الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الركن الرابع الصيغة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 316 ] الركن الرابع : الصيغة ، فلا بد في الوصاية من الإيجاب ، بأن يقول : أوصيت إليك ، أو فوضت ، أو أقمتك مقامي ، ونحو ذلك ، ويجوز فيها التوقيت كما سبق من جواز التعليق ، وذلك كقوله : أوصيت إليك سنة ، أو إلى أن يبلغ ابني فلان ، أو أوصى إلى زوجته إلى أن تتزوج .

وأما القبول ، فالمذهب اشتراطه ، وأشار بعضهم إلى خلاف فيه . وهل يقوم عمل الوصي مقام لفظ قبوله ؟ وجهان . وكل هذا مأخوذ من الوكالة ، ولا يشترط القبول في حياة الموصي . فلو قيل في حياته ، لم يعتد به على الأصح . كما لو أوصى بمال ، يشترط القبول بعد الموت . وقيل : يعتد به ، كما لو وكله بعمل يتأخر ، يصح القبول في الحال . والرد في حياة الوصي على هذين الوجهين . فعلى الأول ، لو رد في حياته ، ثم قبل بعد موته ، جاز ، ولو رد بعد الموت ، لغت الوصاية .

فرع

إن فصل فقال : أوصيت إليك في قضاء ديوني وتنفيذ وصاياتي والتصرف في أموال أطفالي والقيام بمصالحهم ، أو ذكر بعض هذه الأعمال ، فذاك ، وإن اقتصر على قوله : أوصيت إليك ، أو أقمتك مقامي في أمر أطفالي ، ولم يذكر التصرف ، فثلاثة أوجه . أصحها : له التصرف والحفظ اعتمادا على العرف . والثاني : ليس له إلا الحفظ تنزيلا على الأقل . والثالث : لا تصح الوصاية حتى يبين ما فوضه إليه . ولو اقتصر على قوله : أوصيت إليك ، فباطلة قطعا .

[ ص: 317 ] فرع

لو اعتقل لسانه ، فأوصى بالإشارة المفهمة ، أو قرئ عليه كتاب الوصاية ، فأشار برأسه أن نعم ، صحت الوصاية كالأخرس .

فرع

أوصى إليه في تصرف ، لا يتعداه .

فرع

يجوز أن يوصي إلى اثنين فصاعدا ، وأن يوصي إلى واحد وينصب عليه مشرفا ، ولا يتصرف الوصي إلا بإذنه . ثم إذا أوصى إلى اثنين ، إن كانت في رد الودائع أو الغصوب والعواري وتنفيذ الوصية المعينة وقضاء الدين الذي في التركة من جنسه ، فلكل منهما الانفراد به ؛ لأن صاحب الحق مستقل في هذه الصور بالأخذ . هكذا نقل البغوي وغيره ، وهذا أحد المواضع التي صرحوا فيها بجريان الوصاية في رد الغصوب والعواري ، خلاف ما قالته تلك الطائفة . ثم وقوع المدفوع موقعه ، وعدم الرد والنقص عند انفراد أحدهما ، بين ، لكن تجويز الانفراد ليس ببين ، فإن تصرفهما في هذه الأموال مستفاد بالوصاية ، فليكن بحسبها ، ولتجئ فيه الأحوال التي سنذكرها إن شاء الله تعالى في سائر التصرفات ، وستجد في كلام الأصحاب ما هو كالصريح فيما ذكرته .

وإن كانت الوصاية في تفرقة الثلث وأمور الأطفال والتصرف في أموالهم ، فلها أحوال .

[ ص: 318 ] أحدها : أن يثبت الاستقلال لكل واحد فيقول : أوصيت إليكما ، أو إلى كل منكما ، أو يقول : كل واحد منكما وصيي في كذا ، قال أبو الفرج الزاز : أو يقول : أنتما وصياي في كذا ، فلكل منهما الانفراد بالتصرف .

وإذا مات أحدهما أو جن أو فسق ، أو لم يقبل الوصاية ، كان للآخر الانفراد . وإن ضعف نظر أحدهما ، فللآخر الانفراد ، وللحاكم أن يضم إلى ضعيف النظر من يعينه .

الثاني : أن يشترط اجتماعهما على التصرف ، فليس لواحد منهما الانفراد . فإن انفرد ، لم ينفذ البيع والشراء والإعتاق ، ويضمن ما أنفق . فإن مات أحدهما ، أو جن ، أو فسق ، أو غاب ، أو لم يقبل الوصية ، نصب الحاكم بدلا عنه ليتصرف مع الآخر . وهل له إثبات الاستبداد للآخر ؟ وجهان . أصحهما : له . ولو ماتا جميعا ، فهل للحاكم نصب واحد ؟ أم لا بد من اثنين ؟ فيه الوجهان . قال إمام الحرمين : وليس المراد من اجتماعهما على التصرف تلفظهما بصيغ العقود معا ؛ بل المراد صدوره عن رأيهما ، ثم لا فرق بين أن يباشر أحدهما أو غيرهما بإذنهما .

الثالث : أن يطلق قوله : أوصيت إليكما ، فهو كالتقييد بالاجتماع ؛ لأنه المتيقن .

فصل

قال : أوصيت إلى زيد ، ثم قال :

[ أوصيت ] إلى عمرو
، لم يكن عزلا لزيد ، ثم إن قبلا ، فهما شريكان ، وليس لأحدهما الانفراد بالتصرف على الصحيح ، وبه قطع المتولي وقال البغوي : ينفرد ، وهو ضعيف . ولو قبل أحدهما فقط ، انفرد بالتصرف .

ولو قال لعمرو : ما أوصيت به إلى زيد قد أوصيت به إليك ، فهو رجوع . ولو قال لزيد : ضممت إليك عمرا ، أو قال لعمرو : ضممتك إلى زيد ، فإن قبل عمرو دون زيد لم ينفرد بالتصرف ، بل يضم القاضي إليه أمينا ، وينبغي أن يجيء [ ص: 319 ] في استقلاله الوجهان . وإن قبل زيد دون عمرو ، فالذي ذكره الغزالي والمتولي ، أنه ينفرد بالتصرف ، وفيه نظر ، وإن قبلا جميعا ، فقال الغزالي : هما شريكان ، ويشبه أن يقال : زيد وصيي ، وعمرو مشرف .

فرع

أوصى إلى شخصين ، فاختلفا في التصرف ، نظر ، إن كانا مستقلين ، وقال كل واحد : أنا أتصرف ، حكى الشيخ أبو حامد : أنه يقسم فيتصرف كل واحد في نصفه ، فإن كان مما لا ينقسم ، ترك بينهما حتى يتصرفا فيه .

وقال غيره : لا حاصل لهذا الاختلاف ، ومن سبق نفذ تصرفه . وإن لم يكونا مستقلين ، أمرهما الحاكم بما رآه مصلحة . فإن امتنع أحدهما ، ضم القاضي إلى الآخر أمينا . وإن امتنعا ، أقام مقامهما أمينين ، ولا ينعزلان بالاختلاف ؛ بل الآخران نائبان عنهما . وإن اختلفا في تعيين من يصرف إليه من الفقراء ، عين القاضي من يراه . وإن اختلفا في الحفظ ، قسم ، ولكل واحد التصرف فيما في يده ويد صاحبه . وقيل : إن لم يكونا مستقلين ، لم ينفرد أحدهما بحفظ شيء .

والصحيح المنصوص الذي عليه الجمهور : أنه لا فرق . ثم إذا قسم ، وتنازعا في عين النصف المحفوظ ، أقرع على الأصح . وقيل : يعين القاضي . هذا إذا كان المتاع منقسما ، وإلا فيحفظانه معا بجعله في بيت يقفلانه ، أو برضاهما بنائب يحفظه من جهتهما ، وإلا فيتولى القاضي حفظه ، وكذا لو كان منقسما وقلنا : لا ينقسم عند عدم الاستقلال . ثم ذكر البغوي أن هذا التفصيل فيما إذا جعل إليهما التصرف واختلفا في الحفظ إلى التصرف . فأما إذا جعل الحفظ إلى اثنين ، فلا ينفرد أحدهما بحال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث