الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ حكم ذكر ألقاب الراوي ] :

( و ) أما ( ذكر ) راو ( معروف بشيء من لقب ) بحيث اشتهر بذلك ، وغلب عليه ( كغندر ) بضم المعجمة وفتح المهملة بينهما نون ، لمحمد بن جعفر وغيره ممن سيأتي مع جملة ألقاب في بابها ، أو معروف بوصف ليس نقصا في خلقته كالحمرة والزرقة والشقرة والصفرة والطول .

( أو وصف نقص ) كالإقعاد لأبي معمر ، والحول لعاصم ، والشلل لمنصور ، والعرج لعبد الرحمن بن هرمز ، والعمى لأبي معاوية الضرير ، والعمش لسليمان ، والعور لهارون بن [ ص: 261 ] موسى ، والقصر لعمران .

( أو نسب لأمه ) كابن أم مكتوم ، وابن بحينة ، والحارث ابن البرصاء ، ويعلى ابن منية ، وغيرهم من الصحابة ومن بعدهم ، كمنصور ابن صفية ، وإسماعيل ابن علية ، على ما سيأتي فيمن نسب إلى غير أبيه .

( فجائز ) في ذلك كله كما صرح به الخطيب ، ( ما لم يكن ) في اللقب إطراء مما يدخل في النهي ، فإنه حرام ، أو لم يكن الموصوف به ( يكرهه كابن علية ) بضم المهملة مصغر ، وأبي الزناد ، وأبي سلمة التبوذكي ، وعلي - بالتصغير - بن رباح ، وابنه موسى ، ومسلمة بن علي ، وابن راهويه ، وخالد بن مخلد القطواني ، فالقطواني لقبه ، وكان أيضا يغضب منها ، وزياد بن أيوب البغدادي دلويه ، قيل : إنه كان يقول : من سماني دلويه لا أجعله في حل .

وأبي العباس الأصم كان يكره أن يقال له : الأصم . وجوزي ، وهو لقب لأبي القاسم الأصبهاني صاحب ( الترغيب ) ، وكان فيما حكاه ابن السمعاني يكرهه ، وغيرهم ( فصن ) حينئذ نفسك عن الوقوع فيه والراوي [ ص: 262 ] عن وصفه بذلك ، إذ هو حرام حسبما استثناه ابن الصلاح متمسكا بنهي الإمام أحمد لابن معين أن يقول : ثنا إسماعيل ابن علية .

وقال له : قل : إسماعيل بن إبراهيم . فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه . ولم يخالفه ابن معين فيه ، بل قال : قبلناه منك يا معلم الخير .

وقد أقر الناظم ابن الصلاح على التحريم كما سيأتي في الألقاب ، وأما هنا فقال : الظاهر أن ما قاله أحمد على طريق الأدب لا اللزوم . انتهى . ولذا قال شيخنا : فهو حرام أو مكروه .

قلت : فلو علم أن كراهته تواضعا لما يتضمن من التزكية أو نحو ذلك ، كما نقل عن النووي أنه قال : لست أجعل في حل من لقبني محيي الدين . فالأولى تجنبه .

والأصل في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم لما سلم في ركعتين من صلاة الظهر : ( أكما يقول ذو اليدين ؟ ) . ولذا ترجم البخاري في ( صحيحه ) بقوله : ما يجوز من ذكر الناس ، أي بأوصافهم ، نحو قولهم : الطويل والقصير ، وما لا يراد به شين الرجل ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما يقول ذو اليدين ؟ ) . فذهب في ذلك إلى التفصيل كالجمهور .

وشذ قوم فشددوا ، حتى نقل عن الحسن البصري أنه كان يقول : أخاف أن يكون قولنا : حميد الطويل . غيبة .

وكأن البخاري لمح بذلك حيث ذكر قصة ذي اليدين لقوله فيها : وفي القوم رجل في يديه طول .

قال ابن المنير : أشار البخاري إلى أن ذكر مثل هذا إن كان للبيان والتمييز فهو جائز ، وإن كان للتنقيص لم يجز .

قال : وجاء في بعض الحديث عن عائشة في المرأة التي دخلت عليها ، فأشارت بيدها أنها قصيرة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغتبتيها ) . وذلك أنها لم [ ص: 263 ] تفعل ذلك بيانا ، وإنما قصدت الإخبار عن صفتها فكان كالاغتياب .

ومن أدلة النهي قوله تعالى : ولا تنابزوا بالألقاب . وكان نزولها حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وللرجل منهم اللقب واللقبان . وعلى كل حال من التحريم أو غيره فذاك فيمن عرف بغير ذلك ، أما حيث لم يعرف بغيره فلا .

وبه صرح الإمام أحمد ، فقال الأثرم : سمعته يسأل عن الرجل يعرف بلقبه فقال : إذا لم يعرف إلا به . ثم قال : الأعمش إنما يعرفه الناس هكذا . فسهل في مثل هذا إذا شهر به . وما أحسن صنيع إمامنا الشافعي رحمه الله حيث كان يقول : ثنا إسماعيل الذي يقال له : ابن علية .

وكان أبو بكر ابن إسحاق الصبغي إذا روى عن شيخه الأصم يقول فيه : المعقلي نسبة لجده معقل . ولا يقول : الأصم . لكراهته لها كما تقدم . وقد قال البلقيني : إنه إن وجد طريقا إلى العدول عن الوصف بما اشتهر به مما يكرهه فهو أولى .

التالي السابق


الخدمات العلمية