الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 533 ] وتصدق بما غش [ ص: 534 ] ولو كثر ، إلا أن يكون اشترى كذلك ، إلا العالم ليبيعه كبل الخمر بالنشاء

التالي السابق


( وتصدق ) بضم الفوقية والصاد المهملة و كسر الدال مثقلة جوازا ( بما غش ) بضم الغين المعجمة وشد الشين ، أي أحدث فيه الغش وأعد لغش الناس به فيحرم بيعه . الحط لا يجب فسخ بيع الغش اتفاقا قاله ابن عرفة ، ويتصدق به على من علم أنه لا يغش به أدبا للغاش لخبر { من غشنا فليس منا } ، فإن أحدث فيه الغش لغير بيعه أو لبيعه مبينا غشه ممن يؤمن غشه به أو يشك فيه فلا يتصدق به . فإن باعه لمن لا يغش به بلا بيان فللمشتري التمسك به والرجوع بما بين الصحة والغش إن علم قدره وإلا فسد بيعه ، وأفهم قوله تصدق بما غش أنه لا يكسر الخبز ولا يراق اللبن ، وطرح عمر له في الأرض اجتهاد منه " رضي الله عنه " لم يوافقه عليه الإمام ، وحمل على القليل . أبو الحسن ولا قائل بجواز إراقة الكثير . البناني هذا هو المشهور ، وقيل يراق اللبن ويحرق الملاحف الرديئة قاله ابن العطار وأفتى به ابن عتاب . وقيل تقطع خرقا وتعطى للمساكين قاله ابن عتاب . وقيل لا يحل الأدب في مال امرئ مسلم . ابن ناجي هذا الخلاف في نفس المغشوش . ، وأما لو زنى رجل مثلا فإنه لا قائل فيما علمت أنه يؤدب بالمال ، وما يفعله الولاة فهو جور لا شك فيه ا هـ . وقال الونشريسي العقوبة بالمال نص العلماء على أنها لا تجوز بحال ، وفتوى البرزلي بتحليل المغرم الملقب بالخطأ لم يزل الشيوخ يعدونها من الخطأ ، ويقبضون عن متابعتها الخطأ . والخلاف في طرح المغشوش والتصدق به وحرق الملاحف الرديئة النسج . وشبه ذلك إنما هو من باب العقوبة في المال لا من العقوبة به ، ومنه التصدق بأجرة المسلم نفسه للكافر على عصر خمر أو رعي خنزير وثمن خيل وسلاح مبيع لمن يقاتل بها المسلمين . وما روي عن مالك " رضي الله عنه " من حرق بيت الخمار فهو شاذ وراجع لذلك ; لأن المراد البيت الذي يباع فيه الخمر فهي عقوبة في المال الذي عصى الله تعالى فيه . واستحسان البرزلي إغرام مرسل البهائم في الكرم شيئا جار على مذهبه ، إلا أن يكون ما يغرمه قدر ما [ ص: 534 ] أتلفته البهائم فيكون من باب غرم المتلف لا من باب العقوبة بالمال ا هـ .

ويجوز التصدق بالمغشوش إن لم يكثر ، بل ( ولو كثر ) المغشوش قاله مالك " رضي الله عنه " وأشار بولو لقول ابن القاسم لا يتصدق بالكثير ، ويؤدب صاحبه ويترك له إن أمن غشه به ، وإلا بيع لمن يؤمن . الحط قول ابن القاسم أحسن من قول مالك رضي الله تعالى عنهما ; لأن الصدقة به من العقوبة والعقوبة بالمال كانت في أول الإسلام ثم نسخت وصارت في البدن ، فقول ابن القاسم أولى بالصواب والقياس أن لا يتصدق بكثير ولا قليل . واستثنى من تصدق بما غش فقال ( إلا أن يكون ) المغشوش ( اشتري ) بضم الفوقية وكسر الراء ( كذلك ) أي مغشوشا فلا يتصدق به ولا ينزع منه ، ولكن لا يمكن من بيعه ، واستثنى من اشتري كذلك فقال ( إلا ) الشخص ( العالم ) بغشه يشتريه ( ليبيعه ) أي المغشوش غاشا به فيتصدق به عليه . ومفهوم ليبيعه أنه إن اشتراه ليأكله أو يدخره فلا يتصدق به عليه ، ومثل للغش فقال ( كبل ) بفتح الموحدة وشد اللام ( الخمر ) بضم الخاء المعجمة والميم جمع خمار بكسرها ما تخمر به المرأة رأسها من خز أو حرير أو غيرهما ( بالنشا ) بكسر النون وإعجام الشين أي الصمغ والعجين ونحوهما . ابن رشد فإن علم المشتري ببلها بالنشا وأنه يصفقها ويشدها فلا كلام له ، وإن لم يعلم ذلك فله الخيار بين ردها والتمسك بها ، فإن فاتت ردت إلى القيمة إن كانت أقل من الثمن ، وكذا إن علم بلهابه ولم يعلم أنه يشدها ، وهذا نحو قول ابن حبيب ما يصنعه الحاكة من تصميغ الديباج غش ; لأنه وإن كان لا يخفى على المشتري فقد يخفى عليه قدر ما أحدث فيها من الشدة والصفاقة والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث