الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم (التقليد والاجتهاد - النظرية والتطبيق)

الدكتور / جمال الدين عطية

المبحث الثالث: التصور الكلي للاقتصاد الإسلامي

لا يكفي – في رأينا – الانطلاق من مبدأ أن (الأصل في المعاملات الإباحة) على النحو الذي شرحناه في المبحث الأول، مع التقيد بالنصوص الآمرة والمانعة التي أشرنا إليها في المبحث الثاني، بل لا بد – قبل بحث المعاملات المصرفية القائمة، وتصنيفها في ضوء النصوص (وهو موضوع المباحث من الرابع إلى السادس) ثم محاولة استحداث بديل مشروع للأنشطة المخالفة للشريعة (وهو موضوع المبحث السابع) – لا بد من وجود تصور واضح كلي لقواعد الاقتصاد الإسلامي؛ إذ إن القطاع المصرفي – المطلوب تنظيمه وفقا للشريعة الإسلامية – جزء لا يتجزأ من النظام الاقتصادي العام في الدولة، ولا يمكن وجود تصور صحيح للجزء دون تصور للكل الذي ينتمي إليه. [ ص: 136 ]

وفي هـذا الإطار نشير بصورة موجزة إلى الخطوط العريضة لتصورنا الكلي للاقتصاد الإسلامي، وهو تصور مستمد من النصوص الشرعية (القرآن والسنة) ومن الفهم العام لآراء الفقهاء – وإن اختلفت في التفاصيل – في المسائل الاقتصادية.

وإن الفلسفة الاقتصادية للإسلام تقوم على أساس التصور الإسلامي لعلاقة الإنسان بالله عز وجل وبالكون والحياة:

* بالله خالق الكون والبشر – سبحانه وتعالى.

* بالحياة كاختيار للبشر في اتباع أوامر الله تعالى بتعمير الكون المسخر للإنسان من أجل هـذا التعمير.

* ومن منطلق هـذه العقيدة تنبثق المبادئ التالية:

1 – خلافا للتصور النصراني أن مملكة الإنسان ليست في هـذه الحياة، فإن التصور الإسلامي لا يضع تحفظا مبدئيا على النشاط الاقتصادي، فمملكة الإنسان في الحياة الآخرة تتوقف على نجاحه في مملكته في الحياة الدنيا.

ويشجع الإسلام الناس على استخدام الفرص المتاحة في مجال الإنتاج حيث نعم الله تعالى لا يحصيها العد، وإذا استحضرت النية الصالحة أصبح كل نشاط اقتصادي نوعا من العبادة.

2 – في مجال الملكية، فالمالك الحقيقي هـو الله تعالى، ويقتصر دور الإنسان على خلافة الله في هـذه الملكية ضمن حدود الاستخدام والتعمير الذي استخلف فيه، وبالتالي لا تكون علاقة الإنسان بالأشياء مطلقة؛ بل ذات وظيفة محددة وغرض اجتماعي، وينبغي أن يكون استخدام وتصرف الإنسان في (ملكه) ضمن هـذه الوظيفة ولخدمة هـذا الغرض.

3 – إن العلاقة بين الناس أساسها الأخوة والمساواة، وتقوم العلاقات الاقتصادية بينهم في مجال الإنتاج وتداول المال على أساس التعاون، وفي هـذا الإطار لا مكان للمنافسة القاتلة. أما المنافسة الحرة والعادلة حيث يلتزم جميع الأطراف بالخلق الإسلامي فمطلوبة، خلافا للاحتكار الذي يعتبر تحريمه [ ص: 137 ] شرطا أساسيا للعدالة والنماء.

4 – ولا تقف فلسفة الإسلام الاقتصادية عند حد تشجيع الناس على الإنتاج والتعاون، بل توجد الحوافز القوية للتنمية. ويعتبر الإسلام أي جهد تنموي جهادا في سبيل الله تعالى، ويضع المجتمع الإسلامي سياسته بهدف تحقيق الكفاية والأمن للجميع، وأي تقصير في هـذا المجال يعتبر جحودا لنعمة الله تعالى.

5 – لا يعتبر حافز الربح الفردي القوة الدافعة في الإسلام. فجهود التنمية اجتماعية في أساسها، ويتعاون الأفراد من تلقاء أنفسهم في هـذا المجال، وتهدف هـذه الجهود إلى تحقيق الحياة الطيبة بكل أبعادها، والتي لا يعدو البعد الاقتصادي أن يكون أحدها.

6 – الاعتدال في الاستهلاك سلوك إسلامي أساسي، والتبذير والإسراف محرمان، كما أن الحياة المترفة، والرغبة في الظهور والتباهي محرمان كذلك.

7 – كنز النقود محرم، إذ ينبغي للنقود أن تتداول وتمول الإنتاج، مما يوجد فرصا للعمالة، ويؤدي إلى القيمة المضافة، وتقوم الزكاة بدور في صرف الناس عن اكتناز الأموال كي لا تأكلها الزكاة.

8 – لا تولد النقود من نفسها نقودا، فلا يجوز استثمارها في صورة قروض بفائدة وإنما يجوز فقط من خلال الإسهام المباشر في الأنشطة الاقتصادية.

9 – العلاقة بين الإنسان والطبيعة علاقة انسجام، فيحرم تدمير الطبيعة بلا داع، والاستثمار المفيد لمواردها ليس مباحا فحسب بل إنه جزء من رسالة الإنسان على الأرض.

10 – العمل قيمة مقدسة في الإسلام، وهو ليس حقا فحسب؛ ولكنه واجب كذلك، وينبغي إعطاء العاملين أجرهم العادل دون تأخير.

11 – تدخل الدولة المسرح الاقتصادي لتوجيه وتنظيم النشاط الحر، [ ص: 138 ] ولضمان تحقيق الأهداف.

ويتحقق لتخصيص الموارد وتنظيم الإنتاج والتبادل وتوزيع الدخل المتحقق نتيجة القوى المزدوجة للنشاط الفردي الحر المتوجه أخلاقيا وللتنظيمات التي تقوم بها الدولة.

12 – هـناك تفرقة أساسية بين الواجب والمستحب، فالواجب هـو الملزم قانونا، أما المستحب فتؤدي التربية دورها في تحقيقه، وكل تقصير في تحقيق الأهداف تعالجه الدولة بتحويل الجزء المستحب إلى دائرة الإلزام القانوني، فضلا عن اتخاذ الإجراءات التعويضية والإيجابية الأخرى. وبهذه الطريقة يتم تخصيص الموارد وتوزيع الدخل بالصورة المطلوبة، ويتحدد دور كل من نظام السوق وخطة الدولة وفقا لهذه القاعدة.

التالي السابق


الخدمات العلمية