الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما في الاستسقاء لما استسقى على المنبر رفع يديه، كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس، قال: أتى أعرابي من أهل البدو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله! هلكت الماشية وهلك العيال وهلك الناس، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون، قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا. [ ص: 96 ]

فقد أخبر أنس في هذا الحديث الصحيح أنه لما استسقى بهم يوم الجمعة على المنبر رفع يديه ورفع الناس أيديهم، وقد ثبت أنه لم يكن يرفع على المنبر في غير الاستسقاء، فيكون أنس رضي الله عنه أراد هذا المعنى، لا سيما وبعض بني أمية كانوا قد أحدثوا رفع الأيدي يوم الجمعة، كما تقدم من حديث عبد الملك وبشر بن مروان، وإنكار عمارة بن رؤيبة وغضيف بن الحارث عليهما مخالفة السنة، وأنس أدرك هذا العصر فيكون هو أيضا أخبر بالسنة التي أخبر بها غيره من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يرفع يديه -أي على المنبر- إلا في الاستسقاء. وهذا الوجه يوافق الذي قبله، ويبين أن الاستسقاء مخصوص بمزيد الرفع، وهو الابتهال الذي ذكره ابن عباس، فالأحاديث تأتلف ولا تختلف.

وأما الموضع الثاني فنقول: من ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم في الرفع المعتدل جعل ظهر كفيه إلى السماء فقد أخطأ، وكذلك من ظن أنه قصد توجيه ظهر يديه إلى السماء في شيء من الدعاء، فليس في شيء من الحديث ما يدل على أنه قصد جعل كفيه دون بطنهما إلى السماء، ولا على أنه في الرفع المعتدل أشار بظهرهما إلى السماء، بل الأحاديث المشهورة عنه تبين أن سنته إنما هي قصد توجيه بطن اليد إلى السماء دون ظهرها إذا قصد أحدهما.

ففي سنن أبي داود من حديث مالك بن يسار السكوني ثم [ ص: 97 ] العوفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها". وروى أيضا من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار. سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم". قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضا.

وفي سنن أبي داود وغيره عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراوين". وفي سنن أبي داود عن السائب بن يزيد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه. وقد تقدم في حديث الاستسقاء من حديث عمير مولى آبي اللحم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أحجار البيت قائما يدعو رافعا يديه قبل وجهه. لكن هذا الرفع دون الرفع الذي أخبر به أنس، وذاك كان في موطن آخر، فإن ذاك الرفع جاوز بهما رأسه. [ ص: 98 ]

وبالجملة فهذا الرفع الذي استفاضت به الأحاديث، وهو الذي عليه الأئمة في دعاء الصلاة، وعليه عمل المسلمين من زمن نبيهم إلى هذا التاريخ.

وأما حديث أنس فقد تقدم أنه لشدة الرفع انحنت يده، فصار كفه مما يلي السماء لشدة الرفع، لا قصدا لذلك، كما جاء أنه رفعها حذاء وجهه. وتقدم حديث أنس نفسه أنه رأى رسول صلى الله عليه وسلم يدعو بباطن كفيه وظاهرهما، وتقدم حديث ابن عباس: الابتهال هكذا، ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه. فهذه ثلاثة أنواع في هذا الرفع الشديد رفع الابتهال، تارة يذكر فيه أن بطونهما مما يلي وجهه وهذا أشد، وتارة يذكر هذا وهذا، فتبين بذلك أنه لم يقصد في هذا الرفع الشديد لا ظهر اليد ولا بطنها، لأن الرفع يرتفع وتبقى أصابعها نحو السماء مع نوع من الانحناء الذي يكون فيه هذا تارة وهذا تارة. وأما إذا قصد توجيه بطن اليد أو ظهرها فإنما كان توجه بطنها، وهذا في الرفع المتوسط الذي هو رفع المسألة. فبهذا تآلف الأحاديث ويظهر السنة وتبين المعاني المتناسبة.

التالي السابق


الخدمات العلمية