الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان حقيقة الردة وأحكامها

جزء التالي صفحة
السابق

وأدب اجتهادا في : أد واشك ، للنبي أو لو سبني ملك لسببته ، [ ص: 236 ] أو يا ابن ألف كلب ، أو خنزير ، أو عير بالفقر ، فقال : تعيرني به والنبي قد رعى الغنم ، أو قال لغضبان : كأنه وجه منكر ، أو مالك ، [ ص: 237 ] أو استشهد ببعض جائز عليه في الدنيا : حجة له ، أو لغيره ، أو شبه لنقص لحقه ، لا على التأسي ، كإن كذبت فقد كذبوا ، [ ص: 238 - 240 ] أو لعن العرب أو بني هاشم ، وقال أردت الظالمين ، وشدد عليه في : كل صاحب فندق قرنان ، ولو كان نبيا ، وفي قبيح لأحد ذريته عليه الصلاة والسلام ; مع العلم به : [ ص: 241 ] كأن انتسب له ، أو احتمل قوله ، أو شهد عليه عدل ، أو لفيف فعاق عن القتل ; [ ص: 242 - 243 ] أو سب من لم يجمع على نبوته ، أو صحابيا ; [ ص: 244 ] وسب الله كذلك ، وفي استتابة المسلم : خلاف : كمن قال : لقيت في مرضي ، ما لو قتلت أبا بكر وعمر ، لم أستوجبه .

التالي السابق


( وأدب ) بضم فكسر مثقلا أدبا ( اجتهادا ) في نوعه وقدره من الإمام أو نائبه فيؤدب ( في ) قوله لمن طلب منه مالا ظلما فقاله أشكوك للنبي صلى الله عليه وسلم ( أد ) بفتح الهمز وكسر الدال المشددة ، أي أعطني ما طلبته منك ( واشك للنبي صلى الله عليه وسلم ) الشارح وقع لعشار طلب من شخص شيئا فقال له أشكوك النبي صلى الله عليه وسلم فقال أد واشك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأفتى بعض الأشياخ بتأديبه وبعضهم بقتله ووافقه ابن عتاب ، سئل ابن رشد عن عشار قال لرجل اغرم واشك للنبي صلى الله عليه وسلم فأجاب العشار القائل ما ذكر لا بد له من الأدب الموجع ، وبهذا أجاب ابن الحاج أيضا .

( و ) أدب اجتهادا في قوله ( لو سبني ملك ) بفتح اللام ( لسببته ) لإظهاره عدم [ ص: 236 ] المبالاة بالملك ولم يقتل لعدم وقوع سبه الملك ولأنه إنما قصد الانتصار لنفسه وصيانتها من سب الناس ، ويؤدب من يقول يا ابن ألف كلب أو خنزير ونحوه مما يقع في كلام السفهاء ، وإن قصد دخول الأنبياء ، فإنه يقتل بلا استتابة ( أو عير ) بضم العين المهملة وكسر التحتية مثقلة ( بالفقر فقال ) لمن عيره ( تعيرني ) بضم الفوقية وفتح العين المهملة وكسر التحتية مثقلة ( به ) أي الفقر ( والنبي قد رعى الغنم ) الإمام مالك رضي الله تعالى عنه قد عرض بذكره صلى الله عليه وسلم في غير موضعه ، أي لأن رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم لم يكن لفقره بل لتدريبه على سياسة أمته أرى أن يؤدب ، أي ولا يقتل لأنه لم يرد تنقيص النبي صلى الله عليه وسلم بل رفع نفسه ودفع العار عنها .

( أو قال ) المكلف ( لغضبان كأنه ) بفتح الهمز وشد النون ، أي وجه الغضبان ( وجه منكر ) بضم فسكون ففتح اسم أحد الملكين السائلين الميت في القبر عقب دفنه ( أو ) وجه ( مالك ) اسم المالك الموكل بالنار فيؤدب إن لم يقصد ذم الملك وإلا فيقتل بلا استتابة ، سئل أبو الحسن القابسي عمن قال لشخص قبيح الوجه كأنه وجه منكر ولإنسان عبوس كأنه وجه مالك الغضبان فقال أي شيء أراد بهذا ونكير أحد فتاني القبر وهما ملكان ، فما الذي أراد أروع دخل عليه حين رآه من وجهه أم عاف النظر إليه لدمامة خلقه ، فإن كان هذا فهو شديد لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين فهو أشد عقوبة ، وليس فيه تصريح بسب الملك ، وإنما سب المخاطب . وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء .

وأما ذكر مالك خازن النار فقد جفا الذي ذكره عندما أنكره من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد فيرهب بعبسته فيشبهه القائل على طريق الذم في فعله ولزومه في ظلمه صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله فيقول كأنه لله يغضب غضب مالك فيكون [ ص: 237 ] أخف ، وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا ، ولو كان أنثى على العبوس بعبسته واحتج بصفة مالك كان أشد ويعاقب المعاقبة الشديدة ، وليس في هذا ذم الملك ولو قصد ذمه لقتل شفاء .

( أو استشهد ) المكلف ( ببعض ) شيء ( جائز عليه ) أي النبي صلى الله عليه وسلم ( في الدنيا ) من حيث هو بشر على طريق ضرب المثل استشهادا ( حجة له ) أي المستشهد ( أو ) حجة ( لغيره ) فيؤدب بالاجتهاد ( أو شبه ) بفتحات مثقلا نفسه بالنبي صلى الله عليه وسلم ( ل ) دفع نقص عن نفسه ( لحقه ) أو لتخفيف مصيبة نالته ( لا على ) وجه التأسي بفتح الفوقية والهمز وكسر السين مثقلة ، أي الاقتداء به صلى الله عليه وسلم أو التحقير له صلى الله عليه وسلم بل بقصد الترفيع لنفسه أو غيره أو على سبيل التمثيل ، ولم يقصد به تنقيصا ولا عيبا ولا سبا فيؤدب بالاجتهاد لعدم توقيره لنبيه عليه الصلاة والسلام ( ك ) قوله ( إن ) بكسر فسكون ( كذبت ) بضم فكسر مثقلا ( فقد كذبوا ) كذلك ، أي الرسل عليهم الصلاة والسلام ، أو إن أوذيت فقد أوذوا أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم أنبياء الله تعالى ورسله في الشفاء .

الوجه الخامس أن لا يقصد نقصا ولا يذكر عيبا ولا سبا ، لكنه ينزع بذكر بعض أوصافه صلى الله عليه وسلم أو يستشهد ببعض أحواله عليه الصلاة والسلام الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل أو الحجة لنفسه أو على التشبه به أو عند هضيمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على طريق التأسي وطريق التحقيق ، بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره أو سبيل التمثيل وعدم التوفير لنبيه عليه الصلاة والسلام أو قصد الهزل والتندير كقول القائل إن قيل في السوء فقد قيل في النبي صلى الله عليه وسلم أو إن كذبت فقد كذب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو إن أوذيت فقد أوذوا أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم [ ص: 238 ] أنبياء الله تعالى ورسله ، أو قد صبرت كما صبر أولوا العزم أو كصبر أيوب ، أو قد صبر نبي الله تعالى على عداه وحلم علي أكثر مما صبرت ، وكقول المتنبي :

أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود

ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول المتساهلين في الكلام ، كقول المعري :

كنت موسى وافته بنت شعيب     غير أن ليس فيكما من فقير

على أن آخر البيت شديد وداخل في باب الإزراء والتحقير بالنبي صلى الله عليه وسلم بتفضيل حال غيره عليه ، وكقوله :

لولا انقطاع الوحي بعد محمد     قلنا محمد من أبيه بديل
هو مثله في الفضل إلا أنه     لم يأته برسالة جبريل

وصدر البيت الثاني شديد لتشبيهه غير النبي به وعجزه محتمل لوجهين : أحدهما أن هذه الفضيلة نقصت الممدوح والآخر استغناؤه عنها ، وهذا أشد ونحو منه قول الآخر :

وإذا ما رفعت راياته     صفقت بين جناحي جبرتين

وقول الآخر من أهل العصر :

فر من الخلد واستجار بنا     فصبر الله قلب رضوان

وكقول حسان المصيصي من شعراء الأندلس في محمد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبي بكر بن زيدون :

كأن أبا بكر أبو بكر الرضا     وحسان حسان وأنت محمد

إلى أمثال هذا ، وإنما أكثرنا إنشاد هذه مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ، ولتساهل كثير من الناس في ولوج هذا الباب الضنك واستخفافهم فادح هذا العبء وقلة علمهم بعظيم ما فيه من الوزر وكلامهم فيه بما ليس لهم به علم ( ويحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) لا سيما الشعراء وأشدهم فيه تصريحا وللسانه تسريحا ابن هانئ الأندلسي وابن سليمان المعري ، بل قد خرج كثير من كلامهما إلى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر

وقد أجبنا عنه ، وغرضنا الآن الكلام في هذا الفصل الذي [ ص: 239 ] سقنا أمثلته فإنها كلها وإن لم تتضمن سبا ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصا غير عجزي بيتي المعري ولا قصد قائلها إزراء وغضا فما وقر النبوة ولا عظم الرسالة ولا عزر حرمة الاصطفاء ، ولا عزر حظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها أو معرة قصد الانتفاء منها أو ضرب مثلا لتطييب مجلسه أو أغلى في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله تعالى خطره وشرف قدره ، وألزم توقيره وبره ، ونهى عن جهر القول له ورفع الصوت عنده فحق هذا إن درئ عنه القتل الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعة مقاله ، ومقتضى قبح ما نطق به ومألوف عادته لمثله أو ندوره ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن جاء به ، وقد أنكر الرشيد على أبي نواس قوله :

فإن يك باق سحر فرعون فيكم     فإن عصى موسى بكف خصيب

وقال له يا ابن الخنا أنت مستهزئ بعصى موسى وأمر بإخراجه من عسكره في ليلته ، وذكر العتبي إن مما أنكر عليه أيضا وكفر به أو قاربه قوله في محمد الأمين تشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه وسلم بقوله :

تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها     خلقا وخلقا كما قد الشرا كان

وقد أنكروا عليه أيضا قوله :

كيف لا يدنيك من أمل     من رسول الله من نفره

لأن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وموجب تعظيمه وإنافة منزلته أن يضاف إليه غيره ، ولا يضاف هو إلى غيره ، فالحكم في هذا ما بسطناه في طريق الفتيا ، وعلى هذا المنهج جاءت فتيا إمام مذهبنا مالك بن أنس وأصحابه " رضي الله عنه " .

أبو الحسن في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئا فقال له الرجل اسكت فإنك أمي فقال الشاب أليس كان النبي أميا فشنع عليه مقالته وكفره الناس وأشفق الشاب مما قال وأظهر الندم عليه ، فقال أبو الحسن أما إطلاق الكفر عليه في ضلالته فخطأ ، لكنه مخطئ في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه وسلم لكنه إذا استغفر وتاب واعترف ولجأ إلى ذلك فيترك لأن قوله لا ينتهي إلى حد قتله وما طريقه الأدب فطوع فاعله بالندم عليه يوجب الكف عنه . [ ص: 240 ] أو لعن العرب أو ) لعن ( بني هاشم وقال ) أي لاعن العرب أو بني هاشم ( أردت الظالمين منهم ) فإنه يؤدب بالاجتهاد ، قال ابن أبي زيد فيمن قال لعن الله العرب أو لعن بني إسرائيل ، أو لعن بني آدم ، وذكر أنه لم يرد الأنبياء ، وإنما أراد الظالمين منهم أن عليه الأدب باجتهاد السلطان . عياض قد يضيق القول في مثل هذا لو لعن بني هاشم وقال أردت الظالمين منهم .

( وشدد ) بضم فكسر مثقلا ( في ) قوله ( كل صاحب فندق ) بضم الفاء والدال بينهما نون ساكنة ثم قاف ، أي محل جامع لبيوت سفلى وعليا يسكنه الغرباء والتجار للتجارة فيه ( قرنان ) بفتح القاف وسكون الراء فنونان بينهما ألف ، أي يقرن رجلا يزني بزوجته في الشفاء توقف . أبو الحسن القابسي في قتله وأمر بشده بالقيود والتضييق عليه حتى تستفهم البينة عن جملة ألفاظه وما يدل على مقصده ، وهل أراد أصحاب الفنادق الآن فمعلوم أنه ليس فيهم نبي مرسل فيكون أمره أخف ، ولكن ظاهر لفظه العموم للمتقدمين والمتأخرين وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء والرسل من اكتسب المال ودم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بين ، وما ترد إليه التأويلات فلا بد من إمعان النظر فيه .

( و ) شدد ( في ) نسبة شيء ( قبيح ) قولا أو فعلا ( لأحد من ذريته عليه ) الصلاة و ( السلام مع العلم به ) أي بنسبه في الشفاء وقد يضيق القول فيمن قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم قولا قبيحا في آبائه أو من نسله أو من ولده على علم منه أنه من ذريته صلى الله عليه وسلم ولم تكن قرينة في المقام تقتضي تخصيص بعض آبائه ، وإخراج النبي صلى الله عليه وسلم ممن سبه منهم ورأيت لأبي موسى من مناس فيمن قال لرجل لعنه الله إلا آدم إن ثبت عليه ذلك ، فإنه [ ص: 241 ] يقتل ، وفي نسخة ابن غازي وفي قبيح لأحد من ذريته صلى الله عليه وسلم في آبائه مع العلم به وهي المطابقة لكلام عياض . ابن غازي سقط من بعض النسخ في آبائه . شب هذا صحيح مسلم ، وإن قال طفي هو أحاله للمسألة عن وجهها ، ونظر الشارح بأن الأدب لا يختص بنسبة القبيح لذريته صلى الله عليه وسلم إذ من نسب القبيح لغيرهم يؤدب أيضا . وأجاب بأن القبيح الذي لا توجب نسبته لغيرهم الأدب توجب نسبته لهم الأدب . تت هذا يحتاج لنقل . قلت لا يرد هذا التنظير ، فإن المختص بهم شدة التأديب لا أصله وهذا صريح كلام المصنف والشفاء ، والله أعلم .

وشبه في تشديد التأديب فقال ( كأن ) بفتح الهمز وسكون النون ( انتسب ) شخص مكلف له صلى الله عليه وسلم أنه من ذريته بغير حق ، وسواء صرح بذلك ( أو احتمل ) كلامه الانتساب له صلى الله عليه وسلم بأن قال لمن قال أنت شريف من أشرف من ذريته صلى الله عليه وسلم وسواء كان الانتساب بقول أو فعل كلبس عمامة خضراء لعموم قول الإمام مالك " رضي الله عنه " من ادعى الشرف كاذبا ، وفي رواية أبي مصعب عنه من انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس زمنا طويلا حتى تظهر توبته لأن ذلك استخفاف بحقه صلى الله عليه وسلم ومع قوله ذلك كان " رضي الله عنه " يعظم من طعن الناس في شرفه ويقول لعله شريف في نفس الأمر ولا يحد المنتسب وإن استلزم انتسابه قذف أمه بغير أبيه لأنه لم يقصد هذا ، إنما قصد التشرف ولأن لازم المذهب ليس مذهبا إذا لم يكن بينا كما هنا ، إذ يحتمل أنه يدعي شرف أبيه أو أحد من أجداده وإن لم يشتهر عند الناس . تت ويحتمل أنه أراد بقوله أو احتمل ، أي كلام المكلف في الأنبياء أو الملك غير السب فيشدد عليه في التأديب ولا يقتل .

( أو شهد ) بفتح الشين وكسر الهاء ( عليه ) أي المكلف بالسب ( عدل ) واحد فقط وهو منكره ( أو ) شهد عليه به ( لفيف ) بفتح اللام وفاءين بينهما تحتية ساكنة ، أي ناس غير عدول ( فعاق ) أي منع ( عن القتل ) للمشهود عليه عدم تمام نصاب الشهادة في [ ص: 242 ] شهادة العدل وعدم العدالة في اللفيف فيشدد في تأديبه ردعا له ولأمثاله عن مثل ما شهد به عليه .

في الشفاء بعد الكلام على قتل الساب فصل : هذا حكم من ثبت عليه ذلك ببينة عدول لم يدفع فيهم ، فأما من لم تتم الشهادة عليه بأن شهد عليه واحد أو لفيف من الناس ، أو ثبت قوله ، ولكن احتمل ولم يكن صريحا أو تاب على القول بقبول توبته فهذا يدرأ عنه القتل ويتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله وقوة الشهادة عليه وضعفها وكثرة السماع وضرورة حاله من التهمة في الدين والتبرز بالسفه والمجون ، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن والشد في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته مما لا يمنعه القيام لضرورته ، ولا يقعده عن صلاته ، وهذا حكم من وجب عليه القتل ، لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه وتربص به لأشكال وعائق اقتضاه أمره وحالات الشدة في نكوله تختلف بحسب اختلاف حاله . ( تنبيهان )

الأول : في نسخة " غ " أو احتمل قوله أو شهد عليه عدل أو لفيف أو عاق عائق عن القتل ، قال فهذه أربع مسائل كلها في الشفاء ، ونقل نصه المتقدم ، ثم قال وفي كثير من نسخ هذا المختصر فعاق عن القتل بعطف عاق بالفاء وإضمار فاعله ، أي فعاق الاحتمال أو كون الشاهد واحدا أو لفيفا ، فهذه ثلاث مسائل فقط .

الثاني : اللفيف أخلاط الناس ، وفي الصحاح ما اجتمع من الناس من قبائل شتى يقال جاءوا بلفهم ولفيفهم ، أي أخلاطهم و قوله تعالى { جئنا بكم لفيفا } الإسراء أي مجتمعين مختلطين وطعام لفيف إذا كان مخلوطا من جنسين فصاعدا وفلان لفيف فلان ، أي صديقه وباب من العربية يقال له اللفيف لاجتماع حرفين معتلين في ثلاثي نحو ذوي وحيي . طفي رد في القاموس ، قول الصحاح فلان لفيف فلان فقال وقول الجوهري لفيفه صديقه وهم الصواب لغيفه بالغين . ا هـ . وذوي كرمي ورضا ذبل قاله في القاموس . [ ص: 243 ] أو سب من ) أي إنسانا ( لم يجمع ) بضم فسكون ففتح ( على نبوته ) كلقمان والخضر ومريم وآسية عليهم السلام فيشدد تأديبه ، وكذا من لم يجمع على ملكيته كهاروت وماروت .

( أو سب صحابيا ) فيبالغ في تأديبه . عياض سب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه وتنقيصهم حرام ملعون فاعله ، ومشهور مذهب الإمام مالك " رضي الله عنه " في هذا الاجتهاد والأدب الموجع . الحط القرطبي لا خلاف في وجوب احترام الصحابة وتجريم سبهم ، ولم يختلف في أن من قال كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل لأنه جحد معلوما من الشرع وكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وكذا من كفر أحد الخلفاء الأربعة أو ضللهم ، وهل هو كالمرتد فيستتاب أو الزنديق فلا يستتاب ، ويقتل على كل حال فيه خلاف . وأما من سبهم بغير ذلك ، فإن قذفهم حد حده ونكل تنكيلا شديدا وخلد في الحبس والإهانة ما خلا عائشة " رضي الله عنها " ، فإن قاذفها يقتل لتكذيبه الكتاب والسنة ، قاله الإمام مالك وغيره " رضي الله عنه " .

واختلف في قاذف بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم وعليهن فقيل يقتل لأنه آذى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل يحد وينكل ، وإن سبهم بغير القذف فيجلد جلدا موجعا وينكل نكالا شديدا .

ابن حبيب ويخلد في السجن إلى أن يموت ، وروي عن الإمام مالك " رضي الله عنه " قتل من سب عائشة مطلقا ، ولعله فيمن قذفها . وفي الإكمال في حديث الإفك ، وأما اليوم فمن قال ذلك في عائشة " رضي الله عنها " قتل لتكذيب القرآن .

وأما غيرها من أزواجه صلى الله تعالى عليه وعليهن وسلم فالمشهور حده للقذف وعقابه لغيره . وحكى ابن شعبان : قتله على كل حال وسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتنقيصهم أو أحد منهم من الكبائر المحرمات ، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك ، وذكر أنه من آذاه وآذى الله تعالى ، واختلف فيما يجب به فقال عبد الملك فيه الاجتهاد بقدر قوله والمقول فيه ، وليس له في الفيء حق ، ومن قال كانوا على ضلال وكفر فيقتل . وعن [ ص: 244 ] سحنون مثل هذا فيمن قاله عن الأئمة الأربعة ، قال وينكل في غيرهم ، وعنه يقتل في الجميع أيضا كقول مالك " رضي الله عنه " . ( وسب الله ) تعالى ( كذلك ) أي سب النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب القتل ( وفي استتابة ) الساب ( المسلم ) في الأصل قبل سبه ، وهذا أحد قولي ابن القاسم وهو المشهور وعدم استتابته ، وعليه الأكثر ( خلاف ) عياض في كتاب ابن سحنون من شتم الحق سبحانه وتعالى من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر يقتل ولا يستتاب . ابن أبي زيد إلا أن يسلم . الجلاب : من سب الله سبحانه وتعالى أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر يقتل ولا يستتاب . المخزومي وابن أبي مسلمة وابن أبي حازم لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب ، وكذا اليهودي والنصراني . شب الراجح الثاني .

وشبه في الخلاف في القتل فقال ( ك ) قتل ( من قال لقيت ) بكسر القاف ( في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر ) " رضي الله عنه " عنهما ( لم استوجبه ) لنسبته الله تعالى إلى الجور والظلم وعدم قتله مع التشديد في تأديبه خلاف بين فقهاء قرطبة في هارون بن حبيب أخي عبد الملك الفقيه ، فأفتى أخوه عبد الملك وإبراهيم بن حسن بن عاصم وسعيد بن سليمان القاضي يطرح القتل عنه إلا أن القاضي رأى عليه التثقيل بالحبس والشدة في الأدب . وأفتى إبراهيم بن حسين بن خالد بقتله الآن . قوله تضمن تجوير الله تعالى وتظلمه منه والتعويض فيه كالتصريح والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث