الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم (التقليد والاجتهاد - النظرية والتطبيق)

الدكتور / جمال الدين عطية

المبحث الثاني: من تنمية العالم الإسلامي إلى الأسواق العالمية

1 - من الاعتراضات الهامة التي وجهها منظر وحركة البنوك الإسلامية إلى نظام البنوك التقليدية، أن التعامل بالفائدة يجعل من البنوك وسطاء لجمع الأموال ونقلها إلى حيث الفائدة المرتفعة، وبالتالي تنقطع صلة صاحب المال (المودع) بمآل؛ فلا سيطرة له على طريقة استثماره، بل ولا يدري أصلا أين ذهب، وقد يكون انتهى به المطاف - عبر سلسلة البنوك التي تتداوله - إلى أيدي أعدائه، أو إلى استثمارات لا يرضى عنها.

ولما كان المال أمانة في يد صاحبه يسأل عنه يوم القيامة؛ مم اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ كانت نظرية البنوك الإسلامية أن طريقة الاستثمار المباشر تتيح لصاحب المال - إما مباشرة في حالة الودائع المخصصة وإما بالوساطة في حالة الودائع العامة - الاطمئنان إلى أن ماله قد انفق فيما يرضى إنفاقه في سبيله.

ولما كانت بلاد الإسلام تحتل مكانا هـاما في قائمة الدول النامية التي تمس حاجاتها إلى مشروعات استثمارية على مختلف المستويات والقطاعات، فقد كان المتوقع أن تعطي البنوك الإسلامية أولوية استخدام الأموال المتجمعة لديها؛ بحيث تحظى المشروعات المحلية بالدرجة الأولى، ثم تمتص باقي البلاد الإسلامية سوى ما تدعو الضرورة إلى الاحتفاظ به لتغطية الحسابات مع البنوك المراسلة، وما تحتاجه الاعتمادات المستندية والتحويلات الخارجية من غطاء

2 - غير أن واقع معظم البنوك الإسلامية يسير في اتجاه آخر؛ ولنضرب بعض الأمثلة: [ ص: 180 ]

- ففي ميزانية بيت التمويل الكويتي عن سنة 1984: بلغ النقد والأرصدة لدى البنوك (بعضها لدى بنك الكويت المركزي وبعضها الأخر لدى بنوك تقليدية محلية وخارجية) 74 مليون دينار (120مليون دينار في سنة 1983).

كما بلغت الودائع لدى المؤسسات المالية 25مليون دينار (بينما الودائع الاستثمارية لدى المؤسسات المالية الإسلامية 1.4 مليون دينار).

كما بلغ مدينو معاملات المرابحة لدى مؤسسات مالية دولية 91 مليون دينار (56مليون دينار في سنة 1983) فإذا افترضنا أن نصف أرصدة البنوك لدى بنوك خارجية يكون مجموع الأرصدة والاستثمارت الخارجية 153مليون دينار (88مليون في 1983) أي 18% من مجموع الأصول (845 مليون دينار).

- وفي ميزانية بنك فيصل السوداني عن 1984 ظهر أن الأرصدة بالبنوك الخارجية بلغت 86مليون جنيه سوداني؛ أي 19% من مجموع الأصول (447مليون جنيه).

- أما ميزانية بنك فيصل المصري عن 1404ه (1984) فتبين أن رصيد عمليات التوظيف الخارجي 749 مليون دولار أي 40% من إجمالي التوظيف (1837.5) أو 43% إذا استبعدنا المساهمات والاستثمارات العقارية (95.5).

وتجدر الإشارة هـنا إلى أن الأرصدة لدى البنوك (المحلية) والمراسلين 2.6 مليون دولار فقط مما له دلالته على الحجم العادي لما تدعو الحاجة إلى الاحتفاظ به لدى المراسلين.

ونظرا لضخامة المبلغ الموظف خارجيا من قبل بنك فيصل، وللنسبة العالية التي يمثلها من إجمالي التوظيف، ولكون مصر من الدول غير المصدرة لرءوس الامول - خلافا للدول النفطية مثلا - فسنتناول تطور التوظيف الخارجي في بنك فيصل المصري بشيء من التفضيل: [ ص: 181 ]

بملايين الدولارات
السنة مبلغ التوظيف الداخلي مبلغ التوظيف الخارجي الإجمالي % 1399/1979 9 20 29 69 1400/1980 61 109 170 64 1401/1981 134 218 352 62 1402/1982 410 458 868 53 1403/1983 767 652 1419 46 1404/1984 993 749 1742 43

وقد حرصت تقارير مجلس الإدارة المتعاقبة على الإشارة إلى أن قيام البنك بعمليات التوظيف الخارجي إنما هـو بصفة مؤقتة إلى أن يستكمل دخوله في عمليات التجارة والتنمية المحلية. ومن الواضح انه رغم زيادة مبالغ التوظيف الخارجي عاما بعد عام إلا أن نسبتها إلى إجمالي التوظيف في تناقص مستمر. 3 - والسؤال الذي يطرح نفسه هـو: ما سبب عدم إمكان تقليص حجم التوظيف الخارجي خاصة في بلد مثل مصر تشتد حاجته إلى استيراد رءوس الأموال؟ والجواب على ذلك يدور بين الأسباب التالية: 1 - عدم اكتمال الأدوات المصرفية والاستثمارية الإسلامية التي تستوعب هـذه الأموال، ومعظمها قصيرة الأجل.2 - عدم وجود القنوات والأجهزة الاستثمارية والمالية داخل مصر والبلاد الإسلامية بما يستوعب هـذه الأموال. 3 - عدم مرونة الأنظمة المالية والنقدية في مصر والبلاد الإسلامية بما يشجع الاستثمار المحلي. [ ص: 182 ]

ومما تجدر الإشارة إليه أن الظروف الاقتصادية والسياسية في مصر لم تمنع من وجود ودائع بالعملات الأجنبية بهذا الحجم الكبير، ولا نشك في أن علاج الأسباب المشار إليها سوف يزيد من تدفق الودائع بالعملات الأجنبية من خارج مصر ، إذ إن عذر البنوك الإسلامية ذات الفوائض المرتفعة خارج مصر هـو أن ظروف مصر لا تستوعب هـذه الفوائض رغم حاجتها إليها، مما يؤدي إلى توجيهها إلى الأسواق العالمية.

4 - حين بدأت حركة البنوك الإسلامية تمد طلائعها إلى الأسواق العالمية، انزعجت البنوك العالمية التي تحتفظ بودائع للمسلمين ببلايين الدولارات ولا يتقاضى معظمهم فوائد عنها - خشية أن تجذب البنوك الإسلامية هـؤلاء العملاء المتدينين - وما إن شعرت هـذه البنوك بالأزمة التي تعانيها بعض البنوك الإسلامية من عدم إمكان استثمارها لفوائض السيولة الكبيرة لديها، حتى سارعت هـذه البنوك الإسلامية بالطريقة التي ترضيها، وقد وصل اقتناع بعض هـذه البنوك العالمية بجدوى التعامل مع الوداع الإسلامية إلى حد مخاطبتها جمهور المودعين مباشرة - دون وساطة البنوك الإسلامية - وذلك بطرح شهادات استثمار عن صناديق إسلامية معدة خصيصا لهذا النوع من الاستثمار.

وكأني بهذه البنوك تخاطب أموال المسلمين كما كان الخليفة العباسي يخاطب السحابة في سماء بغداد : شرقي أو غربي، فسيأتيني خراجك. /402 183 /40

التالي السابق


الخدمات العلمية