الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان حقيقة النعمة وأقسامها

قسمة خامسة اعلم أن النعمة يعبر بها عن كل لذيذ ، واللذات بالإضافة إلى الإنسان من حيث اختصاصه بها أو مشاركته لغيره ثلاثة أنواع : عقلية وبدنية مشتركة مع بعض الحيوانات وبدنية مشتركة مع جميع الحيوانات أما العقلية فكلذة العلم والحكمة إذ ليس يستلذها السمع والبصر والشم والذوق ولا البطن ولا الفرج ، وإنما يستلذها القلب لاختصاصه بصفة يعبر عنها بالعقل ، وهذه أقل اللذات وجودا ، وهي أشرفها ، أما قلتها فلأن العلم لا يستلذه إلا عالم ، والحكمة لا يستلذها إلا حكيم ، وما أقل أهل العلم والحكمة ، وما أكثر المتسمين باسمهم ، والمترسمين برسومهم ، وأما شرفها فلأنها لازمة لا تزول أبدا لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ودائمة لا تمل ، فالطعام يشبع منه فيمل ، وشهوة الوقاع يفرغ منها فتستثقل والعلم والحكمة قط لا يتصور أن تمل وتستثقل ومن قدر على الشريف الباقي أبد الآباد إذا رضي بالخسيس الفاني في أقرب الآماد فهو مصاب في عقله ، محروم لشقاوته وإدباره وأقل أمر فيه أن العلم والعقل لا يحتاج إلى أعوان وحفظة بخلاف المال إذ العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والعلم يزيد بالإنفاق والمال ينقص بالإنفاق ، والمال يسرق والولاية يعزل عنها ، والعلم لا تمتد إليه أيدي السراق بالأخذ ، ولا أيدي السلاطين بالعزل ، فيكون صاحبه في روح الأمن أبدا ، وصاحب المال والجاه في كرب الخوف أبدا ثم العلم نافع ، ولذيذ ، وجميل في كل حال أبدا والمال تارة يجذب إلى الهلاك وتارة يجذب إلى النجاة ولذلك ذم الله تعالى المال في القرآن في مواضع وإن سماه خيرا في مواضع وأما قصور أكثر الخلق عن إدراك لذة العلم فإما لعدم الذوق فمن لم يذق لم يعرف ولم يشتق إذ الشوق تبع الذوق وإما لفساد أمزجتهم ومرض ، قلوبهم بسبب اتباع الشهوات كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل ويراه مرا وإما لقصور فطنتهم إذ لم تخلق لهم بعد الصفة التي بها يستلذ العلم كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذة العسل والطيور السمان ، ولا يستلذ إلا اللبن ، وذلك لا يدل على أنها ليست لذيذة ، ولا استطابته اللبن تدل على أنه ألذ الأشياء ، فالقاصرون عن درك لذة العلم والحكمة ثلاثة : إما من لم يحي باطنه كالطفل وإما من مات بعد الحياة باتباع الشهوات وإما من مرض بسبب اتباع الشهوات وقوله تعالى " في قلوبهم مرض " إشارة إلى مرض العقول ، وقوله عز وجل : لينذر من كان حيا إشارة إلى من لم يحي حياة باطنة وكل حي بالبدن ميت بالقلب فهو عند الله من الموتى : وإن كان عند الجهال من الأحياء ، ولذلك كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين وإن كانوا موتى بالأبدان . الثانية لذة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات كلذة الرياسة والغلبة والاستيلاء وذلك موجود في الأسد والنمر وبعض الحيوانات الثالثة ما يشارك فيها سائر الحيوانات كلذة البطن والفرج ، وهذه أكثرها وجودا وهي أخسها ولذلك اشترك فيها كل ودرج حتى الديدان والحشرات ، ومن جاوز هذه الرتبة تشبثت به لذة الغلبة وهو ، أشدها التصاقا بالمتغافلين ، فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالثة فصار أغلب اللذات عليه لذة العلم والحكمة لا سيما ، لذة معرفة الله تعالى ، ومعرفة صفاته وأفعاله ، وهذه رتبة الصديقين ولا ينال تمامها إلا بخروج استيلاء حب الرياسة من القلب ، وآخر ما يخرج من رءوس الصديقين حب الرياسة وأما شره البطن والفرج فكسره مما يقوى عليه الصالحون وشهوة الرياسة لا يقوى على كسرها إلا الصديقون فأما قمعها بالكلية حتى لا يقع بها الإحساس على الدوام وفي اختلاف الأحوال فيشبه أن يكون خارجا عن مقدور البشر نعم تغلب لذة معرفة الله تعالى في أحوال لا يقع معها الإحساس بلذة الرياسة والغلبة ، ولكن ذلك لا يدوم طول العمر بل تعتريه الفترات فتعود إلى الصفات البشرية فتكون موجودة ولكن تكون مقهورة لا تقوى على حمل النفس على العدول عن العدل وعند هذا تنقسم القلوب إلى أربعة أقسام : قلب لا يحب إلا الله تعالى ، ولا يستريح إلا بزيادة المعرفة به ، والفكر فيه ، وقلب لا يدري ما لذة المعرفة ، وما معنى الأنس بالله ، وإنما لذته بالجاه ، والرياسة ، والمال ، وسائر الشهوات البدنية ، وقلب أغلب أحواله الأنس بالله سبحانه ، والتلذذ بمعرفته ، والفكر فيه ، ولكن قد يعتريه في بعض الأحوال الرجوع إلى أوصاف البشرية ، وقلب أغلب أحواله التلذذ بالصفات البشرية ، ويعتريه في بعض الأحوال تلذذ بالعلم والمعرفة ، أما الأول فإن كان ممكنا في الوجود فهو في غاية البعد ، وأما الثاني فالدنيا طافحة به : وأما الثالث والرابع فموجودان ولكن على غاية الندور ، ولا يتصور أن يكون ذلك نادرا شاذا وهو مع الندور يتفاوت في القلة والكثرة ، وإنما تكون كثرته في الأعصار القريبة من أعصار الأنبياء عليهم السلام فلا يزال يزداد العهد طولا وتزداد مثل هذه القلوب قلة إلى أن تقرب الساعة ويقضي الله أمرا كان مفعولا . وإنما وجب أن يكون هذا نادرا لأنه مبادي ملك الآخرة ، والملك عزيز ، والملوك لا يكثرون فكما لا يكون الفائق في الملك والجمال إلا نادرا وأكثر الناس من دونهم فكذا في ملك الآخرة فإن الدنيا مرآة الآخرة فإنها عبارة عن عالم الشهادة ، والآخرة عبارة عن عالم الغيب وعالم الشهادة تابع لعالم الغيب كما أن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة ، والصورة في المرآة وإن كانت هي الثانية في رتبة الوجود ، فإنها أولى في حق رؤيتك فإنك لا ترى نفسك وترى صورتك في المرآة أولا فتعرف بها صورتك التي هي قائمة بك ثانيا على سبيل المحاكاة فالقلب ، التابع في الوجود متبوعا في حق المعرفة والقلب المتأخر متقدما ، وهذا نوع من الانعكاس ولكن الانعكاس والانتكاس ضرورة هذا العالم ، فكذلك عالم الملك والشهادة محاك لعالم الغيب والملكوت فمن الناس من يسر له نظر الاعتبار فلا ينظر في شيء من عالم الملك إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت فيسمى عبوره عبرة وقد أمر الحق به فقال : فاعتبروا يا أولي الأبصار ، ومنهم من عميت بصيرته فلم يعتبر فاحتبس في عالم الملك والشهادة وستنفتح إلى حبسه أبواب جهنم ، وهذا الحبس مملوء نارا من شأنها أن تطلع على الأفئدة : إلا أن بينه وبين إدراك ألمها حجابا ، فإذا رفع ذلك الحجاب بالموت أدرك وعن هذا أظهر الله تعالى الحق على لسان قوم استنطقهم بالحق فقالوا : الجنة والنار مخلوقتان ولكن الجحيم تدرك مرة بإدراك يسمى علم اليقين ومرة بإدراك آخر يسمى عين اليقين وعين اليقين لا يكون إلا في الآخرة وعلم اليقين قد يكون في الدنيا ، ولكن للذين قد وفوا حظهم من نور اليقين فلذلك قال الله تعالى : كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم أي في الدنيا ثم لترونها عين اليقين أي في الآخرة فإذا ، قد ظهر أن القلب الصالح لملك الآخرة لا يكون إلا عزيزا كالشخص الصالح لملك الدنيا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث