الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما إطلاق النفاق على من تخلف عن الجماعة أو الجمعة، فهذا إنما يكون إذا كان بغير تأويل شرعي، فأما من تخلف لعذر شرعي، أو من اعتقد أن ذلك ليس بواجب عليه، فتخلف لأجل هذا الاعتقاد فإنه قد يكون مؤمنا غير منافق، سواء كان مصيبا في اعتقاده أو مخطئا.

وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الله شرع لنبيه سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما [ ص: 129 ] يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. فقد أخبر ابن مسعود أن الجماعة لم يكن يتخلف عنها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا منافق معلوم النفاق، وهذا مما يستدل به من يوجبها، لأنه إذا لم يكن يتركها حينئذ إلا منافق معلوم النفاق علم أنها كانت واجبة، إذ لو كانت مستحبة كقيام الليل وصيام يوم الاثنين والخميس وسنة الظهر والمغرب لكان قد يتركها المؤمن، ولم يكن في تركها يقال: إنه منافق، فإنه قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما فرض الله من الصلاة والصيام والزكاة ونحو ذلك لرجل، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال: "أفلح إن صدق". فإذا كان من أدى الفرائض يكون مفلحا وإن لم يأت المستحبات، وكانت الجماعة لا يتخلف عنها عندهم إلا منافق، علم أنها كانت عندهم من الواجبات، ولكن هذا كان لعلم الصحابة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم ومعاني كلامه، وأنه لم يكن بينهم نزاع على عهده ولا شبهة ولا اختلاف، لظهور العلم والإيمان ومعرفتهم بوجوبها وتوكيد النبي صلى الله عليه وسلم لها. حتى قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". ومعلوم أن التحريق بالنار لا يكون إلا عن كفر أو كبيرة عظيمة. [ ص: 130 ]

وفي رواية: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية"، وفي رواية لأبي داود: "ثم أنطلق إلى رجال يصلون في بيوتهم، فأحرق بيوتهم بالنار". فلما علم الصحابة هذا الوعيد والتهديد كان المؤمنون يطيعون الله ورسوله، والمنافقون يتخلفون عن الجماعة، فأما اليوم فقد قل العلم والإيمان، وكثير من العلماء يخفى عليه بعض السنة فضلا عن غيرهم، فلهذا صار يتركها من ليس بمنافق معلوم النفاق، لكن هؤلاء يتشبهون بالمنافقين، إذا لم يكونوا منافقين، وهم تاركون للسنة المؤكدة باتفاق المسلمين، وإذا أصروا على ذلك ردت شهادتهم، بل يقاتلون في أحد القولين، وهذا عند من لا يقول بوجوبها.

فأما من قال بوجوبها فإنه يقاتل تاركها، ويفسق المصرين على تركها إذا قامت عليهم الحجة التي تبيح القتال والتفسيق، كما يقاتل أهل البغي بعد إزالة الشبهة ورفع المظلمة، بل العلماء قد يعاقبون من ترك واجبا أو فعل محرما، وإن كان متأولا، كما قال مالك والشافعي وأحمد في شارب النبيذ المتأول أنه يجلد وإن كان متأولا، والشافعي لا يرد شهادته بذلك، ومالك يردها، وعن أحمد روايتان. وكذلك البغاة المتأولون إذا قاتلوا، كما قاتل علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين، فإنهم عند الأئمة الأربعة لا يفسقون بذلك البغي، لأنهم كانوا فيه متأولين وإن قوتلوا. [ ص: 131 ]

وهكذا كل ما ثبت تحريمه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خفي ذلك على بعض العلماء، فإنه يذكر تحريمه وما ورد فيه من التغليظ والوعيد، وإن كان المتأول المعذور من العلماء لا يلحقه الوعيد، بل يغفر الله له لأنه اجتهد فأخطأ، وقد قال تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، وفي الصحيح أن الله تعالى قال: "قد فعلت".

وهكذا ما يتنازع فيه الأئمة من واجبات الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، إذا تركه التارك متأولا مع قيامه بالواجبات وتركه للمحرمات لم يكن بذلك فاسقا بل ولا آثما، بل الله يغفر له خطأه.

ومع هذا فمن يقول بوجوبه يبين وجوبه، ويذكر ما جاء فيه من الأدلة الشرعية لبيان العلم وإظهار السنة، وليتبين خطأ القول المخالف للسنة، وصواب القول الموافق لها، وإن كان المخالف مجتهدا معذورا، بل يكون المجتهد من أولياء الله المتقين، وعباد الله الصالحين، ومن أئمة الدين، والله يغفر له خطأه ويغفر له ما هو فوق الخطأ من الذنوب، إذ لا معصوم من أن يقر على خطأ أو ذنب بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان صديقا أو شهيدا أو صالحا، لكن يكونون كما قال تعالى: أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون .

ووجوب الجماعة من هذا الباب، فإن دلائل وجوبها في [ ص: 132 ] الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ظاهر بين، لا يستريب فيه بعد معرفته ومعرفة ما قيل في ذلك عالم منصف، ولكن طائفة من العلماء ظنوا أن الوعيد كان في الجمعة خاصة، والنصوص صريحة ثابتة بأنها كانت في الجماعة أيضا. ومنهم من ظن أن العقوبة إنما كانت للنفاق خاصة لا لترك الجماعة، وهذا أيضا خطأ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعاقب أحدا على ما أسره من النفاق، وإنما يعاقبه بما أظهره من ترك واجب أو فعل محرم. وأيضا فإذا كان تركها علامة النفاق، فالدليل يستلزم المدلول، علم أن كل من تركها كان منافقا، وهذا دليل الوجوب.

وأيضا فإنه قد ثبت في الصحيح أن ابن أم مكتوم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخص له في تركها، فقال: "هل تسمع النداء؟ "، قال: نعم. قال: "فأجب". وفي رواية في السنن : فقال: "لا أجد لك رخصة". وابن أم مكتوم مؤمن باتفاق المسلمين، وهو الأعمى الذي ذكره الله بقوله: عبس وتولى أن جاءه الأعمى ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه على المدينة، وكان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فلم يأذن له في التخلف عن الجماعة، فعلم أنها واجبة على من علم إيمانه.

ومن ادعى أن هذا الحديث منسوخ أو مخالف للإجماع فقد [ ص: 133 ] غلط، فإن العمل عليه عند من يوجب الجماعة، يوجبها على الأعمى كما يوجب عليه الجمعة، فإذا أمكنه الخروج إليها وجبت عليه، وإن لم يكن له قائد، إذ الأعمى قد يذهب إلى السوق وغيره من حوائجه بلا قائد، فكذلك يذهب إلى الجماعة.

التالي السابق


الخدمات العلمية