الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ تحقيق الخط وتحسينه ] :

وحينئذ فيستحب له تحقيق الخط ، وهو أن يميز كل حرف بصورته المميزة له بحيث لا تشتبه العين الموصولة بالفاء أو القاف ، والمفصولة بالحاء أو الخاء .

وقد قال علي رضي الله عنه لكاتبه : " أطل جلفة قلمك ، وأسمنها ، وأيمن قطتك وحرفها ، وأسمعني طنين النون ، وخرير الخاء ، أسمن الصاد ، وعرج العين ، واشقق الكاف ، وعظم الفاء ، ورتل اللام ، واسلس الباء والتاء والثاء ، وأقم [ ص: 53 ] الواو على ذنبها واجعل قلمك خلف أذنك فهو أجود لك " رواه الخطيب وغيره .

وليس المراد أن يصرف زمنه في مزيد تحسينه وملاحة نظمه ، لحصول الغرض بدونه ، بل الزمن الذي يصرفه في ذلك يشتغل فيه بالحفظ والنظر ، وليست رداءة الخط التي لا تفضي إلى الاشتباه بقادحة ، إنما القادح الجهل .

ولذا بلغنا عن شيخنا العلامة الرباني الشهاب الحناوي أن بعضهم رآه يلازم بعض الكتاب في تعلم صناعته فقال له : أراك حسن الفهم ، فأقبل على العلم ودع عنك هذا ، فإن غايتك فيه أن تصل لشيخك ، وهو - كما ترى - معلم كتاب ، أو نحو هذا ، وأوشك إن اشتغلت بالعلم تسود في أسرع وقت . قال : فنفعني الله بذلك مع براعته في الكتابة أيضا .

ونحوه من رأى البدر البشتكي عند بعض الكتاب ، ورأى قوة عصبه وسرعة كتابته فسأله : كم تكتب من هذا كل يوم ؟ فذكر له عدة كراريس ، فقال له : الزم هذا ، واترك عنك الاشتغال بقانون الكتاب ، فإنك ولو ارتقيت لا تنهض في الكتابة كل يوم بما تحصله من كتابتك الآن . فأعرض عن التعلم ففاق في سرعة الكتابة .

[ ص: 54 ] ومحل ما زاد على الغرض من ذلك محل ما زاد على الكلام المفهوم ، من فصاحة الألفاظ ، ولذلك قالت العرب : حسن الخط إحدى الفصاحتين . وما أحسن قول القائل :


اعذر أخاك على رداءة خطه واغفر رداءته لجودة ضبطه     والخط ليس يراد من تعظيمه
ونظامه إلا إقامة سمطه     فإذا أبان عن المعاني خطه
كانت ملاحته زيادة شرطه

وليتجنبها بعد العصر ، لما ثبتت الوصية به من بعض الأئمة .

والكتابة بالحبر أولى من المداد ، بل ومن ماء الذهب ومن الأحمر ; لأنه أثبت ، بل قال بعض الحنفية : إن الكتابة بالأحمر شعار الفلاسفة والمجوس ، ويكون الحبر براقا جاريا ، والقرطاس نقيا صافيا .

قالوا : ولا يكون القلم صلبا جدا ، فلا يجري بسرعة ، ولا رخوا جدا فيحفى سريعا ، وليكن أملس العود مزال العقود ، فقد قيل : إن القلم الذي بآخره عقدة يورث الفقر . حكاه صاحب " تاريخ إربل " عن بعض شيوخه ، واسع الفتحة ، طويل الجلفة ، محرف القطة من الجانب الأيمن إن لم يكن ممن عادته الكتابة [ ص: 55 ] بالمدور ، وما يقط عليه صلبا جدا ، ويحمد القصب الفارسي وخشب الآبنوس الناعم ، وسكين قلمه أحد من الموسى ، صافية الحديد ، ولا يستعملها في غيره . كما بين أكثره الخطيب في " جامعه " .

ولا يتورع عن كتابة الشيء اليسير من محبرة غيره بدون إذنه ، إلا إن علم عدم رضاه ، فقد قال محمد بن إبراهيم أبو جعفر الأنماطي مربع : كنت عند الإمام أحمد بن حنبل ، وبين يديه محبرة ، فذكر حديثا فاستأذنته أن أكتب منها ، فقال لي : اكتب يا هذا ، فهذا ورع مظلم .

ولأجل الخوف من الاحتياج لضبط الفوائد ونحوها قيل : من حضر المجلس بلا محبرة فقد تعرض للكدية .

وعن المبرد قال : رأيت الجاحظ يكتب شيئا ، فتبسم فقلت : ما يضحكك ؟ فقال : إذا لم يكن القرطاس صافيا ، والمداد ناميا ، والقلم مواتيا ، والقلب خاليا ، فلا عليك أن تكون غانيا .

وكما يهتم بضبط الحروف المعجمة - كما تقدم قبل المسألة التي انجر الكلام إليها - بالنقط - كذلك يهتم بضبط الحروف المهملة جليها وخفيها ، أو خفيها فقط كما اتضح هناك بعلامة للإهمال تدل على عدم إعجامها ; إذ ربما يحصل بإغفاله خلط .

كما يحكى أن بعضهم أمر عاملا له في رسالة أن يحصي من قبله من [ ص: 56 ] المخنثين ويأمرهم بكيت وكيت ، فقرأها بالخاء المعجمة فاشتد البلاء عليهم بذلك ، إلى أن وقف على حقيقته .

التالي السابق


الخدمات العلمية