أَكْثَرِ الْمُعَامَلَاتِ فَصَارَ الرَّجَاءُ طَرِيقًا لِأَهْلِهِ، وَصَارُوا وَاجِدِينَ بِهِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَحِمَ اللَّهُ صُهَيْبًا لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ. أَيْ يَتْرُكُ الْمَعَاصِيَ لِلرَّجَاءِ لَا لِلْخَوْفِ، فَصَارَ الرَّجَاءُ طَرِيقَهُ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الرَّاجُونَ حَقًّا، وَهَذِهِ عَلَامَتُهُمْ، وَلِمِثْلِ هَؤُلَاءِ ذَكَرْنَا الْأَسْبَابَ الَّتِي تُوجِبُ الرَّجَاءَ، وَتُوَلِّدُ حُسْنَ الظَّنِّ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الصَّفَاءِ، الْمَعْصُومِينَ مِنَ الْهَوَى، الْمُوَفَّقِينَ لِحُسْنِ خِدْمَةِ الْمَوْلَى . فَهَذِهِ جُمَلُ أَحْكَامِ الرَّجَاءِ، وَأَوْصَافِ الرَّاجِينَ، فَمَنْ تَحَقَّقَ بِجَمِيعِهَا فَقَدِ اسْتَحَقَّ دَرَجَاتِ أَهْلِ الرَّجَاءِ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَمَنْ كَانَ فِيهِ وَصْفٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فَلَهُ مَقَامٌ مِنَ الرَّجَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَقَامَاتِ الْيَقِينِ لَا يُزِيلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حَالٌ مِنْهَا عَنْ وَجْدِ مُشَاهَدَتِهِ وُصِفَ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَقَّ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَقَامَاتِ فِيهِ، وَمَنْ عَمِلَ بِشَرْطِ مَقَامٍ مِنْهَا فَقَامَ بِحُكْمِ اللَّهِ فِيهِ نُقِلَ إِلَى مَا سِوَاهُ، وَكَانَ الْمَقَامُ الْأَوَّلُ لَهُ عِلْمًا، وَالثَّانِي الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ لَهُ وَجْدًا، فَكَتَمَ الْوَجْدَ لِأَنَّهُ سِرُّهُ، وَعَبَّرَ عَنِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ قَدْ جَاوَزَهُ، فَصَارَ عَلَانِيَتَهُ. وَمَقَامُ الرَّجَاءِ هُوَ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ يَسْتَخْرِجُ مِنْ بَعْضِ الْعِبَادِ مَا لَا يَسْتَخْرِجُ غَيْرَهُ لِأَنَّ بَعْضَ الْقُلُوبِ تَلِينُ وَتَسْتَجِيبُ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ، وَيُقْبِلُ وَيَطْمَئِنُّ مُعَامَلَةَ النِّعَمِ وَالِامْتِنَانِ مَا لَا يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْهَا عِنْدَ التَّخْوِيفِ وَالتَّرْهِيبِ بَلْ قَدْ يَقْطَعُهَا ذَلِكَ وَيُوحِشُهَا؛ إِذْ قَدْ جَعَلَ الرَّجَاءَ طَرِيقَهَا، فَوُجِدَتْ فِيهِ قُلُوبُهَا. إِلَى هُنَا انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْقُوتِ، وَقَدْ حَذَفْتُ مِنْهَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً . وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي الرِّسَالَةِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ، وَأُسْنِدَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فَرَأَيْتُ عِنْدَهُ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ قُلْتُ لِشَهْرٍ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ زَوِّدْنِي زَوَّدَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَتْنِي عَمَّتِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي مَا عَبَدْتَنِي وَرَجَوْتَنِي وَلَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا غَفَرْتُ لَكَ مَا كَانَ مِنْكَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتَنِي بِمَلْءِ الْأَرْضِ خَطَايَا وَذُنُوبًا اسْتَقْبَلْتُكَ بِمِثْلِهِنَّ مَغْفِرَةً فَأَغْفِرُ لَكَ وَلَا أُبَالِي. وَتَكَلَّمُوا فِي الرَّجَاءِ فَقَالَ شَاهٌ الْكِرْمَانِيُّ: عَلَامَةُ الرَّجَاءِ حُسْنُ الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: الرَّجَاءُ هُوَ ثِقَةُ الْجُودِ مِنَ الْقَدِيمِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّظَرُ إِلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ: مَا عَلَامَةُ الرَّجَاءِ فِي الْعَبْدِ؟ قَالَ: أَنْ يَكُونَ إِذَا أَحَاطَ بِهِ الْإِحْسَانُ أُلْهِمَ الشُّكْرَ رَاجِيًا لِتَمَامِ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَتَمَامِ عَفْوِهِ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خَفِيفٍ: الرَّجَاءُ اسْتِبْشَارٌ بِوُجُودِ فَضْلِهِ، وَقِيلَ: ارْتِيَاحُ الْقُلُوبِ لِرُؤْيَةِ كَرَمِ الْمَرْجُوِّ الْمَحْبُوبِ، وَقِيلَ: هُوَ رُؤْيَةُ الْجَلَالِ بِعَيْنِ الْجَمَالِ، وَقِيلَ: هُوَ قُرْبُ الْقَلْبِ مِنْ مُلَاطَفَةِ الرَّبِّ، وَقِيلَ: سُرُورُ الْفُؤَادِ بِحُسْنِ الْمَعَادِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: إِلَهِي أَحْلَى الْعَطَايَا فِي قَلْبِي رَجَاؤُكَ، وَأَعْذَبُ الْكَلَامِ عَلَى لِسَانِي ثَنَاؤُكَ، وَأَحَبُّ السَّاعَاتِ إِلَيَّ سَاعَةٌ يَكُونُ فِيهَا لِقَاؤُكَ. وَكَلَّمُوا ذَا النُّونِ الْمِصْرِيَّ وَهُوَ فِي النَّزْعِ فَقَالَ: لَا تَشْغَلُونِي فَقَدْ تَعَجَّبْتُ مِنْ كَثْرَةِ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى مَعِي. وَأُسْنِدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَضْحَكُ مِنْ يَأْسِ الْعِبَادِ وَقُنُوطِهِمْ، وَقُرْبِ الرَّحْمَةِ مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيَضْحَكُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ؟! قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيَضْحَكُ، فَقَالَ لَا يُعْدِمُنَا خَيْرًا إِذَا ضَحِكَ. وَرُؤِيَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَبِّي بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ مَحَاهَا عَنِّي حُسْنُ ظَنِّي بِاللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: كَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يُقَاتِلُ عِلْجًا مَرَّةً، فَدَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِلْجِ، فَاسْتَمْهَلَهُ فَأَمْهَلَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ لِلشَّمْسِ أَرَادَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، فَسَمِعَ مِنَ الْهَوَاءِ قَائِلًا يَقُولُ: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ، فَأَمْسَكَ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْمَجُوسِيُّ قَالَ: لِمَ أَمْسَكْتَ عَمَّا هَمَمْتَ بِهِ، فَذَكَرَ لَهُ مَا سَمِعَ، فَقَالَ الْمَجُوسِيُّ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبٌّ يُعَاتِبُ وَلِيَّهُ فِي عَدُوِّهِ، وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَوْقَعَهُمْ فِي الذَّنْبِ حِينَ سَمَّى نَفْسَهُ عَفُوًّا، وَقِيلَ: لَوْ قَالَ لَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ لَمْ يُذْنِبْ مُسْلِمٌ قَطُّ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ طَمِعُوا فِي مَغْفِرَتِهِ . وَقِيلَ: حَجَّ رِيَاحٌ الْقَيْسِيُّ حَجَّاتٍ كَثِيرَةً، فَقَالَ يَوْمًا وَقَدْ وَقَفَ تَحْتَ الْمِيزَابِ: إِلَهِي وَهَبْتُ مِنْ حَجَّاتِي كَذَا وَكَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَشْرَةً مِنْ أَصْحَابِهِ الْعَشْرَةِ، وَاثْنَتَيْنِ مِنْ وَالِدِي، وَالْبَاقِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَحْبِسْ شَيْئًا لِنَفْسِهِ، فَسَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ: يَا هَذَا تَتَسَخَّى عَلَيْنَا؟! لَأَغْفِرَنَّ لَكَ وَلِأَبَوَيْكَ وَلِمَنْ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ. سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ يَقُولُ: مَرَّ أَبُو عَمْرٍو الْبَيْكَنْدِيُّ يَوْمًا بِسِكَّةٍ فَرَأَى قَوْمًا أَرَادُوا إِخْرَاجَ شَابٍّ مِنَ الْمَحَلَّةِ لِفَسَادِهِ، وَامْرَأَةً تَبْكِي، فَقِيلَ إِنَّهَا أُمُّهُ، فَرَحِمَهَا أَبُو عَمْرٍو، فَتَشَفَّعَ لَهُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: هَبُوهُ مِنِّي فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى فَسَادِهِ فَشَأْنُكُمْ وَإِيَّاهُ، فَوَهَبُوهُ مِنْهُ، فَمَضَى أَبُو عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ اجْتَازَ بِتِلْكَ السِّكَّةِ فَسَمِعَ بُكَاءَ الْعَجُوزِ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ الْبَابِ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَعَلَّ الشَّابَّ عَادَ إِلَى فَسَادِهِ فَنُفِيَ مِنَ الْمَحَلَّةِ، فَدَقَّ عَلَيْهَا الْبَابَ وَسَأَلَهَا عَنْ حَالِ الشَّابِّ، فَخَرَجَتِ الْعَجُوزُ وَقَالَتْ إِنَّهُ مَاتَ، فَسَأَلَهَا عَنْ حَالِهِ، فَقَالَتْ: لَمَّا قَرُبَ أَجَلُهُ قَالَ لِي: لَا تُخْبِرِي الْجِيرَانَ بِمَوْتِي؛ فَلَقَدْ آذَيْتُهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ سَيَشْتِمُونِي وَلَا يَحْضُرُونَ جِنَازَتِي، فَإِذَا دَفَنْتِينِي؛ فَهَذَا خَاتَمٌ لِي مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَادْفِنِيهِ مَعِي، فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْ دَفْنِي تَشَفَّعِي لِي إِلَى رَبِّي، قَالَتْ: فَفَعَلْتُ وَصِيَّتَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَنْ رَأْسِ قَبْرِهِ سَمِعَتْ صَوْتَهُ يَقُولُ: انْصَرِفِي يَا أُمَّاهُ؛ فَقَدْ قَدِمْتُ عَلَى رَبٍّ كَرِيمٍ. انْتَهَى كَلَامُ الْقُشَيْرِيِّ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية