الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ اعتناء مسلم وغيره بهذه المسألة ] :

وقد اشتدت عناية مسلم ببيان ذلك حتى في الحرف من المتن وصفة الراوي ونسبه ، وربما ، كما قدمته ، في الرواية بالمعنى كان بعضه لا يتغير به معنى ، وربما كان في بعضه تغير ، ولكنه خفي لا يتفطن له إلا من هو في العلوم بمكان .

واستحسن له قوله : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعا ، عن ابن عيينة . قال أبو بكر : ثنا سفيان بن عيينة . من أجل أن إعادته ثانيا ذكر أحدهما خاصة يشعر كما قال ابن الصلاح بأن اللفظ المذكور له .

ويتأيد بقوله في [ ص: 182 ] موضع آخر : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وزهير بن حرب جميعا ، عن حفص بن غياث . قال ابن نمير : ثنا حفص . عن محمد بن زيد ، عن عمير مولى آبي اللحم قال : كنت مملوكا ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتصدق من مال موالي بشيء ؟ قال : ( نعم ، والأجر بينكما نصفان ) .

فإن لفظ أبي بكر - كما في ( مصنفه ) - حفص ، بدون صيغة ، وساق سنده قال : كنت عبدا مملوكا ، وكنت أتصدق فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان مولاي ينهاني ، أو سأله فقال : ( الأجر بينكما ) . ولفظ زهير كما عند أبي يعلى في ( مسنده ) عنه : حدثنا حفص . وساق سنده ، قال : كنت مملوكا ، وكنت أتصدق بلحم من لحم مولاي ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( تصدق ، والأجر بينكما نصفان ) .

وعن أبي يعلى أورده ابن حبان في ( صحيحه ) ، فانحصر كون اللفظ لمن أعاده ثانيا ، في أمثلة لذلك لا نطيل بها ، وربما لا يصرح برواية الجميع عن شيخهم ، كقوله : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ، قال أبو بكر : ثنا يحيى بن آدم : ثنا حسن بن عياش .

وربما تكون الإعادة لأجل الصيغة حيث يكون بعضهم بالعنعنة ، وبعضهم بالتحديث أو الإخبار ، وعليه ; فتارة يكون اللفظ متفقا ، وتارة مختلفا .

وكثيرا ما ينبه أبو داود وغيره على التوافق في المعنى في الجملة من غير تعيين صاحب اللفظ كقوله : ثنا ابن حنبل ، وعثمان بن أبي شيبة ، ومسدد ، المعنى . وربما قال : المعنى واحد . كقوله : ثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، المعنى واحد . وهي أوضح ، فربما يتوهم غير المميز كونه المعني ، بكسر النون نسبة [ ص: 183 ] لمعن . ويتأكد حيث لم يقرن مع الراوي غيره .

وقد يكون في حديث أحد الراويين أتقن ، كقول أبي داود : ثنا أبو الوليد الطيالسي وهدبة بن خالد ، وأنا لحديثه أتقن .

وممن سبق مسلما لنحو صنيعه شيخه الإمام أحمد ، فهو حريص على تمييز الألفاظ في السند والمتن .

وقد ينشأ عن بعضه لمن لم يتدبر إثبات راو لا وجود له ، ومنه قول أحمد : حدثنا يزيد بن هارون . وعباد بن عباد المهلبي ، قالا : أنا هشام ، قال عباد : ابن زياد . حيث ظن بعض الحفاظ أن زيادا هو والد عباد ، وليس كذلك ، بل هو والد هشام ، اختص عباد بزيادته عن رفيقه يزيد .

ونحوه قوله أيضا : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن ربعي بن حراش ، عن أبي الأبيض - قال حجاج : رجل من بني عامر - عن أنس . فذكر حديثا . فليس قوله : رجل من بني عامر وصفا لحجاج ، بل هو مقوله وصف به أبا الأبيض ، انفرد بوصفه له بذلك عن رفيقه ، وحجاج هو ابن محمد أحد شيخي أحمد فيه ، وأمثلة ذلك كثيرة .

التالي السابق


الخدمات العلمية