الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم (التقليد والاجتهاد - النظرية والتطبيق)

الدكتور / جمال الدين عطية

المبحث السابع: المعاملات المستحدثة في المجال المصرفي كبدائل مشروعة للمعاملات المحرمة

بعض هـذه المعاملات المستحدثة قديم ومعروف في الفقه الإسلامي، ولكن الجديد فيه هـو إدخاله مجال المعاملات المصرفية، وبعضها الآخر هـو معاملات مستحدثة – حتى من وجهة النظر الفقهية الإسلامية – حيث لم ترد ضمن صيغ العقود التقليدية، ولكنها استحدثت في إطار النصوص العامة والقواعد الشرعية لاستنباط الأحكام المعروفة في أصول الفقه.

وبطبيعة الحال فقد بدأت البنوك الإسلامية باللجوء إلى الاجتهاد في استحداث عقود جديدة حتى ألحت الضرورة أحيانا والحاجة في معظم الأحيان لطرق باب الاجتهاد. [ ص: 153 ]

ومن ناحية أخرى فإن البنوك الإسلامية أعطت – بحكم الاعتبارات العملية – الأولوية لسد الثغرات الناجمة عن تحريم بعض المعاملات المصرفية وتأخر استخدام العقود التي تضيف جديدا في عالم المعاملات المصرفية ريثما تستكمل البنوك الإسلامية تغطية المساحات المتزايدة باستمرار من الخدمات التي تؤديها المصارف التقليدية.

ونظرا لأن أهم معاملات هـذه البنوك التقليدية إنما يتم في إطار عقد واحد – مهما اختلفت صوره – هـو عقد القرض بفائدة؛ سواء في علاقتها بالمودعين أو بالمقترضين فإن فرصة البنوك الإسلامية ومستقبل نشاطها أرحب وأكثر عطاء، إذ تتعدد لديها صيغ العلاقات، ولا تقف عند علاقة الدائن بالمدين التي تقتصر عليها البنوك التقليدية.

أولا: المضاربة

سبق أن تعرضنا بشيء من التفصيل في المبحث الأول من الفصل الأول للمشاكل التي اعترضت تطبيق صورة المضاربة .

وقد أصدر المشروع الباكستاني عند أسلمة النظام المصرفي قانونا خاصا لشركات المضاربة ينظم قيام الشركات المسموح لها بتلقي أموال الجمهور للعمل بها بطريقة المضاربة الشرعية، وقسم أنواع المضاربة إلى أربعة:

1 – مضاربة مستمرة متعددة الأغراض.

2 – مضاربة محدودة المدة متعددة الأغراض.

3 – مضاربة مستمرة محددة الأعراض.

4- مضاربة محددة المدة محددة الأغراض.

وتعد هـذه الشركات شهادات بالأموال التي تتلقاها شبيهة بشهادات الاستثمار المتقاسمة الأرباح، وجميع هـذه الأنواع إما أن تكون محددة رأس المال أو ذات رأس مال متغير.

كما صدر في الأردن قانون سندات المقارضة رقم 10 لسنة 1981م، والذي [ ص: 154 ] ينظم إصدار بعض المؤسسات العامة لشهادات قابلة للإهلاك (برد قيمتها) ويساهم أصحابها في أرباح المشروعات التي تستثمر فيها أموال هـذه الشهادات.

ثانيا: التمويل بالمشاركة في الربح والخسارة

تقتصر صيغة المضاربة على حالة تقديم التمويل من طرف والإدارة من الطرف الآخر، أما باقي صيغ المشاركة – سواء بالتمويل من الطرفين، أو بالعمل من الطرفين، أو بالضمان دون تمويل من الطرفين – فتنظمها صيغ أخرى في الفقه الإسلامي.

كما أن صيغة المضاربة ذاتها قد حاول المشرع الباكستاني أن يستبدل بها ما أسماه التمويل بالمشاركة في الربح والخسارة حتى يتحاشى بعض أحكام عقد المضاربة التي وجد عدم ملاءمتها لظروف العمل المصرفي كما أشرنا إلى ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول.

ولم تقتصر البنوك الإسلامية على استخدام صيغ المشاركة في صورة المساهمة الدائمة في رأس مال الشركات، وإنما امتد استخدامها لها إلى المشاركات المؤقتة التي تناسب طبيعة العمليات المحددة الأجل التي تحتاج إلى تمويل، كما تناسب إمكانات البنوك من حيث توافر الودائع القصيرة الأجل لديها وعدم إمكان استخدام أموالها في استثمارات طويلة الأجل.

ونخص بالذكر في هـذا الصدد صورتين:

1 – تمويل الاعتمادات المستندية على أساس المشاركة في الربح والخسارة:

إذ إن البنوك – إلى جانب قيامها بفتح وتبليغ وتعزيز الاعتمادات المستندية كخدمة مصرفية مستقلة عن التمويل – بإمكانها أن تقوم بالتمويل على أساس المرابحة كما سيأتي ذكره بعد قليل، أو على أساس المشاركة مع العميل في الربح والخسارة؛ وطريقة ذلك أن يتفق البنك مع العميل على النسبة من التمويل التي يقدمها كل منهما، وعلى النسبة التي يختص بها [ ص: 155 ] العميل من الربح مقابل إدارته للعملية (اختيار البضاعة وتسويقها) ويقسم باقي الربح أو الخسارة بين الطرفين بنسبة التمويل الذي قدمه كل منهما.

2 – تمويل رأس المال العامل على أساس المشاركة في الربح والخسارة:

وقد سبق أن أوضحنا هـذه الصورة في المبحث الرابع من الفصل الأول.

ونشير إلى أن صيغ المضاربة والمشاركة والمساهمة تمثل مخاطر على البنوك؛ مما جعل القوانين المصرفية تحظر عليها القيام بهذه العمليات؛ أو على أقصى تقدير تضع حدا أعلى لا تتجاوز البنوك كنسبة 10 أو 20% مثلا من رأس مالها؛ وذلك حتى لا تتعرض أموال المودعين للخطر مما يؤدي إلى هـز الثقة بالنظام المصرفي بأكمله.

وقد سبق وناقشنا إمكان تحديد هـذه المخاطر في البنوك الإسلامية (المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الأول) بل واقترحنا النسبة التي نرى تقييد البنك الإسلامي بها (المبحث الثاني من الفصل الثالث من الباب الأول).

ثالثا: المرابحة

سبق أن بحثنا بالتفصيل طريقة تطبيق البنوك الإسلامية لصيغة المرابحة في المبحث الثاني من الفصل الأول.

وتضيف هـنا أن هـذه الصيغة تستلزم تعامل البنوك في البضائع بتملكها لها مما يتعارض مع القوانين المصرفية التي تحرم على البنوك التعامل التجاري مما يلزم معه استثناء البنوك الإسلامية من هـذا القيد.

وفي رأيي أن تنظيم نشاط البنوك الإسلامية يحسن معه – إلى جانب التصريح لها بهذا النشاط – أن يقيد قيامه به في حدود نسبة معينة من أصولها حتى تضطر إلى استعمال صيغ أخرى أجدى على النشاط الاقتصادي، وإن كانت أكثر مخاطرة من صيغة المرابحة. [ ص: 156 ]

لقد ذهب بعضهم إلى أن صيغة المرابحة بالصورة التي تطبقها بها البنوك الإسلامية لا تختلف عن صيغة الإقراض الربوي من ناحية دورها الاقتصادي، وإنما ينحصر الخلاف بينهما في الشكل القانوني، وفي رأيي أن الفرق الاقتصادي يتوقف على مدى المخاطرة التي يتعرض لها البنك الإسلامي، فإذا اقتصر تملكه للبضاعة على بضع لحظات انحصر الدور الاقتصادي في مجرد ربط التمويل بعملية تجارية محددة، أما إذا امتدت فترة تملك البنك للبضاعة – ومن ثم ضمانة لها – ازداد دور البنك الاقتصادي. ويتزايد هـذا الدور إذا كان الوعد بالشراء من قبل العميل ليس ملزما، أو لم يكن هـناك وعد بالمرة، مما يترك البنك أمام موقف مفتوح مع البضاعة، ولذلك نجد أن هـامش المرابحة يتمشى مع السعر الجاري للفائدة في الحالة الأولى، بينما يختلف في الحالات الأخيرة. هـذا فضلا عن الفروق المحاسبية في قيد عمليات المرابحة عنها في القروض الربوية.

وقد سبق أن بحثنا المجالات المختلفة التي تستعمل فيها البنوك الإسلامية صيغة المرابحة كما في الاعتمادات المستندية غير المغطاة بالكامل وفي تمويل رأس المال.

وسنرى بعد قليل كيفية استخدام المرابحة في (صندوق السلع).

رابعا: المشاركة المتتالية

يحتل المودعون في البنوك الإسلامية مركزا وسطا بين المساهمين وبين المودعين في البنوك التقليدية، فبينما المودعون في البنوك التقليدية دائنون للبنك فإن المودعين في البنوك الإسلامية شركاء معه، ولكن مشاركتهم ليست دائمة كمشاركة المساهمين، بل مؤقتة بمدة وديعتهم، ومن هـنا كانت صعوبة محاسبتهم على حصصهم في الأرباح.

وتعتبر الصيغة المستعملة بواسطة البنوك الإسلامية أن المودعين خلال السنة [ ص: 157 ] شركاء في دخل السنة المالية بصرف النظر عن تطابق مدد ودائعهم مع هـذه الاستثمارات التي استخدمت فيها هـذه الودائع.

بل إن بعض الأرباح الناتجة عن سنوات ماضية والتي لم تكن قد تحققت بعد – بل قدرت لها أرباح أو مخصصات – تدخل عند تحصيلها ضمن السنة محل المحاسبة.

ومن ناحية أخرى فإن بعض الأرباح الناتجة عن استثمارات السنة محل المحاسبة تستبعد – إذا لم تكن قد استحقت – وتترك لتتضمنها حسابات سنة مقبلة.

مثل هـذا النظام المحاسبي كان ضروريا للتوفيق بين حاجة المودعين لسحب ودائعهم دون انتظار تصفية الاستثمارات التي استخدمت فيها ودائهم؛ نظرا لاستمرارية استثمارات البنك والحركة الدائمة للأموال الداخلة إلى السلة المختلطة والخارجة منها، مع الحاجة إلى عمل حسابات دورية كل سنة مالية كوحدة حسابية لهذه السلة.

والناتج الصافي من هـذه السلة المختلطة بعد المقايضة بين أرباح بعض المشروعات وخسائر بعضها الآخر هـو ما يوزع بين المودعين وفقا لنظام النمر الذي يأخذ بالاعتبار عنصري المبلغ والمدة لكل وديعة.

والنظام بهذه الصورة يختلف عن حساب أرباح المساهمين؛ حيث توزع الأرباح بينهم على أساس عدد الأسهم دون مراعاة المدة؛ إذ إن مشاركتهم دائمة، ومن يرد الخروج منهم بيع سهمه إلى من يحل محله ويتراضيان على سعر البيع آخذين بالاعتبار حالة الشركة وتوزيعاتها الماضية والمتوقعة؛ إلى غير ذلك.

كما أن هـذا النظام يختلف عن نظام المودعين في البنوك التقليدية؛ حيث يتقاضون الفائدة المتفق عليها مقدما دون نظر إلى ما إذا كان البنك قد حقق أرباحا أو خسائر.

والأساس النظري لطريقة احتساب أرباح المودعين في البنوك الإسلامية هـو [ ص: 158 ] ما يمكن تسميته بالمشاركة المتتالية أو المتداخلة؛ تمييزا لها عن المشاركة المتوازية؛ حيث يشترك شخصان أو أكثر في مشروع من بدايته إلى نهايته، وإذا أراد شخص الدخول شريكا في مشروع قائم لزم إعادة تقويم المشروع لتحديد قيمة الحصة التي يدخل بها أحد الشركاء، وهذا ما لا يمكن تطبيقه في حالة الودائع التي تدخل وتخرج بالمئات أو الألوف يوميا في كل بنك إسلامي مما يستحيل معه إعادة تقويم أصول البنك كلما دخلت وديعة أو خرجت.

ومن هـنا كان هـذا المفهوم جديدا في نظم الشركات والبنوك، كما أنه مفهوم مستحدث في الفقه الإسلامي كذلك.

خامسا: الودائع المخصصة

وبينما تنطبق فكرة المشاركة المتتالية على الودائع العامة التي تشارك في حصيلة السلة العامة لاستثمارات البنك، والتي تفترض ثقة المودع في إدارة البنك وتفويضه لها بالاستثمار، فقد طورت البنوك الإسلامية نظاما آخر للودائع المخصصة؛ حيث يخصص المودع استثمار وديعته في مشروع أو قطاع معين أو بلد معين، ولا يشارك بالتالي في نتائج السلة العامة لاستثمارات البنك وإنما يرتبط مصير وديعته ربحا وخسارة بمصير السلة الخاصة بالمشروع أو القطاع أو البلد الذي خصص له وديعته.

وفي هـذا النوع من الودائع يكون تفويض المودع للبنك بإدارة المشروع أقرب إلى الوكالة منه إلى المضاربة؛ إذ يتحمل المودع صراحة مخاطر المشروع، ويجوز حينئذ – على أساس الوكالة – أن يكون أجر البنك نسبة من مبلغ الوديعة أو مبلغا مقطوعا؛ بينما حصة البنك في الوديعة العامة هـي نسبة من الربح شأن المضارب في عقد المضاربة الشرعي.

وإذا كان المبدأ أن الوديعة المخصصة ترتبط من حيث مدتها بمدة المشروع إلا أنه ليس ما يمنع من تطبيق فكرة المشاركة المتتالية على السلة المخصصة، بحيث يمكن دخول المودعين بعد بدء المشروع وخروجهم قبل تصفيته، مع [ ص: 159 ] المشاركة دائما في النتيجة النهائية للمشروع ربحا أو خسارة.

ويمكن على كل حال تشبيه دور البنك الإسلامي في هـذا النوع من الودائع بدور أمناء الاستثمار في البنوك التقليدية.

ومن الناحية المحاسبية تثير مسألة دخول هـذه الودائع والأصول المستثمرة فيها ضمن ميزانية البنك أو ضمن القيود النظامية خلافا؛ وفقا للنظام المحاسبي المطبق على البنوك والذي يختلف من بلد إلى آخر.

سادسا: الودائع المشروطة

استحدث هـذا النظام للبنوك الإسلامية التي تقوم دون إعفائها من القوانين المصرفية السارية، والتي تضيق مجالات الاستثمار المسموح للبنك الدخول فيها سواء من رأس ماله أو من أموال المودعين.

وتعالج هـذه الصيغة ذلك الظرف، بأن يقبل البنك الوديعة كحساب جار مقيد بشرط الاستثمار المخصص إذا وجد البنك مشروعا يحقق شروط المودع؛ من حيث الأمان والربحية والمدة، فإذا تحققت هـذه الشروط تحولت الوديعة من الحساب الجاري إلى المشروع لحساب المودع مباشرة؛ بحيث تخرج من دفاتر البنك ويستمر دوره فيها دور أمين الاستثمار الذي ينفذ تعليمات العميل.

وقد صدرت عن ندوة (البركة) الأولى فتوى تجيز اشتراط مثل هـذه الشروط: كحد أدنى من الربحية (لا يمكن تحقق ذلك في غير صيغتي المرابحة والتأجير) وضمان شخص ثالث لرد الوديعة مع ربحها... إلخ.

سابعا: صندوق السلع

من منطلق حاجة البنوك الإسلامية إلى فرص لاستثمار الفوائض المتاحة لديها استثمارا قصير الأجل، استحدثت بعض البنوك الإسلامية في الغرب نظام صندوق الاتجار في السلع على أساس الجمع بين فكرتي الوديعة المخصصة [ ص: 160 ] لهذا الصندوق والمشاركة المتتالية فيه، بحيث يمكن للبنك المتوافر لديه فائض سيولة أن يستثمر في هـذا الصندوق:

1 – إما استثمارا متوافقا مع عملية محددة ومرتبطا معها بداية ونهاية.

2 – وإما استثمارا لمدة محددة دون توافق مع عملية محددة.

3 – وإما استثمارا غير محدد المدة وبالتالي غير متوافق مع عملية محددة، ويمكن سحبه بإشعار قصير الأجل في أي وقت عند الحاجة.

ويلزم في الحالتين الأخيرتين أمران:

1 – أن يجري احتساب العائد على أساس معدل عائد الصندوق خلال فترة الوديعة.

2 – أن ترتب استحقاقات الاستثمارات وفق جدول يسمح بتوافر سيولة لرد الودائع عند استحقاقها أو عند الطلب على حسب الأحوال. ويفيد في تحديد هـذا الجدول تقييد الودائع التي تقبل ضمن هـذا الصندوق بسقف معين يمكن تدبير السيولة ضمنه.

وعلى كل حال فإن مما يسهل عمل هـذا الصندوق أن الاتجار بالسلع فيه يتم بطريق المرابحة فقط وبضمانات مصرفية، وكلا الأمرين يساعد على احتساب العائد وتوفير السيولة بطريقة منظمة.

كما أن احتساب أجر البنك أو حصته كمضارب لا يتبع فيه جدول موحد، وإنما يجرى الاتفاق في كل حالة بما يناسبها، وهذا مما يعطي الصندوق مرونة في الاستجابة لحاجة عملائه من البنوك الإسلامية.

ثامنا: الشراء مع التأجير إلى البائع

لا تدخل هـذه الحالة ضمن المنع الخاص ببيع العينة؛ لاختلاف طبيعة العقدين هـنا، وإنما يشترط ألا يتضمن الإيجار شرط الانتهاء بالتمليك وإلا صار عينة.

وتفيد هـذه الصيغة في تمويل الشركات المحتاجة إلى سيولة؛ وذلك ببيع [ ص: 161 ] بعض معداتها إلى البنك لقاء ثمن نقدي يتفق عليه، وتتصرف فيه الشركة بما يحقق لها السيولة المطلوبة، وهي لا تفقد الاستفادة من المعدات التي باعتها؛ إذ تستأجرها من البنك لقاء أجرة معلومة. وما على البنك إذا رغب في عدم المخاطرة بموقف مفتوح مع معدات نادرة الاستعمال إلا أن يشترط شراء أنواع من المعدات تكثر الحاجة إليها وبالتالي عليه تأجيرها في حالة انتهاء الإيجار قبل هـلاك المعدات، كما يمكن من ناحية أخرى اشتراط أجل طويل للإيجار بما يريحه من البحث المتواصل عن مستأجرين للمعدات.

تاسعا: الإيجار بشرط البيع [1] Hire-Purchase

هـذا العقد هـو من العقود المعروفة والمتداولة بواسطة شركات الإيجار المتخصصة، وقليلا ما تستعمله البنوك التقليدية، ويمكن للبنوك الإسلامية استعماله بديلا عن المرابحة في حالة الأصول المعمرة كالمعدات التي تسمح طبيعتها بالتأجير، وميزة هـذه الصيغة أن البنك – خلافا لحالة المرابحة – يحتفظ بملكية الأصل المؤجر حتى نهاية العقد وتنفيذ شرط البيع، وهذا ما يمثل ضمانا للبنك لا يتوفر في حالة المرابحة.

ويصاغ العقد عادة بإحدى طريقتين:

إما باحتساب أجرة تدفع دوريا ويدفع الثمن دفعة واحدة عند نهاية العقد.

وإما بتقسيط الثمن على دفعات، وبالتالي تتناقص الأجرة كلما دفع جزء من الثمن بنسبة هـذا الجزء، إذ تنتقل ملكية الجزء المدفوع قيمته إلى العميل فيقسط مقابله من الجرة، ولذلك يكون جدول المدفوعات المتفق عليه في هـذه الحالة مبينا للقدر المحتسب كسداد جزئي للثمن، والقدر المحتسب أجرة تنازلية. [ ص: 162 ]

عاشرا: المراجحة الإسلامية Islamic Swap أو: القروض المتبادلة بعملات مختلفة

نظرا لاعتراض بعض الشرعيين على الوعد الملزم في صرف العملات المختلفة على النحو الذي أوضحناه في البحث الخامس، ولحاجة بعض العملاء الماسة إلى تجنب تقلبات سعر الصرف المقبلة، وخروجا من الخلاف الشرعي الذي أشرنا إليه، فقد استحدثت هـذه العملية التي تتلخص في الاتفاق على تبادل مبلغين بعملتين مختلفتين ولمدة محددة يستر بعدها كل من المبلغين، ويعامل المبلغان كقرض حسن من الجانبين، ويستخدم كل طرف المبلغ الذي اقترضه لحسابه وعلى مسئوليته خلال مدة القرض.

ولتوضيح العملية نضرب مثلا بمستثمر يملك دولارات ويريد أن يستثمرها في ألمانيا مثلا ويخشى أن يؤدي انخفاض سعر المارك بعد انتهاء العملية الاستثمارية التي يرغب الدخول فيها إلى أن تستغرق خسارته – عند تحويل حصيلة العملية مرة ثانية إلى الدولار – ما حققه من ربح من العملية الاستثمارية، والحل الذي تقدمه البنوك التقليدية هـو أن يتفق على سعر شراء الدولار في موعد مقبل محدد ويقوم ببيع دولاراته وشراء الماركات بسعر اليوم، وبعد انتهاء عملية الاستثمار التي استخدم فيها الماركات يقوم بتحويلها إلى دولارات بالسعر الذي سبق أن اتفق مع البنك عليه.

أما في طريقة تبادل القروض، فإنه يقوم بتقديم ما لديه من دولارات قرضا حسنا إلى البنك الذي يقوم بإقراضه قرضا حسنا كذلك، ويقوم باستثمار الماركات لحسابه، كما يقوم البنك باستثمار الدولارات لحسابه، وفي الموعد المحدد يسترد كل من الطرفين أصل القرض المقدم منه، وبذلك لا يتعرض العميل لأي مخاطر في تقلبات سعر الصرف بالنسبة لأصل رأس ماله، وإنما تنحصر مخاطرته فيما حققه من ربح أو خسارة إذا أراد تحويل الربح من مارك [ ص: 163 ] إلى دولار، أو تغطية الخسارة بتحويل بعض الدولارات إلى ماركات.

وواضح أن هـذه الطريقة تحل مشكلة العميل الذي لا يملك إحدى العمليتين حاليا، أما العميل الذي لا يملك أيا من العمليتين حاليا فلا تحل هـذه الطريقة حاجته إلى تثبيت سعر صرف مقبل كما في حالة المناقصين التي سبق شرحها في المبحث الخامس.

إن عملية تطوير الأدوات المصرفية والاستثمارية الإسلامية عملية مستمرة، وحتى لا نخرج عن الحجم المحدد لهذه الدراسة نكتفي بالإشارة إلى بعض العقود الفقهية القديمة التي يمكن تطويرها واستخدامها في عمليات التمويل والاستثمار المعاصرة وهي على سبيل المثال لا الحصر:

* شركة الوجوه .

* عقد السلم .

* عقد الاستصناع .

* عقد المزارعة .

* عقد الجعالة .

والقائمة لا تنتهي... /402 164 /40

التالي السابق


الخدمات العلمية