الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

المستقبل للإسـلام

الدكتور / أحمد علي الإمام

القنوت.. دراسة موضوعية في ضوء الكتاب والسنة

ولا ريب في أن مستقبل الإسلام، يصنعه، أهل الذكر والجهاد.. ومن حيث هم أهل ذكر، فإنهم أهل قنوت، وطاعة، واتصال بالله، ولجوء إليه.. فالقنوت ديدنهم.. والوقوف على معالم القنوت، والأحكام المتعلقة به، أمر يحتاجه صناع مستقبل الإسلام، في مواجهة التحديات، التي لا يغنيهم فيها إعداد العدة الحربية، بل لا بد من العدة الإيمانية، والقوة الروحية، والطاقات المعنوية، ولهذا فإنهم يلتزمون القنوت، وخاصة قنوت النوازل، في مواجهة الحرب، والحصار والمقاطعة، والكيد، واستبداد قوى الطغيان والاستكبار.

ومن ثم هذه دراسة في القنوت، تشرح معناه في لغة القرآن الكريم، وتفسر الآيات التي جاء فيها ذكر القنوت، مع بيان مشروعية قنوت النوازل، وضرورته في عصرنا هذا، وتبين آداب القنوت، وأحكامه، ومذاهب الفقهاء في وقته، ومحله، وما يجزىء من القنوت، وألفاظه، وشرح غريبه، وسعة الهدى النبوي في ذلك.

وأهم شيء في القنوت، أن يتحقق من يدعو، بالمعاني الجامعة لكلمة القنوت: من الاشتغال بذكر الله، والخشوع في الصلاة، والقيام، وأن يدعوه سبحانه وتعالى ، مقرين له بالعبودية، مخلصين له الدين: ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) (البينة: 5) ، وحقا: ( إنما يتقبل الله من المتقين ) (المائدة: 279) ، ثم إنه: ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) (الحج: 37) ، والمؤمنون يعتمدون في أعمالهم كلها، على عناية الله، ويتوكلون عليه وحده: ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) (الملك: 29) . [ ص: 90 ]

ونحن مندوبون إلى سؤال الله تعالى، ودائه، مفتقرين إليه، منكسرين له، حتى نكون أقرب للإجابة، ونيل المطلوب، كما وجهنا نبينا صلى الله عليه وسلم : ( إنما تنصرون، وترزقون بضعفائكم، بدعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم ) [1] والله تعالى نسأله أن يجعلنا من عباده القانتين.

دواعي الكتابة عن القنوت

وهي كثيرة، علمية، وعملية على نحو ما يلي:

1- دواع علمية: لبسط العلم، ونشر سننه، وآدابه، وذلك لما يلي:

(أ) خفاء فقه القنوت.

(ب) تعدد الآراء الفقهية، وتباين مواقف العلماء.

(ج) التنازع حول مسألة القنوت.

(د) غفلة الأمة عن القنوت.

2- دواع عملية: نواجهها في حياتنا، مع واقع المسلمين، اليوم، ومن ذلك:

(أ) الهجمة الشرسة من الكفار على المسلمين، بمختلف الأشكال، والأنواع، والصور.

(ب) ظلم بعض حكام المسلمين، للانفصام الحادث في مواقفهم، وأحكامهم، بين السلطان والقرآن، وبين السيف، والقلم، مع التبعية المخزية للكفار، وموالاة غير المؤمنين.

(ج) غفلة عامة المسلمين، عن هذا الواقع المرير، وإنه لمن النوازل حقا، عدم اعتبارالمسلمين لذلك، وعدم انتباههم إلى أن ما حل بالمسلمين في مشارق الأرض، ومغاربها، يستدعي قراءة قنوت النوازل. [ ص: 91 ]

(د) حالة الضيق والتمزق، الذي قد يصيب بعض من نذر نفسه، أن يكون مصلحا، فيواجه مكر الليل والنهار، وليس له إلا أن يخلص في دعائه، والتجائه إلى ربه.

(هـ) دعوة المسلمين كافة، للإكثار من القنوت، والتوسع فيه، وعدم التعرض لمن يقنت، لأن الأمر في فقه الدين، واسع.

(و) أهمية القنوت في تزكية النفوس، وإعلاء القيم الروحية، وتوثيق صلة العباد بربهم، والاهتمام بأمر المسلمين، وتنمية العلاقات الأخوية، والاجتماعية.

لأجل هذه الدواعي مجتمعة، كان هذا الفصل، ولنتقرب بذلك كله إلى ربنا جل جلاله ، وهو قريب ممن دعاه: ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) (البقرة: 186) . ونشرع في بيان المقصود، والله المستعان:

التالي السابق


الخدمات العلمية