الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 695 ] [ ص: 696 ] ولا من جهل تأخر موته ،

التالي السابق


( ولا ) يرث ( من جهل ) بضم فكسر ، أي لم يعلم ( تأخر ) بضم الخاء المعجمة مشددة ( موته ) عن موت مورثه بأن ماتا بغرق أو حرق أو هدم أو بوباء أو قتال ولم يعلم المتقدم وحال الغرقى والهدمى وغيرهم ممن ينبهم حالهم على ثلاثة أقسام الشك هل ماتا معا أو أحدهما بعد الآخر أو علم سبق موت أحدهما ولم تعلم عينه أو عرفت ثم نسيت ، ومذهبنا لا ميراث بينهم ويرث كل واحد أحياء ورثته . ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم { : لا ميراث بشك } ، وقول زيد أمرني أبو بكر رضي الله تعالى عنهما أن أقسم ميراث أهل اليمامة فلم أورث الأموات بعضهم من بعض ، وأمرني عمر رضي الله تعالى عنه أن أقسم ميراث من مات في طاعون عمواس فلم أورث من عمي موته . وقول خارجة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قسمت أموال أهل الحرة فلم أورث بعضهم من بعض ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فلم ينكره أحد .

وفي الموطإ لم يتوارث ممن قتل يوم الجمل ولا يوم صفين ولا يوم الحرة ولا يوم قديد إلا من علم أنه قتل قبل صاحبه ، وخبر أم كلثوم أنها ماتت هي وابنا زيد في فور فلم يدر أيهما مات قبل صاحبه فلم يتوارثا ، وحيث لا ميراث بالشك فوجوهه كثيرة ذكر العقباني منها جملة صالحة منها قول المصنف في النكاح ولا إرث إن تخلف أربع كتابيات عن الإسلام أو التبست المطلقة من مسلمة وكتابية .

ومنها الشك في الأقعد ، ففي سماع أصبغ فيمن شهد عليه أنه كان يقر أن ولاءه لبني تميم أو لبني زهرة مثلا لا يكون من ولائه لا قليل ولا كثير إذا سمى الفخذ حتى يبين لمن [ ص: 697 ] هو منهم . ابن رشد هذا مما لا اختلاف فيه ; لأن الولاء كالنسب ، فلو ثبت رجل أنه من بني فلان ولم يعين من عصبته منهم ، وحيث يلتقون معه من الآباء كان ميراثه لجميع المسلمين ، ولا يكون لواحد منهم الجهل بتعدده .

ومنها الشك في سبق عتق الأمة وموت زوجها ، ففي المدونة لا ميراث لها للشك ، ومنها قول المصنف في فصل الاستلحاق ، وإن قال لأولاد أمته أحدهم ولدي عتق الأصغر إلخ ، إذ قالوا فيها لا إرث لأحد منهم للشك .

ومنها الشك في كونه قتله عمدا أو خطأ ذكره في التحفة ، ومنها قوله وصدقت المسبية ولا توارث ، وكذلك المحمولون . ابن يونس روى عن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما أنهما أبيا أن يورثا أحدا من الأعاجم إلا من ولد في الإسلام .

واختلف في معنى قول عمر هذا فذهب الجمهور إلى أنه إذا لم يثبت بالبينة العادلة ، وأما إن ثبت بها أن بعضهم ورثة بعض فإنهم يتوارثون . وقال ابن حبيب لا يتوارثون بحال . ابن يونس دليل الجماعة قوله تعالى : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } ، فلم يخص ولادة من ولادة وإجماع المسلمين على إيجاب التوارث بين الصحابة بولادة الجاهلية ، ولا فرق بينهم وبين الأعاجم لاستوائهم في الشرك . ولا تقبل شهادة بعضهم في التوارث إلا العدد الكثير يسلمون ويعتقون .

ابن القاسم العشرون عدد كثير وأباه سحنون ، وفرق اللخمي بين قرب الزمان وبعده فيتوارثون إذا بعد زمانهم وهم يدعون القرابة ، ولم ينكر عليهم ذلك أحد ممن قدم من بلادهم ، ومنها من أنفذ مقتله ثم مات قبل خروج روح ابنه مثلا ، فهل يجعل الأب هو الميت أولا لنفوذ مقتله أو الابن هو المتقدم ، لبقاء الروح في أبيه بعد موته ، فهذا يوجب الشك في المتقدم منهما ، وقد حكى سحنون عن ابن القاسم فيمن شق جوفه وأمعاؤه أو ذبح ولم يمت حتى مات ولده أيرثه قال نعم يريد إلا المذبوح فلا يرثه ، وأما المشقوق الجوف ففي حديث عمر رضي الله تعالى عنه حجة ، نقله ابن يونس وفي [ ص: 698 ] العتبية أجاب ابن القاسم بأن المذبوح لا يرثه ، وأما المشقوق ففي قصة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حجة . واختلف ابن القاسم وأشهب في تعيين من يقتص منه إن قتل منفو المقتل شخص آخر ، وحكى الفاسي عن سحنون قولين ، أحدهما أنه يرثه إلا المذبوح والآخر أن غير المذبوح لا يرثه أيضا وصوب ابن يونس الثاني ، وليس من مسائل الشك موت أخوين مثلا عند الزوال ، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ; لأن زوال المشرق قبل زوال المغرب قاله القرافي .

القاضي الفقهاء يورثون المغربي من المشرقي والمعدلون ينظرون إلى طولي البلدين ، فإذا عرفوا فضل الأطول نظروا إلى عدد الدقائق والساعات ، واستخرجوا به المتقدم والمتأخر ، واقتصر عليه الشيخ السنوسي قائلا أطلق الفقهاء أن الميتين ببلدين بوقت واحد كالزوال لا يتوارثان ، وهذا صحيح إن كان موتهما ببلدين متحدي الطول ، أما إن ماتا ببلدين مختلفي الطول فإن زوال الأطول مثلا يتقدم على زوال الأقصر بقدر فضل طوله عليه ، وخسوف القمر دليل قطعي على ذلك ، فينبغي في مثل هذا أن يرث الميت بالموضع الأدنى طولا الميت بالموضع الأرفع طولا ، وبيان وجه هذا مشهور في علم الهيئة ، والله أعلم .




الخدمات العلمية