الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
المبحث الثالث: السلطات والامتيازات

تتمتع البنوك التقليدية بسلطات استثنائية خارجة عن قواعد القانون العامة؛ وذلك تمكينا لها من استيفاء حقوقها عند الضرورة وبالتالي حماية أموال المودعين لديها:

1– من هـذه السلطات مثلا حق البنك في إقفال حساب العميل وتصفية علاقته في أي وقت دون إبداء الأسباب، ويترتب على ذلك أن تحل الديون المؤجلة التي على العميل للبنك، وحق البنك في اقتضائها بالتنفيذ على ما لديه من ضمانات أو رهونات دون انتظار حلول أجلها.

هذا الحق في الفسخ من جانب واحد مخالف للأصول العامة في القانون من: احترام إرادة المتعاقدين عند الانتهاء كما هـي عند الابتداء، ويمثل سيفا مسلطا على رقاب العملاء يمكن أن يؤدي بهم إلى الخراب الأبدي في لحظة واحدة نتيجة هـذا القرار الذي يمكن أن يكون في الحقيقة له ما يبرره كما يمكن أن يكون تعسفيا، إذ إن البنك ليس ملزما ببيان الأسباب، وبالتالي فلا رقابة للقضاء عليه، ثم إنه عادة ما يحصل على توقيعات عملائه على العديد من الأوراق والشروط التي تبيح له ذلك، ويوقعها العميل دون أن يقرأها، ولو قرأها واعترض عليها طمأنه البنك إلى أنها مسألة روتينية وليس في نية البنك استخدامها، ويخضع العميل تحت تأثير هـذه الوعود الشفوية التي لا قيمة لها في مواجهة الشروط المكتوبة، وتحت إغراء القرض الذي يوشك أن يتسلمه من البنك إذا وقع هـذه الأوراق.

هذه السلطات من بقايا النظام الربوي الفردي، حين كان المرابي يستغل [ ص: 101 ] حاجة المقترضين ويفرض عليهم من الشروط ما ينتهي بها العميل إلى الإفلاس.

وجدير بالمحاكم إذا عرضت عليها هـذه الحالات أن تعاملها معاملة شروط الإذعان كما يحدث مع شروط ((بوالص)) التأمين التي تعفي المؤمن من التزامه أو تحد منها.

وأيا كان موقف القانون الوضعي من هـذه السلطات فهل يجوز للبنوك الإسلامية أن تحذو حذو البنوك التقليدية في هـذا الشأن؟

لكي تتضح الصورة نشير إلى أن الضرر الذي يقع في حالة حلول الدين المؤجل لعميل البنوك التقليدية محدود؛ لأن البنك لا يحتسب عليه من الفوائد إلا عن الفترة حتى تاريخ السداد المعجل دون بقية المدة التي كان الدين مؤجلا لها.

أما في حالة البنوك الإسلامية فإن معظم ديون العملاء هـي أثمان مبيعات بالمرابحة روعي في هـامش المرابحة المدة التي أجل لها السداد، ولا يجوز عند تعجيل الدفع الخط من الثمن بعدما حدد، بمعنى أن البنك الإسلامي إذا جاز له تصفية علاقته بعميله قبل حلول الأجل، فإنه يكون قد استوفى ثمن البيع الآجل الذي روعي فيه الأجل دون أن ينظر المشتري إلى الأجل المتفق عليه.

ولا شك أن هـذه صورة لا يرضاها القانون؛ فضلا عن العدالة والشريعة.

وحري بالسلطات التشريعية والمصرفية أن تراجع هـذا الوضع الذي يذكر بمرابي القرون الوسطى...

2 – من الامتيازات التي تملكها البنوك التقليدية كذلك الحماية الجزائية التي يسبغها القانون على الشيكات المسحوبة على البنوك بحيث يشكل سحب شيك دون رصيد أو إيقاف دفع شيك بعد سحبه جريمة يعاقب عليها القانون في معظم الدول، مع أن الشيك في وضعه القانوني العام لا يخرج عن كونه حوالة – من صاحب الحساب للمستفيد من الشيك – على البنك، ولا تتمتع الحوالات الأخرى بهذه الحماية الجزائية التي قصد القانون – باختصاص شيكات البنوك [ ص: 102 ] بها – إلى احترام الكافة لهذه الأداة من أدوات الوفاء.

وقياسا على هـذه السياسة التشريعية وامتدادا لها: هـل لنا أن نقترح إسباغ هـذه الحماية الجزائية على السندات الإذنية والكمبيالات حتى نعيد إلى الالتزامات التعاقدية في المسائل التجارية جديتها، ونختصر على المتقاضين كثيرا من الوقت والمال الذي يضيع في المطالبة بديون ثابتة لا تحتمل المماطلات التي تتيحها نظم التقاضي الحديثة؟

إن البنوك الإسلامية أحوج ما تكون إلى هـذه الحماية؛ زجرا للمتعاملين غير الجادين عن المماطلة في الوفاء بالتزاماتهم الثابتة، خاصة وأن البنك الإسلامي يفتقد عنصرا يتمتع به البنك التقليدي وغيره من الدائنين وهو اشتراط الغرامة التأخيرية أو طلب التعويض عن تأخر المدين في الوفاء، إذ إن الرأي الغالب بين الفقهاء المعاصرين أن الدائن يملك مطالبة مدينه القادر المماطل عما لحقه من خسارة محققة نتيجة التأخير في السداد، ولكن لا يملك المطالبة بالتعويض عما فاته من كسب، لذلك أصبحت البنوك الإسلامية ضحية للمماطلين الذين يعرفون نقطة الضعف هـذه ويستغلونها أبشع استغلال.

والمقصود بطبيعة الحال المدين القادر المماطل الذي ورد الحديث الشريف بشأنه: ( مطل الغني ظلم ) ؛ يبيح عقوبته وعرضه وليس المقصود المدين المعسر الذي أوضحت الآية الكريمة حكمه ( ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) ) سورة البقرة (280) وبيان التفرقة بين المعسر والمماطل القادر يحتاج إلى توضيح وضوابط عملية تسهل تطبيق هـذه الأحكام؛ إذ إن كثيرا مما يدعون الإعسار هـم ممن يتوسعون في أعمالهم فوق طاقتهم Overtrading مما يؤدي إلى اضطراب أحوالهم المالية، وليس لهذا النوع أبيح الإنظار إلى ميسرة؛ فميسرة هـؤلاء يفتحون بها أعمالا جديدة للإثراء غير المشروع على حساب الدائنين.

3 – لقد تنبه المشروع الباكستاني إلى هـذه الناحية فأصدر في 31 / 12/1984م، قانونين لحماية البنوك الإسلامية. [ ص: 103 ]

(أ) وبموجب أحدهما ((ويسمى قانون المحاكم المصرفية BanKing Tribunals Ordinance)) أنشئت محاكم خاصة لمعاونة المصارف في الحصول على حقوقها خلال مدة قصيرة (90 يوما عادة)، وتحتفظ المحاكم بالمبالغ المتنازع عليها أو ضمانة بها لحين انتهاء النزاع.

وقد أباح القانون لهذه المحاكم فرض العقوبات اللازمة في حالة تقديم بيانات خطأ للمحكمة.

وفي حالة تقديم البنك شكوى ضد أحد العملاء فإن المحكمة تعطي العميل مهلة عشرة أيام للرد على الشكوى، وفي حالة عدم الرد تصدر حكمها، وللعميل خلال (30) يوما من صدور الحكم طلب إلغائه إذا قدم أدلة كافية لإقناع المحكمة، وبيانا بالعذر الذي عاقه عن تقديم الرد خلال المهلة الأولى.

وفي حالة استطالة النزاع لأكثر من (90) يوما تطلب المحكمة من العميل تقديم مبلغ النزاع نقدا كأمانة، أو تقديم ضمان يغطيه، وذلك ما لم يتبين لها ألا يد له في تأخير فصل النزاع. وفي حالة طلب الأمانة وعدم تقديم العميل لها تصدر المحكمة حكمها لصالح البنك. وللبنك دائما سحب مبلغ الأمانة المودع بالمحكمة مقابل تعهد بإعادته في حالة طلبه.

ولمن صدر ضده حكم حق استئنافه أمام المحكمة العليا التي تنظره خلال (30) يوما بشرط أن يودع العميل المبلغ المحكوم عليه به. وتأمر المحكمة بتنفيذ الأحكام الصادرة عنها بناء على طلب المحكوم لصالحه، ولها في ذلك صلاحية المحكمة المدنية، كما أن لها إيقاف المدين المحكوم ضده وحجزه كوسيلة من وسائل التنفيذ.

كما أن للمحكمة في حالة تأخير تنفيذ الحكم الصادر عنها أكثر من (30) يوما، حق تقرير غرامة تأخير تدفع من المدين المحكوم عليه إلى البنك المتضرر. كما أن للبنك – بعد صدور الحكم لصالحه - التنفيذ [ ص: 104 ] مباشرة على الممتلكات التي تحتفظ بها كضمانة من عملائه سواء بالمزاد العلني أو البيع المباشر، ويقدم حسابا بذلك إلى المحكمة خلال (30) يوما.

ويمكن للمحكمة المعاقبة – بحد أقصى 5 سنوات حبسا – لمن يقوم عمدا بإهلاك أو نقل أو إنقاص قيمة الأملاك بالإضافة إلى فرض غرامة عليه، واتخاذ أي إجراء آخر يمكن اتخاذه ضده، وبذلك يمكن تعويض البنك عن مصاريف التقاضي والخسائر التي تكبدها؛ مع إلزام العميل برد الأملاك المرهونة أو التعويض عن قيمتها.

وفي حالة وقوع المخالفة من شخص معنوي فإن المسئولين التنفيذيين هـم الذي توجه إليهم العقوبات ما لم يثبتوا أنهم لم يكونوا مسئولين عن المخالفة.

(ب) أما القانون الثاني الذي صدر في 31 / 12/1984م لحماية البنوك ((ويسمى قانون الخدمات المصرفية والمالية BanKing And Financial Services Ordinance)) فقد تولى تعديل سبعة قوانين كما سبق البيان وأصبح للبنوك:

* حق تبادل المعلومات السرية فيما بينها عن عملائها؛ مع إعفائها من المسئولية طالما تم ذلك بحسن نية.

* حق تحويل تمويلها المؤقت لعملائها من الشركات إلى أسهم عادية في رأس مال هـذه الشركات.

ونرى – حماية للبنوك الإسلامية (مودعيها ومساهميها) من المماطلين – أن تتضمن القوانين المصرفية الخاصة بها هـذين الامتيازين:

(أ) الحماية الجزائية للسندات الإذنية والكمبيالات الصادرة لصالحها؛ أسوة بالشيكات.

(ب) إسباغ الصيغة التنفيذية بقوة القانون على الاتفاقات التي تبرمها البنوك؛ على النحو الذي بادرت إليه باكستان . /402 105

التالي السابق


الخدمات العلمية