الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                7363 ص: فلما اختلفوا في ذلك وجب الكشف عما اختلفوا فيه؛ لنستخرج من هذه الأقوال قولا صحيحا، فرأينا الصدقة لا تخلو من أحد وجهين: إما أن تكون حراما لا يحل منها إلا ما يحل من الأشياء المحرمات عند الضرورة إليها، أو تكون تحل إلى أن يملك مقدارا من المال الحرام فتحرم على مالكه، فرأينا من ملك دون ما يغديه أو دون ما يعشيه كانت الصدقة له حلالا باتفاق الفرق كلها، فخرج بذلك حكمها من حكم الأشياء المحرمات التي تحل عند الضرورة، ألا ترى أن من اضطر إلى الميتة أي الذي يحل له منها هو ما يمسك به نفسه لا ما يشبعه، حتى تكون له غداء أو حتى تكون له عشاء، فلما كان الذي يحل له من الصدقة هو بخلاف ما يحل من الميتة عند الضرورة، ثبت أنها إنما تحرم على مالك مقدار، فأردنا أن ننظر في ذلك المقدار ما هو؟ فرأينا من ملك دون ما يغدي أو دون ما يعشي لم يكن بذلك غنيا وكذلك من ملك أربعون درهما أو خمسين درهما أو ما هو دون مائتي درهم، فإذا ملك مائتي درهم كان بذلك غنيا؛ لأن رسول الله -عليه السلام- قال لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - في الزكاة: "خذها من أغنيائهم واجعلها في فقرائهم" فعقلنا بذلك أن مالك المائتين غني، وأن مالك ما دونها غير غني، فثبت بذلك أن الصدقة حرام على مالك المائتي درهم فصاعدا، وأنها حلال لمن يملك ما دون ذلك، وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، -رحمهم الله-.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي فلما اختلف أصحاب هذه المقالات الأربع في الحكم المذكور، وجب الكشف عن جهة اختلافهم فيه حتى يستخرج من أقوالهم القول الصحيح الذي يعتمد عليه، وبين ذلك بقوله: "فرأينا الصدقة...إلى آخره" وكل ذلك ظاهر، [ ص: 549 ] غير أن ابن حزم اعترض فيه بشيء لا يرد أصلا، وملخص ما قاله: أن لا حجة لهم فيما ذكروا من وجوه:

                                                الأول: أنهم يقولون بالزكاة على من له خمس من الإبل أو أربعون شاة، فمن أين وقع لهم أن يجعلوا حد الغنى بمائتي درهم دون خمس من الإبل أو دون أربعين شاة؟!

                                                الثاني: أنه يلزمهم أن من له الدور العظيمة والجوهر ولا يملك مائتي درهم أن يكون فقيرا يحل له أخذ الصدقة.

                                                الثالث: أنه ليس في قوله -عليه السلام-: "تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" دليل ولا نص بأن الزكاة لا تؤخذ إلا من غني ولا ترد إلا على فقير، وإنما فيه أنها تؤخذ من الأغنياء وترد إلى الفقراء فقط، وتؤخذ أيضا بنصوص أخرى من المساكين الذين ليسوا أغنياء، وترد على أغنياء كثيرين كالعامل، والغارمين، والمؤلفة قلوبهم، وفي سبيل الله، وفي ابن السبيل وإن كان غنيا في بلده؛ فهذه خمس طبقات أغنياء لهم حق في الصدقة، وتؤخذ الصدقة من المسكين الذي ليس له إلا خمس من الإبل وله عشرة من العيال، وممن لم يصب إلا خمسة أوسق لعلها لا تساوي خمسين درهما، وله عشرة من العيال في عام سنة.

                                                قلت: هذه كلها تخاليط صادرة عن غير ترو:

                                                الأول: أن قولهم: إن مالك المائتي درهم هو غني، ليس المراد منه أن يملك عين المائتين حتى يعد غنيا، بل الغني هو الذي يملك مائتي درهم أو ما يساوي مائتي درهم؛ فإنه يصير بذلك غنيا فتحرم عليه الصدقة، ألا ترى إلى ما قال في الحديث: "وله عدل خمس أواق" أي وله ما يساوي مائتي درهم، ومن ملك خمسا من الإبل السائمة وأربعين شاة يصير غنيا فتحرم عليه الصدقة وتجب عليه الزكاة.

                                                الثاني: أن من له الدور العظيمة إذا لم يملك مائتي درهم وكان محتاجا إلى المسكن في دوره لا يصير به غنيا، فيجوز له أخذ الصدقة وقد روي عن الحسن أنه قال: "يعطى من الصدقة الواجبة من له الدار والخدم إذا كان [ ص: 550 ] محتاجا". وعن إبراهيم نحو ذلك، وعن سعيد بن جبير: "يعطى منها من له الفرس والدار والخدم". وعن مقاتل بن حيان: "يعطى منها من له العطاء في الديوان وله فرس". وهذا كله إذا كانت هذه الأشياء صاحبها محتاجا إليها، حتى إذا كان غني عنها فاضلا عن حاجته الأصلية، وكان يساوي مائتي درهم يعد بذلك غنيا، فتحرم عليه الصدقة حينئذ، وأما الجوهر فلا يشبه هذه الأشياء؛ لأنه أعز الأموال وأنفسها، وليس هو من الحوج الأصلية، فصاحبه يعد غنيا إذا كان يساوي نصابا.

                                                والثالث: تخليط أعظم من الأولين؛ وذلك لأن الذين عندهم أغنياء كالعامل ونحوه، ثم قال: تصرف إليهم الزكاة وهم أغنياء فليس كذلك.

                                                أما العامل فلأنه لا تصرف إليه الزكاة لكونه فقيرا بل لأجل عمله حتى لا تصرف إليه إلا مقدار عمله، فيصير هذا في نفس الأمر جعالة إلا إذا كان العامل فقيرا، فحينئذ تصرف إليه أكثر من عمله.

                                                وأما الغارم فهو المديون المستغرق وهو فقير بل أشد الفقراء.

                                                وأما المؤلفة قلوبهم فقد سقطوا عن الزكاة، وأما الذي في سبيل الله فهو إما منقطع الحاج، أو منقطع الغزاة، وكل منهما في ذلك الوقت فقير محتاج.

                                                وأما ابن السبيل، فإنه فقير بلا شك، وإن كان غنيا بالنسبة إلى ماله الغائب عنه.

                                                وأما الذين عندهم فقراء ثم قال: تؤخذ منهم الزكاة فليس كذلك؛ لأن من له خمس من الإبل السائمة أو خمسة أوسق تجب عليه الزكاة، فكيف يكون فقيرا؟! والفقير من لا شيء له أو من له أدنى شيء؟ وهذا معه نصاب شرعي، فكيف يعد فقيرا؟ ولو كان عنده عائلة مستكثرة، ألا ترى أنه لا تسقط عنه الزكاة لكثرة عياله؛ فافهم.




                                                الخدمات العلمية