الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم (التقليد والاجتهاد - النظرية والتطبيق)

الدكتور / جمال الدين عطية

المبحث الخامس: المعاملات المصرفية المعاصرة المشكوك فيها من الناحية الشرعية

يمثل هـذا الصنف من المعاملات المشكوك فيها محور النشاط الحالي لأجهزة الخبرة الشرعية في البنوك الإسلامية؛ سواء على مستوى العمل اليومي أو على مستوى الندوات والمؤتمرات التي تعقد بين الحين والحين للبحث والتداول الجماعي في هـذه المسائل. [ ص: 142 ]

أولا: الأجر على خطابات الضمان [1]

لا خلاف في جواز إصدار البنوك الإسلامية خطابات الضمان؛ لا من حيث المبدأ، ولا من حيث تقاضي الأجر لتغطية نفقة إصدار الخطاب؛ إذ يعتبر الأجر الذي يتقاضاه البنك لقاء خدمة فعلية.

1 – وإنما يثور الخلاف حول الأجر الإضافي الذي تتقاضاه البنوك التقليدية في حالة الخطابات غير المغطاة، ويرجع الرأي المحرم لأخذ هـذا الأجر مقابل الضمانة ذاتها إلى أن الضمان كفالة، والكفالة من عقود التبرع – في الفقه الإسلامي – ينبغي أن تقدم خدمة إنسانية مجانية. واتباعا لهذا الرأي لا تقوم البنوك الإسلامية بإصدار خطابات الضمان غير المغطاة نظرا لما تتضمنه من مخاطر لا مجال لتحملها دون مقابل.

أما في حالة الخطابات المغطاة بالكامل أو جزئيا من قبل العميل (سواء في صورة نقد أو رهن عقاري أو غير ذلك) فإن الفقهاء يعتبرون أن الخدمة التي يقدمها البنك في هـذه الحالة هـي تنفيذ تعليمات العميل بالدفع من هـذا الغطاء؛ وبذلك يستحق البنك ما يتقاضاه من أجر إضافي لقاء هـذا العمل، وسواء أكان هـذا الأجر الإضافي مبلغا مقطوعا أو نسبة من المبلغ موضوع الخطاب.

ونتيجة لهذا الرأي فإن البنك يصح له تقاضي الأجر الإضافي في حالة عدم تحمله مخاطر الضمان (إذ يكون مغطى) بينما لا يصح له تقاضي هـذا الأجر في حالة تحمله المخاطر (في حالة الضمان غير المغطى).

2 – لذلك اعترض فقهاء آخرون بأن تصنيف الكفالة ضمن عقود التبرع إنما هـو اجتهاد فقهي لم يرد به نص في الكتاب أو السنة، ومن ثم أجازوا نوعين من الكفالة: الكفالة التبرعية دون مقابل، والكفالة بعوض نظير المخاطر التي يتعرض لها الضمان.

3 – وتتبع بعض البنوك الإسلامية مسلكا آخر؛ أذ يطلبون من العميل غطاء [ ص: 143 ] نقديا جزئيا 25 – 30% من قيمة الخطاب، ولا يعطونه أي عائد على هـذا الغطاء النقدي، وهم إذ يعطون الخطاب بلا مقابل إنما يستفيدون من استثمار الغطاء النقدي طيلة مدة الخطاب.

4 – وهناك موقف رابع يعتبر بديلا مستحدثا سنشير إليه في المبحث السابع.

ثانيا: دفع مكافأة للحساب الجاري وحساب الادخار

إن دفع أي عائد محدد مسبقا على أي نوع من الودائع هـو فائدة محرمة شرعا، سواء أكان ذلك في حسابات الودائع لأجل، أو الحسابات الجارية، أو حسابات الادخار (التوفير)، إذ إن المبدأ الإسلامي أن الوديعة – إذا كانت مضمونة وغير معرضة لمخاطرة الخسارة – لا تستحق لا عائدا محددا مسبقا ولا حتى نسبة من الربح.

ومن ناحية أخرى فإنه يجوز أن يزيد المدين عند سداد الدين إما في الكم أو في الكيف، بل إن ذلك مندوب إليه كنوع من حسن القضاء، وذلك بشرط عدم الاتفاق أو الاشتراط أو الوعد المسبق.

وتطبق بعض البنوك الإسلامية هـذا المبدأ على الحسابات الجارية وحسابات الادخار – التي هـي بطبيعتها مضمونة – بتوزيع جوائز على أصحابها.

وإذا تكرر هـذا التوزيع وأصبح عادة مستقرة أو أمرا متوقعا يأخذه المودع بالاعتبار عند إيداع وديعته انقلب الأمر إلى شرط أو وعد ضمني مسبق ينطبق عليه تحريم الربا.

بل قد أثار التساؤل عما إذا كانت الخدمات المجانية التي تؤديها البنوك لأصحاب الحسابات الجارية وحسابات الادخار؛ من نوع النفع غير الجائز شرعا الاتفاق المسبق عليه.

ثالثا: العقود الآجلة FUTURE DEALINGS

تثير العقود الآجلة أكثر من مشكلة؛ والسبب في ذلك كثرة النصوص التي [ ص: 144 ] تحرم التعامل الآجل في النقود وفي بعض المواد الغذائية، وكذلك فيما لا يملكه البائع، مما دفع بعض الفقهاء إلى تحريم كل صور التعامل الآجل في العملات.

1 – ويفرق فقهاء آخرون بين حالة ما إذا تم دفع أحد البدلين وقت الإنفاق وأجل دفع البدل الآخر إلى وقت لاحق، وحالة الوعد بالصرف؛ حيث يتم تبادل البدلين في وقت واحد في المستقبل بالسعر المتفق عليه مسبقا، ويحلون الصورة الثانية حيث تخلو تماما من الربا ، بينما يحرمون الأولى لاحتمال أن يتضمن سعر الصرف زيادة أو نقصا مقابل تأجيل دفع البدل الآجل، وهذا هـو عنصر الربا المسيب للتحريم.

والدافع لهذا الرأي هـو سد حاجة العملاء الذين يدخلون المناقصات الحكومية مثلا ويريدون عدم تعريض أنفسهم لتغيرات أسعار السلع التي يناقصون عليها (وذلك بأخذ خيار من المصدر في صورة فاتورة مبدئية صالحة لمدة معينة) أو أسعار العملات الأجنبية التي سيسددون بها السلع، إذ إن أي تغير في هـذين العنصرين يعرضهم لخسائر فادحة لا تتناسب مع هـامش ربحهم المحدود.

2 – أما عن التعامل الآجل في السلع الأخرى غير النقود، فإن بعض الفقهاء يجيزونه؛ إذا كانت مواصفات المبيع محددة بدقة تمنع النزاع عند التسليم؛ وهو علة تحريم بيع ما ليس عند البائع أو في ملكه.

3 – ويتفق معظم الفقهاء على أن التعامل الآجل لمجرد المضاربة على توقعات ارتفاع الأسعار أو انخفاضها محرم؛ لما يؤدي إليه من مخاطر كبيرة لا ضرورة لها، فضلا عن أنه لا يخدم غرضا حقيقيا بمفهوم النماء الاقتصادي.

4 – وسنرى في المبحث السابع كيف توصلت البنوك الإسلامية إلى حل بديل في هـذه المشكلة الخلافية.

5 – بقيت مسألة أخيرة مثارة في هـذا الموضوع هـي معاملة الذهب والفضة [ ص: 145 ] كنقود رغم توقف استخدامهما في هـذه الوظيفة.

فبينما يتفق معظم الفقهاء على أن النقود الورقية تأخذ حكم النقدين (الذهب والفضة) في الشريعة الإسلامية لأدائها وظيفتهما النقدية، إلا أن مسألة استمرار تطبيق أحكام النقدين عليها لا تحظي بمثل هـذا الاتفاق. فيرى بعض الفقهاء أن علة هـذه الأحكام – وهي الوظيفة النقدية – فقد انتفت عنهما، وبقيت لهما صفة السلع العادية، وبذلك تنتفي أحكام النقود عنهما لانتفاء العلة، وبذلك يجيزون بيع المصوغات الذهبية لأجل، وبيع الفضة للأغراض الصناعية لأجل وهكذا.

بينما يذهب فقهاء آخرون إلى استمرار تطبيق أحكام النقود على الذهب والفضة، رغم انتفاء علة هـذه الأحكام.

رابعا: الخيارات OPTIONS

1 – يرى بعض الفقهاء أن التعامل في الخيارات الخاصة بالعملات غير جائز؛ إذ إن عقد الصرف يتطلب تسليم البدلين عند العقد؛ كما أن الخيار إذا اعتبر وعدا فإنه لا يكون ملزما؛ إذ لا يجوز اتفاق الطرفين مسبقا على سعر الصرف في المستقبل.

2 – أما عن الخيارات في السلع والأسهم فهي وإن كانت من حيث المبدأ ملزمة؛ إلا أن أثرها قاصر على طرفيها، ولا يجوز في رأي بعض الفقهاء بيع الخيار نفسه إلى طرف ثالث؛ إذ لا يمكن اعتباره حقا ماليا – مستقلا عن العقد الأصلي – قابلا لأن يكون محلا للتعامل.

خامسا: الإيجار المالي FINANCIAL LEASING

عقد إيجار الأشياء من العقود الجائزة في الشريعة الإسلامية. وإنما يثور الشك حين تؤدي شروط العقد وأحكامه إلى قطع كل صلة بينه وبين طبيعة عقد الإيجار، وتنتهي به إلى أن يكون مجرد قرض مالي صرف. [ ص: 146 ]

مثال ذلك حين يشتري البنك المعدات من مالكها ويؤجرها إليه ثانية؛ مع اشتراط بيعها إليه في نهاية مدة الإيجار.

أو حين تغطي مدة الإيجار العمر التقديري للمعدات، ويلزم العقد المستأجر بسداد الأجرة؛ حتى لو لم يكن – لسبب أو لآخر – مستعملا للمعدات، ودون إعطاء أي مجال لإنهاء العقد قبل مدته.

سادسا: تمويل رأس المال العامل [2]

لا يوجد خلاف من الناحية الشرعية على تمويل رأس المال العامل إما على أساس المرابحة – إذا تعلق الأمر بشراء مواد أولية أو قطع غيار – أو على أساس المشاركة في الربح والخسارة بشرط الاتفاق النافي للنزاع على البنود التي تخصم من الربح الإجمالي قبل التوصل إلى الربح القابل للتوزيع بين الممولين، وعلى كيفية احتساب حجم التمويل المقدم من مختلف الأطراف.

ولكن الخلاف يثور عند محاولة تحاشي المشاكل العملية الناتجة عن المشاركة في الربح والخسارة باتباع طريقة أبسط في المحاسبة هـي طريقة التمويل مقابل نسبة من المبيعات أو رقم أعمال المشروع.

فبعضهم يجيز هـذه الصيغة على أساس القياس على صورة المزارعة – وهي عقد قديم مشروع – حيث يقدم مالك الأرض أرضه إلى من يزرعها، ويتقاسمان المحصول بنسب يتفقان عليها.

ولا يجيز بعض الناس هـذه الصيغة؛ على أساس أنها لا تتيح المشاركة في الخسارة.

وتحاشيا لهذا الاعتراض اتجه بعضهم إلى التفكير في صيغة التمويل مقابل نسبة من القيمة المضافة؛ حيث إن هـذه القيمة يمكن في بعض الحالات أن تكون سلبية (أي بخسارة).

ولا تزال هـذه الصيغ محل دراسة ومناقشة. [ ص: 147 ]

سابعا: التعويض عن انخفاض قيمة النقود (التضخم)

تفتح بعض البنوك التقليدية حسابات ادخار تعامل على أساس الرقم القياسي Index للتضخم مع تحديد حدين أعلى وأدنى.

ومثل هـذه الفكرة محل نظر من الناحية الشرعية؛ من ناحية المبدأ ذاته – مبدأ التعويض عن انخفاض قيمة النقود – ومن ناحية كيفية التطبيق.

ومن المقرر في هـذا الشأن أن أي اتفاق من هـذا النوع ينبغي أن يشمل حالتي انخفاض القوة الشرائية للنقود وارتفاعها كذلك، وألا يوضع أي حد أعلى أو أدنى.

ومن الناحية العلمية – على فرض إقرار الفكرة من حيث المبدأ – فإنه ينبغي حين استعمال هـذه الصيغة، أن تستعمل في الجانبين – جانب المودعين وجانب مستخدمي الأموال – بحيث لا يتحمل البنك التزام الرقم القياسي من ناحية المودعين، ويرتبط مع مستخدمي الأموال على أساس آخر.

ويمكن أن يكون الترتيب مثلا أن يقرض البنك – هـذه الودائع بالذات – بنفس شرط التعويض عن القوة الشرائية، ومع احتساب هـامش له مقابل أداء هـذه الخدمة، بأن يقبل الودائع على أساس الرقم القياسي ناقصا ربعا في المائة، ويقدم القروض على أساس الرقم القياسي زائدا ربعا في المائة.

وجميع مسائل هـذا الموضوع لا تزال في صورتها الأولية من البحث والدراسة.

ثامنا: التعويض عن التأخير [3]

المبدأ الإسلامي واضح في هـذه المسألة:

فمن حق المدين المعسر أن يعطي فترة السماح اللازمة للخروج من إعساره [ ص: 148 ] ( ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ) ) . (البقرة :280)

أما المدين الموسر المماطل فجزاؤه العقاب ( لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته ) . لي الواجد – أي مطل الغني -.

وتثور المشاكل عند التطبيق:

فمثلا هـل الإعسار هـو انعدام السيولة – أو ما يعبر عنه الشرعيون بقلة ذات اليد؟ - وهل الذي يتعامل بأكثر مما تسمح إمكاناته المالية Overtrading بحيث يوقع نفسه في ضائقة مالية نتيجة سوء التدبير والطمع في الكسب السريع، ولديه الأموال غير السائلة التي إذا صفيت أمكن سداد ديونه منها... هـل هـذا الشخص معسر ينبغي إمهاله؟ أم أن الإعسار هـو الإفلاس؛ أي زيادة الديون على الأموال؟ وإن كان كذلك فهل يجب إعطاؤه مهلة؟ أم يمكن التنفيذ على ما لديه؛ وإن كان أقل من الدين ثم يصبر الدائن بباقي دينه؟

وإذا كان المدين قادرا ومماطلا، وحكم الشريعة غير قائم، بمعنى أن القانون الوضعي يسهل له وسائل المماطلة دون أدنى زجر أو عقوبة، فهل يجوز للدائنين في هـذه الظروف اشتراط تعويضهم عن التأخير بدون عذر؟ وكيف يقدر هـذا التعويض؟ هـل ينص على قدره في أصل التعاقد المنشئ للمعاملة كما هـو الحال في الشرط الجزائي في القانون (التعويض الاتفاقي)؟ أم يحدد بعد وقوع التأخير على أساس ما فات الدائن من ربح وما لحقه من خسارة، أو على أساس ما عاد على المدين المماطل من ربح استثمار المبلغ محل المماطلة؟

ومن الذي يقرر مبلغ التعويض؟ هـل يلزم أن تكون محكمة أو محكما؟ أم يمكن أن يتفق الطرفان بعد وقوع التأخير على مبلغ التعويض دون اللجوء إلى التقاضي أو التحكيم؟ ألا يفتح ذلك باب الاتفاق على الربا ؟

كل هـذه المشاكل التطبيقية محل بحث ودراسة؛ وبطبيعة الحال محل خلاف. [ ص: 149 ]

تاسعا: الخصم في حالة السداد المبكر [4]

مسألة «ضعوا وتعجلوا» كانت ولا تزال محل خلاف شديد؛ فبعضهم يراها جائزة وبعضهم لا يراها كذلك.

وتطبيقها العملي وارد بصورة خاصة في حالة المرابحة حيث يراعي الأجل عند تحديد الثمن الآجل، فإذا تيسر السداد قبل الأجل ثار التساؤل عن جواز حط جزء من الثمن نظير السداد المبكر، وهل يجوز الاتفاق مسبقا على ذلك تشجيعا للمشتري على السداد أو لا يجوز؟

التالي السابق


الخدمات العلمية