الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

المستقبل للإسـلام

الدكتور / أحمد علي الإمام

من معاني.. (الدين)

الديان: من صفات الله، عز وجل ، ومعناها: الحكم القاضي.. والديان: القهار، وهو فعال، من دان الناس، أي قهرهم على الطاعة، يقال: دنتهم فدانوا: أي قهرهم فأطاعوا.

وفي حديث أبي طالب ، قال له عليه الصلاة والسلام : ( أريد منهم- أي من قريش- كلمة واحدة تدين لهم العرب ) [1] ، أي تطيعهم، وتخضع لهم.

الدين: الجزاء، والمكافأة، ويوم الدين، يوم الجزاء، وفي المثل: كما تدين تدان، أي كما تجازى، تجازى. وقوله تعالى: ( أإنا لمدينون ) (الصافات: 53) ، أي: لمجزيون، محاسبون، ومنه الديان، في صفة الله عز وجل .

الدين: الحساب، ومنه قوله تعالى: ( مالك يوم الدين ) (الفاتحة: 3) ، وقيل: معناه، مالك يوم الجزاء.

والدين: الطاعة، وقد دنته ودنت له، أي أطعته، يقال: دان بكذا، ديانة، وتدين به، فهو دين، ومتدين.

والدين هو الإسلام، وقد دنت به.

والدين: العادة، والشأن، لقول العرب: ما زال ذلك ديني، وديدني، أي عادتي، وفي الحديث: ( الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله ) [2] [ ص: 121 ]

قال أبو عبيدة : (دان نفسه، أي أذلها، واستبعدها، وقبل حسابها)

وفي التنزيل العزيز: ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) (يوسف: 76) ، قال قتادة : في قضاء الملك، أي الأغراض.. دان الرجل، إذا عز.. ودان، إذا أطاع.. ودان إذا عصى.. ودان إذا اعتاد، خيرا أو شرا...ودان إذا أصابه الدين، وهو داء.

وقوله تعالى: ( أإنا لمدينون ) (الصافات: 53) أي مملوكون. وقوله تعالى: ( فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها ) (الواقعة: 86) ، قال الفراء : غير مدينين، أي مملوكين، قال: سمعت غير مجزين.

ودنته، أدينه، دينا: سسته.. ودنته، ملكته.. ودينته القوم: وليته سياستهم.

الدين: يتدين به الرجل.

الدين: السلطان.

الدين: الورع.

الدين: القهر.

الدين: المعصية.

الدين: الطاعة [3]

معاني الدين في لغة القرآن الكريم

ترد كلمة الدين، في آيات القرآن الكريم، على وجوه من المعاني المتعددة، تفهم بحسب ورودها، في سياق المعاني المرادة في مواضعها من تلك الآيات، وقد تناول الحكيم الترمذي هذه المعاني بالدراسة، والتحليل في كتابه: (تحصيل نظائر القرآن) ، [ ص: 122 ] فقال: وأما قوله تعالى: (الدين) على كذا وجه: فالدين هو الخضوع، يقال: دان له، أي خضع له، مشتق من الدون، وكل شيء، دون شيء فهو له خاضع، فخلق الآدمي، والكبر فيه، وراثة من صلابة الأرض وقوتها، واقتضاهم أن يدينوا له، أي يخضعوا له، ويخضعوا لعظمته.

فالخضوع، والخشوع، مبتدأ من القلب إلى الأركان، حتى يظهر على الأركان بالائتمار بأمره، والتناهي عن نهيه، والقبول لأحكامه، والانقياد له.

1- شهادة ألا إله إلا الله: وإنما صار الدين في هذا المكان، شهادة ألا إله إلا الله [4] ، لأن الموحد لا يشهد بهذه الشهادة، إلا بعد خضوعه لله، وسقوطه بين يديه تذللا، وتسليما لرقبته.

2- الحساب: وإنما صار الدين (الحساب) [5] في مكان آخر، لأنه إذا جاء الحساب، دان العبد، فلم يقدر أن يجحد، فإن جحد نطقت الجوارح، فالحساب من الله، مطالبته ما وجب له على العبد، فيما عهد إليه، وفيما قلده، وفيما ضمن العبد، فيطالبه بالوفاء لذلك.. فذاك كله خضوع، يحل بالعبد.

3- حكم الله وقضاؤه: وإنما صار الدين، حكم الله وقضاءه في مكان آخر: لأنه إذا حل بالعبد حكمه وقضاؤه، دان العبد له.

4- حكم الملك الذي حبس يوسف عليه السلام : وإنما صار الدين حكم الملك [6] ، الذي حبس يوسف عليه السلام ، لما وضحنا أن الدين: الخضوع عند الحكم.

5- الإخلاص، والإسلام، والإيمان: وإنما صار الدين الإخلاص، والإسلام، والإيمان [7] ،: فإنما أسلم المسلم، وأشرك المشرك، خضوعا لله، وللوثن، ليقربه إلى الله [ ص: 123 ] زلفى، لذلك وصف الله في تنزيله عز شأنه فقال: ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) (الزمر: 3) وإنما سمي شرك المشرك، وكفره، دينا، لأنه اتخذ إلها من دونه، فخضع له، فقال: ( لكم دينكم ولي دين ) (الكافرون: 6) ، أي لكم خضوعكم لمن خضعتم له، ولي خضوعي لمن خضعت له [8]

معنى الدين في الاصطلاح

والدين بمعناه الاصطلاحي، شامل لمعانيه الواردة في لغة القرآن الكريم، من أنه الحساب، والجزاء، والمكافأة، وبمعنى الطاعة، والخضوع، والانقياد لأمر الله عز وجل ، وبمعنى الحكم، والقضاء، والقانون الجنائي، والحدود خاصة، وهذا المعنى الأخير بحاجة إلى بيان، لكثرة الشبه، التي آثارها عليه الغزو الأجنبي، وما تبعه من نظم الحكم العلمانية.

وقد جاء بهذا المعنى في قوله تعالى: ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) (يوسف: 76) ، أي في سطانه، وحكمه، وقضائه.. أما في سورة النور فقد جاءت الآية: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) (النور: 2) ، في إشارة خاصة إلى الحدود، وهي جزء من أحكام القوانين الجنائية، التي يختص بالحكم فيها الحاكم، أو من أنابه عنه.

ويلزم من ذلك، وجوب إقامة الدولة الإسلامية، والحكم بالشريعة الإسلامية، مع ما يتبع ذلك من فقه سياسة الأمة، وسيادة الدولة. [ ص: 124 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية