الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  وقال الشاعر:


                                                                                                                                                                                  إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين



                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  كأنه يحتج بهذا البيت على أن لفظ أواه على وزن فعال من التأوه، وقال الجوهري: أوه الرجل تأويها وتأوه تأوها إذا قال أوه، والاسم منه الآهة بالمد، ثم قال: قال المثقب العبدي: إذا ما قمت، إلى آخره، ويروى أهة بتشديد الهاء من قولهم: أه، أي توجع.

                                                                                                                                                                                  قلت: فلذلك قال أكثر الرواة آهة بالمد والتخفيف، وروى الأصيلي "أهة" بلا مد وتشديد الهاء وقد نسب الجوهري البيت المذكور إلى المثقب العبدي بتشديد القاف المفتوحة، وزعم بعضهم بكسر القاف، والأول أشهر، وسمي المثقب بقوله:


                                                                                                                                                                                  أرين محاسنا وكنن أخرى وثقبن الوصاوص للعيون



                                                                                                                                                                                  قوله: كنن أي سترن، والوصاوص جمع وصواص وهو البرقع الصغير، وهكذا فسره الجوهري، ثم أنشد هذا البيت، واسم المثقب جحاش عائذ بن محصن بن ثعلبة بن واثلة بن عدي بن زهر بن منبه بن بكرة بن لكز بن أفصى بن عبد القيس، قال المرزباني: وقيل: اسمه شاس بن عائذ بن محصن، وقال أبو عبيدة وأبو هفان: اسمه شاس بن نهار، والبيت المذكور من قصيدة من المتواتر وهي طويلة، وأولها قوله:


                                                                                                                                                                                  أفاطم قبل بينك متعيني ومنعك ما سألت كأن تبيني
                                                                                                                                                                                  فلا تعدي مواعد كاذبات تمر بها رياح الصيف دوني
                                                                                                                                                                                  فإني لو تخالفني شمالي لما أتبعتها أبدا يميني
                                                                                                                                                                                  إذا لقطعتها ولقلت بيني لذلك أجتوي من يجتويني

                                                                                                                                                                                  إلى أن قال:


                                                                                                                                                                                  فسل الهم عنك بذات لوث عذافرة كمطرقة القيون
                                                                                                                                                                                  إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين
                                                                                                                                                                                  تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني
                                                                                                                                                                                  أكل الدهر حل وارتحال فما يبقى علي ولا يقيني



                                                                                                                                                                                  ومن حكمها:


                                                                                                                                                                                  فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني
                                                                                                                                                                                  وإلا فاطرحني واتخذني عدوا أتقيك وتتقيني


                                                                                                                                                                                  [ ص: 258 ] فما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني
                                                                                                                                                                                  آلخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني



                                                                                                                                                                                  قوله: (أفاطم) بفتح الميم وضمها منادى مرخم.

                                                                                                                                                                                  قوله: (بينك) أي قبل قطعك.

                                                                                                                                                                                  قوله: (أجتوي) من الجوى وهو المرض وداء البطن إذا تطاول.

                                                                                                                                                                                  قوله: (ذات لوث) بضم اللام يقال ناقة لوثة أي كثيرة اللحم والشحم.

                                                                                                                                                                                  قوله: (عذافرة) بضم العين المهملة وتخفيف الذال المعجمة وكسر الفاء وفتح الراء، يقال: ناقة عذافرة أي عظيمة، وقال الجوهري: يقال: جمل عذافر وهو العظيم الشديد.

                                                                                                                                                                                  قوله: (كمطرقة القيون) وهو جمع قين وهو الحداد.

                                                                                                                                                                                  قوله: (أرحلها) من رحلت الناقة أرحلها رحلا إذا شددت الرحل على ظهرها، والرحل أصغر من القتب.

                                                                                                                                                                                  قوله: (وضيني) بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالنون وهو الهودج بمنزلة البطان للقتب.

                                                                                                                                                                                  قوله: (حل) أي حلول الحل، والحلول والمحل مصادر من حل بالمكان والمعنى: أكل الزمان موضع الحلول وموضع الارتحال.

                                                                                                                                                                                  قوله: (ولا يقيني) أي ولا يحفظني، من وقى يقي وقاية.

                                                                                                                                                                                  قوله: (بصدق) ويروى بحق.

                                                                                                                                                                                  قوله: (فأعرف) بالنصب أي فأن أعرف.

                                                                                                                                                                                  قوله: (غثي) بالغين المعجمة وتشديد الثاء المثلثة من غث اللحم إذا كان مهزولا، والمعنى: أعرف منك ما يفسد مما يصلح.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية