الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان حد الزنا وما يتعلق به

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 262 ] وجلد البكر الحر مائة ، وتشطر بالرق وإن قل ، وتحصن كل دون صاحبه بالعتق والوطء بعده ، وغرب الحر الذكر فقط [ ص: 263 ] عاما ، وأجره عليه ، وإن لم يكن له مال ، فمن بيت المال كفدك وخيبر من المدينة ، [ ص: 264 ] فيسجن سنة ، وإن عاد ، أخرج ثانية ، وتؤخر المتزوجة لحيضة ، [ ص: 265 ] وبالجلد ، اعتدال الهواء ; [ ص: 266 ] وأقامه الحاكم والسيد إن لم يتزوج بغير ملكه بغير علمه

[ ص: 262 ]

التالي السابق


[ ص: 262 ] وجلد ) بضم فكسر الزاني ( البكر ) أي الذي لم يحصن ( الحر ) المسلم البالغ رجلا كان أو امرأة العاقل ( مائة ) بسوط وضرب معتدلين كما يأتي في حد الشرب . اللخمي بسوط بين سوطين لا جديد ولا بال بالدرة ودرة عمر " رضي الله عنه " إنما كانت للتأديب وضرب بين ضربين وزمان بين زمانين ورجل بين رجلين لا بالقوي ولا بالضعيف ، ولا يضع سوطا فوق سوط . ابن القاسم حد الزنا وشرب الخمر والفرية على الظهر . ابن عرفة حد زنا البكر الحر جلد مائة ، فيها البكر حده الجلد دون رجم بذلك مضت السنة .

( وتشطر ) بفتحات مثقلا أي سقط نصف الجلد للمائة ( للرق ) فيجلد الزاني الرقيق خمسين ذكرا كان أو أنثى إن كان قنا أو أكثره رقيق ، بل ( وإن قل ) رقه كمبعض ومدبر ومكاتب وأم ولد ومعتق لأجل لقوله تعالى { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } وقيس العبيد على الإماء ، إذ لا فارق بينهما . ابن عرفة فيها حد العبد في الزنا خمسون ، وفي الخمر والفرية أربعون . اللخمي كذلك الأمة ، وكل من فيه عقد حرية لم تتم كمدبر ومكاتب وأم ولد ومعتق بعضه ومعتق إلى أجل .

( و ) إن كان زوجان رقيقين وأعتق أحدهما ووطئ بعد إعتاقه ( تحصن ) بفتحات مثقلا ( كل ) أي أي واحد منهما ( دون صاحبه ) الذي لم يعتق ( ب ) سبب ( العتق ) له ( والوطء بعده ) أي العتق . ابن عرفة فيها العبد لا يحصنه ذلك حتى يطأ بعد عتقه والوطء بعد عتق أحدهما يحصن المعتق منهما والأمة المسلمة والحرة الكتابية لا تكونان محصنتين حتى توطأ هذه بعد إسلامها ، وهذه بعد عتقها .

( وغرب ) بضم الغين المعجمة وكسر الراء مثقلا الزاني البكر ( الذكر ) بعد جلده مائة لينقطع عن أهله ومعاشه وتلحقه ذلة الغربة في الحبس فلا تغرب الأنثى إذ في تغريبها إعانة على فسادها وتعريضها له ، وإن غرب معها محرمها أو زوجها غرب من لم يزن وإن غربت وحدها خولف حديث { لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم } ( الحر فقط ) أي [ ص: 263 ] دون الرقيق لتعلق حق سيده بخدمته ، ويمكث في بلد الغربة ( عاما ) كاملا مسجونا ، والسجن تابع للتغريب فلا يسجن من لا يغرب كالمرأة والرقيق ، وقيل يسجن ا هـ شب .

ابن عرفة فيها لا نفي على النساء ولا على العبيد ولا تغريب ولا ينفى الرجل الحر إلا في الزنا أو في حرابة فيسجنان في الموضع الذي ينفيان إليه يسجن الزاني سنة والمحارب حتى تعرف توبته ، وقد نفى عمر بن عبد العزيز " رضي الله عنه " محاربا أخذ بمصر إلى شعب ، قال وكان ينفى عندنا إلى فدك وخيبر ، ثم قال ابن عرفة ثم قال اللخمي في الموازية إن عمر " رضي الله عنه " غرب امرأة إلى مصر . وفي الموطإ أنه غرب عبدا ، وروى مسلم { أنه صلى الله عليه وسلم قال البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام } ، ولا وجه للاعتذار بالولي ، وعلى اعتباره تنفى إن كان لها ولي أو تسافر مع جماعة رجال ونساء كخروجها للحج ، فإن عدم جميع ذلك سجنت بموضعها عاما لأنه إذا تعذر التغريب فلا يسقط السجن . غ ظاهر المذهب أن السجن فرع التغريب فلا يسجن العبد والمرأة لأنهما يغربان ، وقول اللخمي إن تعذر تغريب المرأة لعدم وليها ورفقة مأمونة فلا يسقط سجنها خلاف أو إلزام .

( وأجره ) أي أجرة حمل المغرب من بلد الزنا للبلد الذي أريد سجنه به ( عليه ) أي المغرب من ماله .

( وإن لم يكن له مال فمن بيت المال ) ابن عرفة في الموازية وكراؤه في مسيره عليه في ماله في الزنا والحرابة ، فإن لم يكن له مال ، ففي مال المسلمين وقاله أصبغ ، ولا يبعد تغريبه بحيث يتعذر عليه منفعة ماله وعوده بعد العام لبلده ، بل ( كفدك ) بفتح الفاء والدال المهملة . عياض مدينة الجوهري قرية من قرى ( خيبر و ) ك ( خيبر ) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بينهما تحتية ساكنة ( من المدينة ) المنورة بأنوار سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل بين كل منهما والمدينة يومان أو ثلاث مراحل خلاف ، { ونفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر } وعمر " رضي الله عنه " منها إلى كل منهما وعلي " رضي الله عنه " من الكوفة إلى [ ص: 264 ] البصرة ، وإذا غرب ( فيسجن ) بضم التحتية وفتح الجيم بموضع تغريبه ( سنة ) ابن عبد السلام تحسب السنة من يوم يسجن ، وإذا تمت السنة يخلى سبيله وإن لم تظهر توبته ، بخلاف المحارب فيسجن حتى تظهر توبته .

( فإن عاد ) المغرب إلى البلد الذي زنى به قبل تمام السنة ( أخرج ) بضم الهمز وكسر الراء ( ثانيا ) وسجن إلى تمام السنة في الموضع الذي كان فيه أو غيره ، ويلغى مما بين السجنين . ابن عرفة ابن شاس فإن عاد أخرج ثانية ، ويحتمل أن المعنى إن عاد إلى الزنا جلد مائة وغرب ، وعليه اقتصر ابن راشد .

( تنبيهات )

الأول : في التوضيح انظر إذا أعيد فهل يبنى على ما تقدم ، أو يستأنف العام والظاهر البناء . تت سبقه إلى البناء ابن عسكر في معتمده ، وحكى بهرام فيه ترددا .

الثاني : ابن عبد السلام لو زنى في المكان الذي نفي إليه أو زنى غريب بغير بلده فهل يسجن في المكان الذي زنى فيه ، أو يغرب إلى غيره . بعضهم الظاهر أنه إن تأنس في السجن مع المسجونين بحيث لا يستوحش ، به فيغرب لموضع آخر وإلا فيبقى في سجنه الأول والغريب إن زنى بفور نزوله البلد الذي زنى به يسجن فيه ، وإن زنى به بعد تأنسه بأهله يغرب إلى بلد آخر أفاده شب والخرشي .

الثالث : ظاهره أنه يخرج إن عاد ولو بقي من السنة قليل .

( وتؤخر ) المرأة الزانية ( المتزوجة لحيضة ) استبراء ولا يعجل رجمها خوفا من حملها من زوجها إن لم يستبرئها زوجها قبل زناها وقام الزوج بحقه في ماله الذي برحمها ، وإلا فلا تؤخر ، وهذه إحدى الثلاث المستثنيات من كون استبراء الحرة كعدتها . طفي جزم المصنف هنا بالحيضة مع أنه نقل في توضيحه عن ابن عبد السلام ، انظر هل هو حيضة وهو الأقرب أو ثلاث ، وقال بأثره خليل بن القاعدة أن الحرة لا تستبرأ إلا بالثلاث ا هـ ، [ ص: 265 ] ولم يذكر ابن الحاجب ولا ابن شاس شيئا من هذا والظاهر من كلام اللخمي أنه ثلاثة أشهر لأنها غاية ما يظهر فيه الحمل ، وذكر نصه الآتي قريبا ، ثم قال والظاهر من ابن شاس وابن الحاجب أنهما تبعا اللخمي ، وعلى كلامه اقتصر ابن عرفة والمصنف في توضيحه ا هـ .

الحط نقل عبارة التوضيح المتقدمة ، وقال عقبها قلت قد تقدم في باب الردة أن الإمام مالكا " رضي الله عنه " نص في الموازية على أنها تستبرأ بحيضة وحكم البابين واحد ، فلعل المصنف إنما جزم هنا بحيضة ، لهذا والله أعلم وتؤخر الحامل لوضعها ووجود مرضع يقبلها ولدها ولو من زنا . ابن عرفة اللخمي لا تحد حامل لأن رجمها قتل لجنينها والجلد يخشى منه عليه ، وعليها فإن وضعت وكانت بكرا أخرت حتى تعافى من نفاسها لأنها مريضة ، وإن كانت ثيبا رجمت إلا أن لا يوجد لولدها من ترضعه فتؤخر لفطامه ، فإن شهد على امرأة بالزنا منذ أربعين يوما أخرت ولا تضرب ولا ترجم حتى تتم ثلاثة أشهر من حين زنت فينظر أحامل هي أم لا ، ولا يستعجل برجمها أو جلدها الآن لإمكان حملها ، وإن لم يمض لها أربعون يوما جاز تعجيل حدها جلدا كان أو رجما إلا أن تكون ذات زوج فيسأل ، فإن قال كنت استبرأتها رجمت ، وإن قال لم أستبرئها خير بين أن يقوم بحقه في الماء الذي له فيها فتؤخر حتى ينظر هل تحمل أم لا ، أو يسقط حقه فيه فتحد .

وأجاز ابن القاسم في المدونة إذا زنت منذ شهرين أن ترجم إذا نظرها النساء وقلن لا حمل بها وليس بالبين { لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يكون نطفة أربعين يوما وعلقة أربعين ومضغة أربعين ، ثم تنفخ فيه الروح } ، وإذا كان كذلك أمن أن يكون في الشهرين علقة فلا يجوز أن يعمل به عمل يؤدي إلى إسقاطه كما لا يجوز للمرأة أن تشرب ما تطرحه به .

( و ) ينتظر ( بالجلد ) لمن هو حده ( اعتدال الهواء ) أي توسطه بين الحر الشديد والبرد الشديد فلا يجلد في حر شديد ولا في برد شديد خوف تأديته إلى الموت ، والتأخير في البرد نص عليه الإمام مالك وألحق به ابن القاسم الحر الشديد رضي الله تعالى عنهما . ابن عرفة فيها وكذا المريض إن خيف عليه من إقامة الحد . الإمام مالك " رضي الله عنه " إن خيف على [ ص: 266 ] السارق أن يقطع في البرد أخر ، والحر بمنزلة البرد . اللخمي إن كان ضعيف الجسم يخاف عليه الموت سقط الحد ويسجن ، وإن كان قصاصا رجع إلى الدية ، وفي كونها في ماله أو على عاقلته قولان ، وإن كان حد قذف فمن حق المقذوف تفريقه عليه ، وكذا حد الزنا والشرب . عياض قوله والحر عندي بمنزلة البرد خلاف قوله في السرقة إن كان الحر كالبرد فهو مثله ، وكلاهما خلاف ما في الموازية بخلاف البرد .

( وأقامه ) أي حد الزنا رجما أو جلدا ( الحاكم و ) أقامه ( السيد ) على رقيقه ذكرا كان أو أنثى لخبر { أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم } ( إن لم يتزوج ) الرقيق ( بغير ملك سيده ) بأن لم يتزوج أصلا أو تزوج بملك سيده ، فإن تزوج بغير ملك سيده حرة كانت أو أمة لغير سيده أو تزوجت الأمة حرا أو عبدا لغير سيدها فلا يقيمه عليه إلا الحاكم ، ثبوت زنا الرقيق ( بغير علمه ) أي السيد ، فإن كان بعلم السيد فلا يقيمه عليه إلا الحاكم ، هذا مذهب المدونة على إحدى الروايتين ، والأخرى يقيمه بعلمه .

ابن عرفة ابن شاس أما مستوفي الحد فهو الإمام في حق الأحرار . قلت هو مقتضى قولها ومن زنت جاريته ولها زوج فلا يقيم سيدها عليها الحد ، وإن شهد عليها أربعة سواه ، ثم قال وفيها مع غيرها لا بأس أن يقيم السيد على مملوكه حد الزنا والقذف والخمر لا السرقة ، ولو شهد بها عنده عدلان سواه ولا يقيمها على العبد إلا الوالي ، فإن قطعه السيد ولا بينة عادلة وأصاب وجه القطع عوقب ولا يحد عنده في الزنا إلا بأربعة سواه ، فإن كان أحدهم رفعه إلى الإمام . الباجي إن لم يثبت عليه إلا بعلم سيده فقيل يقيم عليه الحد .

ابن الجلاب فيه روايتان جوازه ومنعه ، ثم قال وفيها من زنت جاريته ولها زوج فلا يقيم الحد عليها وإن شهد عليه أربعة سواه حتى يرفعها إلى السلطان . اللخمي إن كان زوجها عبده فله إقامته عليها ، وإن كان غيره فلا يقيمه قاله في مختصر ابن عبد الحكم لأنه مما يعر الزوج ويفسد حسبه إلا أن يعترف الزوج بصحة الشهادة فيقيمه دون الإمام [ ص: 267 ] أبو إسحاق التونسي وكذا العبد إن كانت له زوجة حرة أو أمة لغير سيده فلا يقيم الحد عليه إلا الإمام .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث