الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم (التقليد والاجتهاد - النظرية والتطبيق)

الدكتور / جمال الدين عطية

المبحث الخامس: من أجهزة خادمة للنظام الاقتصادي الإسلامي إلى أجهزة خادمة للنظام الرأسمالي

لعل بعض المفارقات السابقة تؤدي مجتمعة إلى هـذه المفارقة، ولكنا خصصناها بالحديث هـنا من زاوية خاصة أثارها الأستاذ محمد شوقي شاهين لمستشار القانوني بالبنك الوطني للتنمية بالقاهرة فهو يتساءل:

ما هـو النظام الاقتصادي الذي تقوم على خدمته المصارف الإسلامية؟

هـل هـو النظام الاقتصادي الإسلامي بجميع خصائصه ومكوناته أم هـو النظام الاقتصادي السائد والذي هـو بالقطع في مجمله ليس نظاما إسلاميا، بل هـو نظام اقتصادي رأسمالي تابع للنظام الاقتصادي الرأس مالي العالمي؟

وهل صحيح أن البنوك - وهي أجهزة لخدمة النظام الاقتصادي وتسيير حركته [ ص: 190 ] وفقا لنظم العلاقات الاقتصادية السائدة - تستطيع أن تغير من مقومات وأسس النظام الاقتصادي؟

لكن الأمر الثابت هـو أن البنوك تمثل أجهزة يوجدها النظام الاقتصادي الاجتماعي بكل مقوماته لخدمة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة فيه.

ولا تستطيع البنوك وهي أجهزة خدمة النظام الاقتصادي - وهي تؤدي هـذه الخدمة - أن تغير من النظام، بل بالعكس فان تغير النظام الاقتصادي الاجتماعي إلى نظام إسلامي حقيقي هـو الذي يوجد البنوك الإسلامية كأجهزة تقوم على خدمة العلاقات والنظم الاقتصادية الإسلامية وليس العكس.

إن إقامة بنوك إسلامية في مجتمع تسوده علاقات اقتصادية رأس مالية وعلاقات تبعية اقتصادية للنظام الاقتصادي الرأس مالي معناها غرس مؤسسات الهدف منها خدمة وتسيير علاقات اقتصادية إسلامية في بيئة تقوم علاقتها الاقتصادية على المستوى المحلي وعلى المستوى الدولي على مبادئ مخالفة لعلاقات النظام الاقتصادي الإسلامي. وفي هـذه الحالة يكون الناتج: أما أن تنعزل هـذه البنوك الإسلامية وتتدهور لأنها تقوم على خدمة أهداف لا تتيحها العلاقات الاقتصادية القائمة في المجتمع، أو تضطر إلى تحوير نشاطها ليتواءم مع طبيعة العلاقات الاقتصادية غير الإسلامية.

وهذا هـو السبب في أن تركيز الدعوة لتأسيس البنوك الإسلامية والفروع الإسلامية ينصب حول استخدام الوسائل وتحويرها دون تغير حقيقي في جوهر العلاقات الاقتصادية؛ أي تحوير الوسائل القانونية المستخدمة في العمل المصرفي السائد، والذي يخدم العلاقات الاقتصادية الرأس مالية إلى وسائل قانونية مستمدة من الفقه الإسلامي، والقول بأن في إمكان المصارف الإسلامية القيام بكافة الأعمال المصرفية الخدمية استنادا إلى أن من سمات النظام الإسلامي في مجال المعاملات انه من المرونة بما يتيح تطوير أحكام المعاملات المصرفية، وتقرير أن المعاملات المصرفية قوام النشاط الاقتصادي، وأنها الحركة المستمرة والمنتجة. [ ص: 191 ]

ولذلك فان كل المحاولات المبذولة لتعديل مسميات الأنظمة والعقود السائدة في البنوك الإسلامية - التي تعمل في ظل النظام القائم على أسس وعلاقات اقتصادية رأس مالية تابعة للنظام الرأسمالي العالمي - لن تؤدي إلى إيجاد نظام اقتصادي إسلامي، حتى وان استخدمت مسميات ووسائل الأنظمة والعقود المستمدة من النظم القانونية الإسلامية؛ لأن هـذا التغيير الشكلي في إطارات الوسائل المستخدمة لعمل البنك لن يغير من طبيعة البنك ولو سمى نفسه بنكا إسلاميا، ولكونه جهازا موجودا في إطار علاقات اقتصادية واجتماعية غير إسلامية، وهو بالضرورة لا بد له من استخدامها؛ لأنه لا يستطيع الفرار من العلاقات والنظم غير الإسلامية ولو تغيرت مسميات العقود والأنظمة البنكية التي يستخدمها البنك، فالعبرة ليست بابتداع وسائل قانونية جديدة يستخدمها البنك الإسلامي لتسيير نشاطه؛ وإنما العبرة في أن يكون البنك إسلاميا على وجه صحيح بأن تتغير العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة إلى علاقات إسلامية صحيحة. وفي هـذه الحالة لن تكون هـناك مشكلة أمام أي بنك؛ لأنه سوف يؤدي دوره كجهاز لخدمة نظام اقتصادي واجتماعي إسلامي يسود المجتمع فعلا، أما الظن بأن تغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد بكل ارتباطاته وعلاقاته الداخلية والخارجية يمكن أن يتم عن طريق الأجهزة الاقتصادية التي تخدم النظام فهو تصور مقلوب.

ورأي الأستاذ شاهين أوضح من أن يحتاج الي بيان، وتعليقنا عليه:

1 - أن المتوقع من الدول التي اتجهت إلى تغيير نظامها المصرفي بأكمله إلى النظام الإسلامي أن تضع هـذه الحقيقة نصب عينيها، وهى أن النظام المصرفي ليس إلا جهازا لخدمة النظام الاقتصادي، وأن نقطة الأساس هـي تغيير النظام الاقتصادي بأكمله إلى النظام الإسلامي حتى يحتل الجهاز المصرفي مكانه في خدمة هـذا النظام.

2 - أن الضروري توعية المسلمين إلى أن المبادرة بإقامة بنوك إسلامية إنما كانت ولا تزال مبررة للتخلص من الربا - دون أن يعتبر ذلك نقطة [ ص: 192 ] النهاية في مسيرة العمل الإسلامي - حتى يحين أوان إحلال النظام الاقتصادي الإسلامي بأكمله محل النظام السائد.

وغني عن البيان أن نشير إلى أن أحكام الملكية والإنتاج والتوزيع والاستهلاك في الإسلام هـي من أهم أسس النظام الاقتصادي، وان الكسب الحرام بطريق السرقة والرشوة على غير أساس الربا، وإنما علاجه رد الحقوق إلى أصحابها - أن عرفوا وأمكن ردها إليهم - وإلا فإنفاق كل المال الناتج عن كسب حرام للمصلحة العامة. [ ص: 193 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية