الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما قول القائل: "إن على قدم كل نبي من الأنبياء وليان : ولي ظاهر وولي باطن"، فهذا كذب بلا ريب، فإن الأنبياء مائة ألف [ ص: 88 ] وأربعة وعشرون ألف نبي، وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين صحبوه أفضل الخلق، وما بلغوا هذا العدد، بل مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حين الفتح أكثر من عشرين سنة، وما آمن معه إلا بضعة عشر ألفا.

ومعلوم أن هؤلاء الأولياء لا يكونون بعد مبعثه في غير أمته، فإذا كانت أمته في سنين كثيرة لا تبلغ هذا العدد علم قطعا بطلان ذلك.

وأيضا فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى الأنبياء، النبي يجيء وحده، والنبي يجيء معه الرجل، والنبي يجيء معه الرجلان .

فإذا كان النبي قد لا يتبعه أحد، أو لا يتبعه إلا رجل واحد، فكيف يجب أن يكون له في كل عصر اثنان على قدمه من أمة غيره؟ [ ص: 89 ] وأيضا فقوله: "وفي باطن وولي ظاهر" إن أريد به ولي يعرفه الناس ويظهر لهم ولايته، وولي لا يظهر لهم، فمن المعلوم أن الناس لا يظهر لهم ولاية مائة ألف ولا عشرة آلاف، ولا يشهد بالولاية إلا لمن ثبت أنه ولي، إما بنص أو بما يقوم مقامه. وإن كان لا يشهد بنفيها، لكن نحن نعلم قطعا أنه لا يظهر ولاية هذا العدد للناس.

وإن أريد بظهوره وجوده بين الناس وعلمهم به، فعامة الأولياء ظاهرون بهذا الاعتبار، بل ليس من الأولياء من لم يره الناس، وإذا قدر أن فيهم من يختفي عن الناس كثيرا من أوقاته أو أكثرها، فلا بد أن يظهر لبعضهم في بعض الأوقات، ولو أنه ظهر لأبويه ومن رباه إذا كان صغيرا. ثم هؤلاء في غاية القلة، وهم من أضعف الأولياء ولاية، بل القرون الفاضلة كان وجود هؤلاء فيها نادرا أو معدوما، فإن سكنى البوادي والجبال والغيران واعتزال المسلمين من جمعهم وجماعتهم إما أن يكون منهما عنه، وإما أن يكون صاحبه إذا عذر عاجزا منقوصا.

وأيضا فقول القائل "إن الولي على قدم النبي" لا يجوز أن يريد به اتباع شريعته، فإن بعد مبعث محمد لا يتقبل الله من أحد إلا شريعته، ولو كان موسى حيا ثم اتبعه متبع وترك شريعة محمد كان ضالا، فلم يبق إلا موافقته في بعض أخلاقه وأحواله، كما شبه [ ص: 90 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح وموسى، وحينئذ فيحتاج أن تكون أخلاق الأنبياء متفاوتة هذا التفاوت، وهذا غير معلوم.

وأيضا فإن غالب الأنبياء لم يقصوا على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم تعرفهم أمته، فكيف يكون من أمته من هو على قدم نبي لا يعرفه ولا يعرف قدمه؟

وأيضا فهذا كلام لا دليل عليه، ولم يقله من له قول في الأمة، ولو كان مثل هذا حقا لكان معروفا عند أهل [العلم] والإيمان.

فإن مثل هذا لو كان حقا مما لا يخفى على أهل العلم والإيمان من هذه الأمة، فإذا لم يكن له أصل عندهم علم بطلانه.

التالي السابق


الخدمات العلمية