الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وجوب تقديم النية وتصحيحها عند التحديث

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ متى يمسك المحدث عن التحديث ؟ ] :

وبالجملة فوقت التحديث دائر بين الحاجة أو سن مخصوص ، وهل له أمد ينتهي إليه ؟ اختلف فيه أيضا ، فقالعياض وابن الصلاح : ( وينبغي ) له ، أي : استحبابا ( الإمساك ) عن التحديث ، ( إذ ) أي : حيث ( يخشى الهرم ) الناشئ عنه غالبا التغير ، وخوف الخرف والتخليط بحيث يروي ما ليس من حديثه .

قال ابن الصلاح : والناس في السن الذي يحصل فيه الهرم يتفاوتون بحسب اختلاف أحوالهم . يعني : فلا ضابط حينئذ له . ( و ) لكن ( بالثمانين ) أبو محمد ( ابن خلاد ) الرامهرمزي أيضا ( جزم ) حيث حده بها ، وعبارته : فإذا تناهى العمر بالمحدث فأعجب إلى أن يمسك في الثمانين ، فإنه حد الهرم . قال : والتسبيح والذكر وتلاوة القرآن أولى بأبناء الثمانين .

قال : ( فإن يكن ثابت عقل ) مجتمع رأي ، يعرف حديثه ويقوم به ، وتحرى أن يحدث احتسابا ، ( لم يبل ) أي لم يبال بذلك ، بل رجوت له خيرا .

ولذا قال ابن دقيق العيد : وهذا ، أي التقييد بالسن ، عندما تظهر منه [ ص: 234 ] أمارة الاختلال ، ويخاف منها ، فأما من لم يظهر ذلك فيه فلا ينبغي له الامتناع ; لأن هذا الوقت أحوج ما يكون الناس إلى روايته .

يعني كما وقع لجماعة من الصحابة ( كأنس ) هو ابن مالك ، وحكيم بن حزام ، حيث حدث كل منهما بعد مجاوزة المائة .

ولجماعة من التابعين كشريح القاضي ، ومن أتباعهم كالليث ، ( ومالك ) هو ابن أنس ، وابن عيينة ، ( ومن فعل ) ذلك غيرهم من هذه الطباق وبعدها ، ومنهم الحسن بن عرفة .

( و ) أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ( البغوي ) ، ( و ) أبو إسحاق إبراهيم بن علي ( الهجيمي ) بالتصغير نسبة لهجيم بن عمرو ، ( وفئه ) أي جماعة غيرهم ( كـ ) القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله ( الطبري ) ، والحافظ أبي طاهر السلفي كلهم ( حدثوا بعد المائه ) .

واختص الهجيمي عمن ذكر حسبما ذكره ابن الصلاح في فوائد رحلته بأنه كان آلى ألا يحدث إلا بعد استيفاء المائة ; لأنه قد رأى في منامه أنه قد تعمم ورد على رأسه مائة وثلاث دورات ، فعبر له أن يعيش سنين بعددها فكان كذلك .

وممن قارب المائة من شيوخنا وهو على جلالته في قوة الحافظة والاستحضار ، القاضي سعد الدين بن الديري ، ولم يتغير واحد من هؤلاء ، بل ساعدهم التوفيق ، وصحبتهم السلامة ، وظهر بذلك مصداق ما روي عن مالك أنه قال : إنما يخرف الكذابون . يعني غالبا ، حتى إن القارئ قرأ يوما على الهجيمي بعد أن جاوز المائة حديث عائشة في قصة الهجرة ، وفيه أن الحمى أصابت أبا [ ص: 235 ] بكر وبلالا أو عامر بن فهيرة ، وكانوا في بيت واحد ، فقالت له عائشة : كيف تجدك يا عامر ؟ فقال :


إني وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه     كل امرئ مجاهد بطوقه
كالثور يحمي جسمه بروقه

فقال : كالكلب . بدل قوله : كالثور . ورام اختباره بذلك ، فقال له الهجيمي : قل : كالثور . يا ثور ، فإن الكلب لا روق له ، إذ الروق بفتح الراء ثم السكون القرن ، ففرح الناس بصحة عقله وجودة حسه .

قال عياض : وإنما كره من كره لأصحاب الثمانين التحديث لكون الغالب على من يبلغ هذا السن اختلال الجسم والذكر ، وضعف الحال وتغير الفهم وحلول الخرف ، فخيف أن يبدأ به التغير والاختلال فلا يفطن له إلا بعد أن جازت عليه أشياء .

وتبعه ابن الصلاح في هذا التوجيه فقال : من بلغ الثمانين ضعف حاله في الغالب ، وخيف عليه الاختلال والإخلال ، وألا يفطن له إلا بعد أن يخلط ، كما اتفق لغير واحد من الثقات ، منهم عبد الرزاق وسعيد بن أبي عروبة . على أن العماد ابن كثير قد فصل بين من يكون اعتماده في حديثه على حفظه وضبطه .

فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن ، أو لا ، بل الاعتماد على كتابه أو الضابط المفيد عنه ، فهذا كلما تقدم في السن كان الناس أرغب في السماع ، منه كالحجار ، فإنه جاز المائة بيقين ; لأنه سمع ( البخاري ) على ابن الزبيدي في سنة ثلاثين وستمائة ، وأسمعه في سنة ثلاثين وسبعمائة ، وكان عاميا لا يضبط شيئا ، ولا يتعقل كثيرا ، ومع هذا تداعى الأئمة والحفاظ فضلا عمن دونهم إلى السماع منه ، لأجل تفرده ، بحيث سمع منه مائة ألف أو يزيدون .

[ ص: 236 ] قلت : وقد أفرد الذهبي كراسة أورد فيها على السنين من جاز المائة ، وكذا جمع شيخنا كتابا في ذلك على الحروف ، ولكن ما وقفت عليه ، بل وما أظنه بيض .

ويوجد فيهما جملة من أمثلة ما نحن فيه ، وفيه رد على أبي أمامة ابن النقاش حيث زعم أنه لا يعيش أحد من هذه الأمة فوق مائة سنة ، متمسكا بحديث جابر في ( الصحيح ) : ( ما على الأرض نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة ) حسبما سمعه البرهان الحلبي من الناظم عنه .

( و ) كذا ( ينبغي ) استحبابا ( إمساك الاعمى ) بنقل الهمزة ، سواء القديم عماه أو الحادث ، عن الرواية ، ( إن يخف ) أن يدخل عليه في حديثه ما ليس منه ; لكونه غير حافظ ، بل ولو كان حافظا ، كما وقع لجماعة حسبما قدمته في الفصل الأول من صفة رواية الحديث وأدائه مع الإمعان فيه وفي الأمي ، ما يغني عن إعادته .

وينبغي استحبابا أيضا حيث بان الحض على نشر الحديث مع ما بعده من المسائل التي انجر الكلام إليها ألا تحمله الرغبة فيه على كراهة أن يؤخذ عن غيره ، فإن هذه مصيبة يبتلى بها بعض الشيوخ ، وهي دليل واضح على عدم إرادة وجه الله ، ولا على إخفاء من يعلمه من الرواة ممن لا يوازيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث