الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

المستقبل للإسـلام

الدكتور / أحمد علي الإمام

التطبيق العملي في عهد النبوة والخلافة الراشدة

والوثائق، والعهود، والأمثلة التالية، دليل قاطع على هذه الحرية الفكرية، والتسامح الديني:

1- وثيقة المدينة

أول وثيقة تفصيلية، بين المسلمين وأهل الكتاب، ضمنت حرية الاعتقاد، والفكر، وحقوق المواطنة الكاملة، هي الوثيقة المعروفة بوثيقة المدنية [1] وهي تبدأ هكذا:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب محمد النبي، رسول الله بين المؤمنين، والمسلمين من قريش ، وأهل يثرب، ومن تبعهم، ولحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة، من دون الناس [2]

2- عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران

وهو عهد ضمن لنصارى نجران ، الأمان على أنفسهم، وأموالهم، وعشيرتهم، وأماكن عبادتهم، وألا يغير أسقف، ولا راهب، ولا كاهن [3] 3- عهد أبي بكر لأهل نجران:

ولما آلت الخلافة إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فإنه أكد في عهد منه لأهل نجران، أنه [ ص: 150 ] أجارهم بجوار الله، وذمة النبي محمد رسول صلى الله عليه وسلم على أنفسهم، وأرضهم، وملتهم، وعبادتهم، وأساقفتهم، ورهبانهم، وفاء لهم بكل ما ورد في العهد النبوي لنصارى نجران [4]

4- عهد عمر لأهل إيلياء

وعلى ذات النهج، سار عمر رضي الله عنه ، فأعطى لأهل إيلياء عهدا، وأمانا لأنفسهم، وأموالهم، ولكنائسهم، وصلبانهم، وسقيمهم، وبريئهم، وسائر ملتها، ألا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم، وألا يضار أحد، ولا يكره على الدين [5] وقد التزمت مشروعات القوانين، المستمدة من نفس الشريعة الإسلامية، وخاصة في مسائل التعامل مع غير المسلمين، أعدل الأقوال، والآراء، وأوثقها، وأدومها، وأنسبها لتحقيق العدل والإحسان، مع رعاية لظروف المكان، والزمان..

وغير المسلمين، أشبه بأهل العهد، الذين حررت بشأنهم وثيقة المدينة، والعهد النبوي مع أهل نجران، ومما ينبغي أن يعلم بهذه المناسبة، أن اصطلاح أهل الذمة، في الفقه الإسلامي، ليس كما لم يحسن فهمه كثير من الناس. فالذمة في اللغة، بمعنى: الأمان، والعهد، والضمان، والكفالة [6] .. وأهل الذمة هم المعاهدون من النصارى ، واليهود ، من أهل الكتاب، وغيرهم، ممن بقي في دار الإسلام [7] [ ص: 151 ]

وعليه، فالذمة هي العهد، أي العهد الذي يعهده الإمام، أو من ينوب عنه، مع غير المسلمين على السلم، ووضع الحرب.. وعقد الذمة، كما عبر عنه بعض الفقهاء المعاصرين، يشبه التجنس في الوقت الحاضر [8] ويلحق بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، غيرهم من جميع الملل، غير الإسلامية، كالمجوس، حيث ورد في الهدي النبوي، أنه أخذ الجزية من مجوس هجر [9] ويؤيده ما ورد في صحيح البخاري ، ( عن عبد الرحمن بن عوف ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ) [10] وأيضا، فقد روي مرسلا عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) [11] " ويقول في ذلك، الإمام علي رضي الله عنه : من كان له ذمتنا، فدمه كدمنا، ودينه كديننا " ، وأنهم " إنما بذلوا الجزية، لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا " [12] .. وفي مصنف الإمام عبدالرزاق [13] أن رجلا مسلما، قتل آخر من أهل الذمة، في عهد عمر بن عبد العزيز ، فاقتص من المسلم بالذمي. [ ص: 152 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية